واشنطن فقدت الاتصال بالواقع والعالم هو من سيدفع الثمن!

بقلم ماركو كارنيلوس

ترجمة وتحرير مريم الحمد

أصدرت الاستخبارات الأمريكية مؤخراً تقييمها السنوي لما تسميه التهديدات العالمية للأمن القومي الأمريكي،  حيث تعكس الوثيقة التحليلات والرؤى الجماعية التي تدور في وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيدرالي وأكثر من 12 وكالة أخرى.

يمكن استنتاج التفكير البائس الذي يخيم على التقرير من أول سطوره، حيث يبدأ بأنه “خلال العام المقبل، سوف تواجه الولايات المتحدة نظاماً عالمياً هشاً ومتوتراً بسبب المنافسة  المتسارعة من الناحية الإستراتيجية بين القوى الكبرى، بالإضافة إلى تحديات وطنية أكثر حدة ولا يمكن التنبؤ بها، يضاف إليها احتمال وجود الصراعات الإقليمية ذات التداعيات بعيدة المدى”.

ويواصل التقرير بالإشارة إلى أن ” الصين طموحة ولكن قلقة، وروسيا التي تميل إلى المواجهة، وبعض القوى الإقليمية، مثل إيران تتحدى القواعد القديمة للنظام الدولي”.

وفق هذا التقرير، فإن إيران وروسيا والصين هي الأطراف الشريرة  الرئيسية لتحديها قواعد النظام الدولي القائمة منذ فترة طويلة!

مجتمع الاستخبارات الأمريكية غير قادر على رؤية الصراع في غزة على حقيقته باعتباره صراع تحرير وطني تسببت به عقود من الاحتلال الإسرائيلي الوحشي للأراضي الفلسطينية، وسهلته شحنات الأسلحة الأمريكية الضخمة ودعمها سياسياً باستمرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فلولا ذلك لربما تمت محاسبة الحكومة الإسرائيلية عن جرائم الحرب التي ارتكبتها

المشكلة هي أنه ليس من الواضح ما هي القواعد التي يشير إليها التقرير، هل هي القانون الدولي العرفي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات الأمم المتحدة؟ أم ما يسمى النظام العالمي القائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة؟ فالمشكلة المفاهيمية الرئيسية هي أنه بالنسبة للمؤسسة السياسية الأمريكية وحلفائها الغربيين الرئيسيين، لا يوجد أي تمييز، ولكنهم بالطبع مخطئون.

إن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يشكلان الركائز الأساسية للنظام العالمي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية، والذي قدمت الولايات المتحدة مساهمة بارزة فيه، فالنظام الدولي القائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة هو تطور سيء، إن صح التعبير، في الفكر السياسي الأمريكي، فهو يشكل عقلية ذاتية المرجعية ملتوية لمصالح واشنطن وحلفائها.

يستند هذا النظام إلى أيديولوجية نيوليبرالية مشبعة بمعايير مزدوجة، وما المأساة التي تتكشف في غزة اليوم إلا أحدث الأمثلة وأكثرها وضوحاً على تلك الازدواجية.

إضافة إلى ذلك، يستند هذا النظام على استثنائية الولايات المتحدة وتفوقها كرمز للحضارة الغربية، ومن هذا المنطلق يدعي هذا النظام أن القوانين الوطنية هي قوانين عالمية، ولكن لا ينفذها عندما تتعارض مع مصالحه الخاصة، أو بعبارة أخرى ” لأصدقائي كل شيء ولأعدائي القانون”.

تحدي الهيمنة الأمريكية

ليس من المستغرب أن يلقي التقرير الصادر عن مجتمع الاستخبارات الأمريكية اللوم على الصين وروسيا وإيران، إلى جانب جهات الفاعلة مثل حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين والحوثيين في اليمن،  في تحدٍ ليس فقط لقواعد النظام الدولي ولكن من أجل “الأولوية الأمريكية” بالدرجة الأولى.

الجريمة الحقيقية ليست في تحدي النظام نفسه، بل في تحدي الهيمنة الأمريكية، فهذا ما بات يواجه الآن تحدياً علنياً، أو على الأقل استياءً، من قِبَل عدد من البلدان في ما يسمى بالجنوب العالمي، حيث أن أقلية فقط من البلدان في أوروبا وشرق آسيا تعتبر أولوية الولايات المتحدة شرطاً أساسياً لنظام دولي مستقر.

وفي الواقع، فإن التدقيق في العقدين الأخيرين من التاريخ يثبت عكس نظرية الأولوية تلك، حيث أخذ النظام العالمي بالتحول من نظام أحادي القطب يتمحور حول الولايات المتحدة إلى نظام متعدد الأقطاب، ولو عدنا للتاريخ، فطالما قامت الإمبراطوريات ثم انهارت، ومن الحكمة أن يبدأ صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة بالتكيف مع قواعد التاريخ هذه، خاصة وهم الآن يواجهون أحد خيارين، إما قبول حكم التاريخ، كما فعلت المملكة المتحدة تدريجيا منذ عام 1945، أو مقاومة هذا الحكم.

إن إشارة التقرير إلى الأزمة الحاصلة نتيجة الحرب على غزة أكثر توضيحاً لتلك النظرة البائسة داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكية، حيث ورد فيه: “لا يحتاج المرء إلا إلى إلقاء نظرة على أزمة غزة التي أثارتها مجموعة إرهابية غير حكومية ذات قدرة عالية في حماس، والتي تغذيها جزئياً ضغوط إقليمية”، وهنا يقصد إيران الطموحة، وتتفاقم تلك الأزمة بسبب السرديات التي تشجعها الصين وروسيا لتقويض الولايات المتحدة على المسرح العالمي.

يبدو أن مجتمع الاستخبارات الأمريكية غير قادر على رؤية الصراع في غزة على حقيقته باعتباره صراع تحرير وطني تسببت به عقود من الاحتلال الإسرائيلي الوحشي للأراضي الفلسطينية، وسهلته شحنات الأسلحة الأمريكية الضخمة ودعمها سياسياً باستمرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فلولا ذلك لربما تمت محاسبة الحكومة الإسرائيلية عن جرائم الحرب التي ارتكبتها.

إن السردية الأمريكية التي تزعم أن أحداث السابع من أكتوبر يمكن إرجاعها أيضاً إلى المحاولات الصينية والروسية لتقويض واشنطن على المسرح العالمي هو ضرب من السخافة ليس إلا!

معايير مزدوجة

إن العامل الحقيقي الذي يقوض المكانة العالمية للولايات المتحدة هو سلوك واشنطن الدولي ومعاييرها المزدوجة، وذلك يتجسد في دعمها الثابت لإسرائيل في جرائمها ضد غزة، رغم أنه نظرياً هجوم ينتهك جميع القواعد التي وضعتها الولايات المتحدة!

لقد تجلى ذلك بشكل الأعمق في سلوك إدارة بايدن بعد تبني قرار مجلس الأمن الدولي الأخير الذي يطالب بوقف إطلاق النار في غزة، فبعد السماح بتمرير القرار بالامتناع عن التصويت، سارعت الولايات المتحدة إلى وصفه بأنه غير ملزم.

مختصر الفكرة أن دولة كبرى تفتخر بقيم عليا وقواعد ومعايير تعتبرها منارة للفخر تخبر دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة، وهنا إسرائيل، بأنها تستطيع تجاهل قرار أمني!

المفارقة المأساوية هي أن حكومة نتنياهو لم يكن في حاجة لهذا الموقف الملتوي الأمريكي، فقد كان سيتجاهل القرار على أية حال، مع العلم أن قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ملزمة دائماً، وبهذه الطريقة أهدرت إدارة بايدن فرصة وقدمت نموذجاً للمعايير المزدوجة.

أثارت واشنطن غضب الجميع، فمن جانب أغضبت إسرائيل واللوبي الواسع المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة لعدم استخدام حق النقض، ومن الجانب الآخر أغضبت يسار الحزب الديمقراطي الأمريكي والشعب الفلسطيني وبقية العالم بسبب وصف القرار بشكل مشين بأنه غير ملزم.

في الوقت نفسه، فإن تقييم التهديد الأمريكي للصين يرجعه إلى “قدرة الصين على التنافس المباشر مع الولايات المتحدة وحلفائها وتغيير النظام العالمي القائم على القواعد”، وبذلك يساوي التقييم قدرة صينية بسيطة مع نية متعمدة تسعى قيادتها إلى تحقيقها، في حين تؤكد بشكل غير مباشر على أن هذا هو التفكير الرسمي الأمريكي، فالنظام العالمي الوحيد الذي يمكن التفكير فيه هو النظام الذي تقوده واشنطن.

من جهة أخرى، يعترف التقرير بأن الإجراءات الأمريكية التي تهدف إلى ردع العدوان الأجنبي غالباً ما “يفسرها الخصوم على أنها تعمل على تعزيز تصوراتهم الخاصة بأن الولايات المتحدة تنوي احتوائهم أو إضعافهم، وهذه التفسيرات الخاطئة يمكن أن تؤدي إلى تعقيد إدارة التصعيد وزيادة الأزمة”.

لو افترضنا أن المحللين التابعين لمجتمع الاستخبارات الأمريكية أذكياء وصادقون في إدراك المشكلة التي يعرفها خبراء العلاقات الدولية بأنها “عدم قابلية الأمن للتجزئة” أي أن أي إجراء أمني تتخذه دولة ما يمكن تفسيره على أنه تهديد من قبل دولة أخرى، فإنه ينبغي لهم أيضاً أن يكونوا قادرين على الاعتراف بأن ميلهم إلى المساواة بين القدرات المفترضة لبعض الدول ونوايا تلك الدول التلقائية، هو جزء أساسي من التوترات التي تؤثر على خريطة الجغرافيا السياسية الحديثة.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

 

مقالات ذات صلة