أحمد أبو عزيز كان أكثر من مجرد زميل… كان أخاً وصديقاً

بقلم لبنى مصاروة

ترجمة وتحرير مريم الحمد

كنت جالسة بجانب سرير والدتي في مستشفى عيمك في بلدة العفولة شمال إسرائيل، عندما تلقيت رسالة تفيد بأن صديقي وزميلي أحمد أبو عزيز ربما كان من بين الـ 22 فلسطينياً الذين قتلتهم إسرائيل في ساحة مستشفى ناصر في غزة.

دخلت في حالة صدمة، فقد كنا على اتصال للتو في اليوم السابق، فكنت قد اتصلت برقم أحمد على أمل أن يتصل بي، فأجاب صديق له على هاتفه المحمول، وسألته إذا كان أحمد على قيد الحياة وقال لي أنه ربما قُتل لكنه سيتحقق عندما يعود إلى المستشفى.

كل صباح عندما تصل إلى المستشفى وتجتاز الفحص الأمني، ترى أكثر من 100 ملصق عليها وجوه الجنود الذين قتلوا في غزة، وهناك ملصقات مكتوب عليها “سوف ننتصر” أو “بعون الله سننتصر”، فأتساءل من الذي تريد إسرائيل هزيمته؟

قال: “أنا في طريقي لدفن أصدقائي الآخرين”، ولم تمر 5 دقائق قبل تأكد استشهاد أحمد من خلال صورة لجسده محاطاً بزوجته وأمه تم إرسالها لي عبر الواتساب.

لم نلتق قط، ولكننا كنا على اتصال مع بعضنا البعض كل يوم على مدار الـ 22 شهراً الماضية، وأصبحنا نعرف بعضنا البعض، فكان أحمد يرسل لي رسالة أو يتصل بي كل صباح ويطلعني على آخر الأخبار، وكان يرسل بكل تفاصيل كل حالة وفاة من أسماء الشهداء واللقطات.

لقد أصبح الموت الجماعي في غزة هو القاعدة الجديدة، كما أن عدم اهتمام وسائل الإعلام الدولية جعل أحمد وكل صحفي يحاول العمل هناك غير متأكد مما إذا كان أي شخص هناك مهتماً حقاً بما يحدث بعد الآن.

قبل بضعة أشهر، طلبت منه أن يرسل لي اقتباساً عن زميل صحفي كان قد قُتل، فقال لي: ماذا ستكتبين عني عندما أموت؟ فأخبرته أنه لن يموت وغيرت الموضوع.

روابط شخصية قوية

لقد كنت رئيسة التحرير المسؤولة عنه في موقع ميدل إيست آي، ولذلك فإن أداء هذه الوظيفة يعني إعادة تشكيل علاقتي مع الفريق على الأرض عندما يمكن أن تنتهي حياة أي من زملائي في أي لحظة.

لقد أصبحوا أقرب بكثير من كونهم مجرد مراسلين مستقلين يروجون للقصص، فهم إخوة وأخوات أتفقدهم كل يوم لأعرف كيف ينامون وما إذا وجدوا شيئاً ليأكلوه، فنحن نتحدث هنا عن تفاصيل تُدفن تحت العناوين.

لقد تعلمنا الاعتناء ببعضنا البعض وبناء روابط شخصية قوية، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه عندما يتخلى العالم الحر عن أي جهد لمنع إسرائيل من ارتكاب الإبادة الجماعية.

قبل أيام قليلة، اضطررت للعودة من لندن لأكون مع والدتي بعد أن تلقيت رسالة من عائلتي تفيد بأنها على وشك الموت، فلا شيء يجهزك لفقدان أحد الوالدين، وموتهم الوشيك يثير ألم الانتماء خاصة في الوقت الذي يتعرض فيه شعبي للإبادة الجماعية.

لم تتح لي الفرصة للتأقلم من العالم الطبيعي الذي عشت فيه لفترة في لندن والعودة إلى العالم الذي أعيش فيه كفلسطينية في إسرائيل، ففي لندن، كان بإمكاني الانتقال من مكان إلى آخر دون المرور عبر حواجز الطرق أو رؤية أشخاص يحملون أسلحة، كما أستطيع أن أتكلم العربية دون أن يحدق بي أحد.

شعر أحمد بوجود خطأ ما، فأرسل لي رسالة نصية يوم السبت بينما كنت في طريق عودتي وقال أنه شعر بأنني أمر بشيء ما لكنني لم أرغب في إخباره عن حالة والدتي.

نحن الفلسطينيون الذين نعيش خارج غزة نشعر أن آلامنا ومشاكلنا صغيرة مقارنة بما يحدث هناك، لذلك نشعر بالخجل من مجرد الشكوى من نقاط التفتيش وعنف المستوطنين وأي شيء شخصي، فكيف أخبر أحمد عن خوفي من فقدان والدتي وقد فقد نصف عائلته وأصدقائه ولا يستطيع حتى أن يودعهم أو يحزن!

في المستشفى، كان المواطنون اليهود والفلسطينيون في إسرائيل يرقدون جنباً إلى جنب، ولكن هذا هو المكان الذي ينتهي فيه التعايش ويهيمن علم نجمة داود الكبير على جدار الجناح حيث يحمل العديد من الزوار أسلحة وأسلحتهم الخاصة.

العفولة هي بلدة إسرائيلية صغيرة، تُعرف بأنها معقل لليمين المتطرف، فقد شارك رئيس بلدية العفولة في مظاهرة ضد بيع منزل لعائلة عربية، ومن بين المتظاهرين، الذين لوحوا بعلم منظمة لهافا، كان أيضاً نائب رئيس البلدية شلومو مليحي وأعضاء مجلس المدينة.

تدمير لكل القيم الأخلاقية

كل صباح عندما تصل إلى المستشفى وتجتاز الفحص الأمني، ترى أكثر من 100 ملصق عليها وجوه الجنود الذين قتلوا في غزة، وهناك ملصقات مكتوب عليها “سوف ننتصر” أو “بعون الله سننتصر”، فأتساءل من الذي تريد إسرائيل هزيمته؟

هل هو أحمد البالغ من العمر 28 عاماً الذي يحمل كاميرته ويحلم بحياة أفضل؟ أم مريم أبو دقة التي فقدت والدتها في الحرب وتمنت رؤية ابنها الوحيد يتخرج؟ أم أنها تلك الوجوه والأيدي الصغيرة للأطفال الجائعين الذين يحملون الأواني للحصول على الطعام؟

إن هذه الإبادة الجماعية لا تدمر نسيج حياتنا الفلسطينية فحسب، بل تدمر أرواح الإسرائيليين أيضاً، فالتدمير المتعمد لغزة هو انعكاس لتدمير كافة القيم الأخلاقية في المجتمع الإسرائيلي، فأرواح الجنود تموت وهم يقتلون النساء والأطفال المصطفين عند نقاط المساعدة.

أفكر دائماً بما قد يدور في رأس جندي إسرائيلي وهو يصوب سلاحه نحو الأطفال الذين ينتظرون على نقاط المساعدات، فأي نوع من الآباء سيكون وأي نوع من المجتمع ستبنيه إسرائيل؟

استيقظت في الخامسة صباحاً على صوت صفارات الإنذار العالي، وفي البداية، اعتقدت أنني مازلت في لندن ولا بد أنه صوت سيارة إسعاف، ولكن بعد ذلك أدركت أنني عدت إلى إسرائيل وكان هناك صاروخ قادم من اليمن.

هل هناك جولة أخرى من الحرب مع إيران على وشك البدء؟ كيف سأصل إلى والدتي كل يوم؟ لم أستطع الذهاب إلى النوم، فماذا عن أمي وإيران وأحمد وغزة؟

للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة