أمريكا تشعل الحرب… وحلفاؤها يدفعون الفاتورة

بقلم ماركو كارنيلوس 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

خلال الحروب، كثيراً ما تتبع التداعيات الاقتصادية منطقاً مختلفاً عن الأهداف العسكرية، ويشكّل العدوان الأمريكي المشترك مع الاحتلال على إيران، الذي انطلق في الثامن والعشرين من فبراير/شباط، نموذجاً صارخاً لهذه المفارقة.

فمن بين الأهداف المتعددة التي أعلنها الطرفان المهاجمان، وهي أهداف بدت متقلبة ومتحولة على الدوام، برز السعي إلى إضعاف طهران باعتباره الأكثر إلحاحاً. 

غير أن أشد التداعيات الاقتصادية للصراع لم تقع على إيران وحدها، بل طالت في المقام الأول حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا.

أحدثت الحرب صدمة غير متكافئة بفعل إغلاق إيران لمضيق هرمز، وما يمثله هذا الممر الحيوي من مركزية في إمدادات الطاقة والسلع عالمياً.

فالقارة الأوروبية ودول آسيا تجد نفسها اليوم في مواجهة نقص حاد في الطاقة، وضغوط تضخمية متصاعدة، وتحولات جذرية في مسارات التجارة العالمية.

وقبل اندلاع الحرب، كان يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وثلث صادرات النفط الخام والأسمدة، وقرابة ثلثي صادرات الهيليوم، ونحو نصف صادرات الكبريت.

غير أن الحملة العسكرية الأميركية المشتركة مع الاحتلال أدت إلى شلّ هذا الشريان الحيوي، فيما استهدفت الضربات الإيرانية المضادة منشآت إنتاج النفط والغاز وناقلاتهما في دول الخليج، ومع الارتفاع الهائل في تكاليف التأمين، توقفت حركة الشحن إلى حد كبير.

تكمن أهمية النفط والغاز في كونهما العمود الفقري للاقتصاد العالمي، بينما تعد الأسمدة عنصراً أساسياً للإنتاج الغذائي، ويُستخدم الهيليوم والكبريت في الصناعات الدقيقة مثل الرقائق الإلكترونية. 

وهكذا يجد العالم نفسه أمام أزمة طاقة خانقة، وأزمة غذاء متفاقمة، وتهديد خطير للاقتصاد الرقمي، قد يمتد أثره إلى كل شيء، من الأجهزة المنزلية إلى مراكز البيانات التي تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتستقبل آسيا نحو 90% من صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج، مقابل 10% فقط لأوروبا، أما النفط، فيتجه نحو 80% منه إلى آسيا، بينما لا تحصل أوروبا سوى على نحو 4%.

صدمة اقتصادية قاسية

بذلك، تبدو آسيا الأكثر تعرضاً لصدمة اقتصادية مباشرة وعنيفة، فالمنطقة تضم عمالقة الصناعة من الصين إلى كوريا الجنوبية، ومن اليابان إلى الهند، فضلاً عن تايوان التي تمثل محوراً رئيسياً في صناعة الرقائق الإلكترونية، وهذه الدول تواجه الآن عاصفة تجمع بين نقص الإمدادات، وارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل التوريد.

ومنذ اندلاع الحرب، ارتبطت تراجعات الأسواق المالية بوضوح بدرجة اعتماد الدول على واردات الطاقة. 

فمثلاً يبلغ عجز الطاقة في كوريا الجنوبية نحو 5.7% من ناتجها المحلي، وتعتمد على الخليج في 70% من وارداتها النفطية، وقد شهدت تراجعاً في سوقها بنسبة 12%، كما انخفضت أسواق تايلاند بنسبة 10.7%، وفيتنام 8.8%، واليابان 7.2%.

والواقع أن هذه الأرقام ليست مجرد تحركات مالية مجردة، بل تعكس تدميراً لرؤوس الأموال، وتأجيل الاستثمارات، وارتفاع تكاليف الاقتراض للشركات الآسيوية.

كما أن اعتماد آسيا الكبير على قطر تحوّل إلى نقطة ضعف قاتلة، بعدما تعرضت منشأة رأس لفان، أكبر مركز لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، لأضرار جسيمة جراء الضربات الإيرانية. 

وقد أقرت شركة “قطر للطاقة” بأن نحو 17% من طاقتها التصديرية قد تأثر، وأن أعمال الإصلاح قد تستغرق بين ثلاث وخمس سنوات.

وبالنسبة للمشترين الآسيويين، فإن هذا التطور يعتبر كارثياً، ففي عام 2024، ذهبت 20% من صادرات قطر من الغاز إلى الصين، و12% إلى الهند، و10% إلى كوريا الجنوبية، و7% إلى باكستان، و6% إلى تايوان، وهذه الدول تجد نفسها الآن في منافسة شرسة على كميات متناقصة من الإمدادات.

أما أوروبا، فمعاناتها الاقتصادية أقل مباشرة لكنها قد تكون أكثر خطورة على المدى المتوسط، خاصة مع انخفاض احتياطياتها من الطاقة، واقتراب موسم الشتاء الذي يتطلب إعادة ملئها.

ولا تزال أوروبا تعتمد بشكل كبير على السوق العالمية لتأمين الديزل والمنتجات المكررة، ومع تفوق المشترين الآسيويين في دفع الأسعار، فإن الدول الأوروبية تواجه خطر نفاد مخزوناتها من الديزل، وهو سيناريو كارثي لقارة تعتمد عليه في النقل والزراعة والبناء.

وتبرز مشكلة أخرى ملحّة تتمثل في انخفاض مستويات تخزين الغاز إلى حدود خطيرة، حيث لا تتجاوز حالياً 28.9% من السعة، وهي نسبة أدنى بكثير مقارنة بالسنوات السابقة.

وبحسب توجيهات الاتحاد الأوروبي، يجب رفع هذه النسبة إلى 90% قبل حلول الشتاء، لكن مع توقف إمدادات الخليج وإغلاق خطوط الغاز الروسية، تضطر أوروبا إلى منافسة آسيا على الغاز الأميركي والنرويجي. 

ويحذر بعض المحللين من أنه حتى لو بلغت المخزونات 80% بحلول أكتوبر/تشرين الأول، فسيكون ذلك من أدنى المستويات خلال عقد، وقد يفتح الباب أمام أزمة طاقة شبيهة بأزمة 2022.

حسابات قاسية

وقد ارتفعت أسعار الغاز بالفعل بنسبة 98% منذ اندلاع الحرب، وفي أسوأ السيناريوهات قد تصل إلى 90 يورو لكل ميغاواط/ساعة لمدة ستة أشهر، دون أن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب قبل عام 2027.

وتظهر التداعيات الاقتصادية الكلية بوضوح، حيث تراجع السوق الألماني، محرك الاقتصاد الأوروبي، بنسبة 8%، فيما انخفضت أسواق فرنسا وإيطاليا بنسبة 7.7% و6.6% على التوالي. 

وتُعد جميع الاقتصادات الأوروبية الكبرى مستوردة صافية للطاقة، مع تعرض أكبر لكل من اليونان وإيطاليا وإسبانيا.

وقد جاءت هذه الحرب في لحظة كان فيها الاقتصاد الأوروبي يحاول التعافي الهش بعد الحرب في أوكرانيا، لتقضي على آمال النمو وتعيد إشعال الضغوط التضخمية.

لكن الجانب الأكثر دلالة سياسياً يتمثل في أن الولايات المتحدة تبدو أقل تأثراً بهذه التداعيات الاقتصادية، بينما تطالب حلفاءها بتحمل الكلفة، بل إن شركات الطاقة الأميركية مرشحة لتحقيق أرباح ضخمة، في ظل تنافس أوروبا وآسيا على شراء الغاز والنفط الأميركيين.

وقد عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هذا المنطق بوضوح صادم، حين خاطب حلفاءه الذين يعانون من نقص الوقود قائلاً: “اشتروا من الولايات المتحدة، لدينا الكثير، أو اذهبوا إلى المضيق وخذوا النفط بأنفسكم، عليكم أن تتعلموا القتال، الولايات المتحدة لن تكون هناك لمساعدتكم بعد الآن”.

لقد بدا هذا التصريح وكأنه صادر عن شخص أشعل الحريق، ثم يلوم ضحاياه لأنهم لم يساهموا بما يكفي في إطفائه.

وفي الواقع، تقف أوروبا متفرجة بينما يتعرض اقتصادها لضربات موجعة نتيجة صراع لم تفوضه ولا تملك السيطرة عليه. 

وإذا كانت الحرب الأميركية المشتركة مع الاحتلال على إيران قد تحقق أهدافاً عسكرية محدودة، فإن إرثها الاقتصادي سيكون تفكيك التحالفات الغربية وإضعاف اقتصادات الشركاء الرئيسيين.

ذلك أن الولايات المتحدة تجني الأرباح من الفوضى، في الوقت الذي تدفع فيه حلفاءها لمواجهة مصيرهم بأنفسهم. 

وضمن هذه المعادلة، ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد الإيراني، فإن الضربة الأوسع تطال الدول التي لطالما اعتبرتها واشنطن وتل أبيب أقرب حلفائهما.

وإذا كانت الحرب الروسية على أوكرانيا قد أعادت تنشيط حلف الناتو، فإن تداعيات الحرب على إيران قد تقود إلى تفككه بشكل دائم.

وهنا تبرز أسئلة ملحّة: متى سيعيد القادة الأوروبيون تقييم خياراتهم السياسية خلال السنوات الأربع الماضية؟ ومتى سيتعلم حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الدرس الجيوسياسي الأهم في النصف الثاني من القرن العشرين؟

هذا درس لا يزال صالحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى مفاده أن عداوة الولايات المتحدة قد تكون خطرة، لكن صداقتها قد تكون قاتلة. 

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة