أزمة داخل الجنائية الدولية… ملاحقة كريم خان رغم تبرئته

في تطور يثير مخاوف من تسييس العدالة الدولية، أيدت أغلبية أعضاء المكتب التنفيذي للمحكمة الجنائية الدولية المضي قدماً في قضية ضد المدعي العام كريم خان، رغم تقرير قضائي سابق خلص إلى عدم وجود أدلة تثبت ارتكابه أي مخالفة.

وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، صوّتت غالبية أعضاء المكتب، المؤلف من 21 دولة، على اعتبار أن خان قد يكون ارتكب نوعاً من سوء السلوك، وذلك بعد أقل من شهر على صدور تقرير لجنة قضائية عيّنها نفس الجهاز، أكدت أن تحقيقاً أممياً لم يثبت وقوع أي “مخالفة أو إخلال بالواجب”.

وكشفت المعطيات أن 15 دولة، معظمها غربية وأوروبية، قررت تجاوز رأي القضاة وإجراء تقييم مستقل استناداً إلى الأدلة الواردة في تقرير الأمم المتحدة، من بينها بلجيكا والبرازيل وإيطاليا واليابان وبولندا وسويسرا، في المقابل، دعمت أربع دول تقرير اللجنة القضائية، بينما امتنعت دولتان عن التصويت.

ورغم أهمية التصويت، فإنه لا يُعد قراراً نهائياً، إذ لا يزال المكتب بصدد صياغة مراسلة رسمية ستُوجّه إلى خان خلال الأيام المقبلة، على أن يُمنح مهلة 30 يوماً للرد، قبل اتخاذ قرار نهائي مطلع يونيو/حزيران بشأن طبيعة المخالفة المزعومة.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الاتهامات تتعلق بالادعاءات السابقة ذات الطابع الجنسي التي فجّرت التحقيق الأممي، أم بمخالفات أخرى محتملة.

ضغوط سياسية تلاحق التحقيق في جرائم الحرب

وكان خان قد دخل في إجازة مفتوحة منذ مايو/أيار 2025، عقب تسريب مزاعم ضده في وسائل الإعلام، وهي اتهامات نفى صحتها بشدة. 

وتزامنت هذه القضية مع حملة يُعتقد أنها تهدف إلى عرقلة جهود مكتبه في التحقيق بجرائم حرب ارتكبها مسؤولون في دولة الاحتلال خلال الحرب على غزة.

ورغم أن تقرير مكتب الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة عرض روايات متباينة وأدلة متعارضة، إلا أن لجنة القضاة أكدت أن التحقيق لم يصل إلى نتائج حاسمة، مشيرة إلى غياب الأدلة المباشرة، واعتماد التقرير على شهادات غير مؤكدة، وعدم حسم التناقضات في الروايات.

وخلصت اللجنة إلى أنه “لا توجد أدلة كافية لإثبات وقوع أي سوء سلوك وفق معيار الإثبات القاطع”.

انتقادات قانونية وتحذيرات من تسييس القرار

من جهتهم، حذر محامو خان من أن تجاهل نتائج اللجنة القضائية يطرح تساؤلات خطيرة حول تدخل الاعتبارات السياسية في مسار العدالة.

وأكدوا أن تقرير المحققين لا يرقى إلى مستوى حكم قضائي، وأن استبعاده لصالح تقييم سياسي يُعد سابقة مقلقة، قد تقوّض أسس سيادة القانون داخل المحكمة.

وأشاروا إلى أن اللجنة القضائية، التي تضم قضاة دوليين بارزين، راجعت كامل الأدلة على مدى ثلاثة أشهر، وخرجت بنتيجة واضحة تنفي وجود أي مخالفة.

سيناريوهات محتملة وعواقب خطيرة

وبحسب وثائق داخلية، فإن المكتب قد يقرر تعليق مهام خان في حال إثبات مخالفة جسيمة أو حتى أقل خطورة، بانتظار الحسم النهائي.

وفي حال تصنيف المخالفة على أنها جسيمة، يتعين على الدول الأعضاء، وعددها 125، التصويت بالأغلبية المطلقة لعزله من منصبه، أما في حال اعتبارها مخالفة أقل خطورة، فقد تُفرض عليه إجراءات تأديبية دون الإقالة.

وفي خضم هذه التطورات، عبّر خبراء قانونيون ومسؤولون دوليون عن قلقهم من تسييس القضية، داعين إلى احترام نتائج اللجنة القضائية للحفاظ على مصداقية المحكمة.

كما حذرت نقابات قانونية، من بينها نقابة المحامين الأفارقة، من أن تجاوز رأي القضاة قد يقوّض ثقة المجتمع الدولي بالمحكمة ويضعف منظومة العدالة الدولية.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تعيش فيه المحكمة حالة غير مسبوقة من الارتباك، وسط تسريبات إعلامية وضغوط سياسية متزايدة، ما يثير تساؤلات عميقة حول استقلالية القضاء الدولي ومستقبله.

مقالات ذات صلة