إدارة ترامب تعتمد سياسة الانتظار قبل أي هجوم على إيران

إدارة ترامب تعتمد سياسة الانتظار قبل أي هجوم على إيران

تعتقد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن عامل الوقت يصبّ في مصلحتها عند اتخاذ قرار توجيه ضربة لإيران، في وقت “ينسج” فيه الرئيس الأميركي صعودًا وهبوطًا على سلّم التصعيد مع الجمهورية الإسلامية، بحسب ما أفاد به مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون مطّلعون على النقاشات الجارية في واشنطن والمنطقة لموقع ميدل إيست آي.

وقال المسؤولون، الذين اطّلعوا على التقديرات المقدَّمة إلى دوائر صنع القرار، إن إدارة ترامب لا ترى أن موجة الاحتجاجات ضد النظام الإيراني مرشحة للانحسار في المدى القريب.

واندلعت التظاهرات في أواخر ديسمبر/كانون الأول على خلفية الغضب من تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، قبل أن تمتد إلى معاقل تقليدية للنظام، بما في ذلك البلدات الريفية وأوساط التجار.

ويبدو أن القمع العنيف الذي واجهت به طهران المحتجين يتجه ليكون الأشد في تاريخها الحديث، فبحسب رويترز، قد يكون أكثر من 2600 شخص قُتلوا خلال المواجهات.

وقال مسؤول أميركي مطّلع على المناقشات المتعلقة بإيران، طلب عدم الكشف عن هويته: “تلوح في الأفق مناسبات حساسة، من بينها إحياء ذكرى قتلى الاحتجاجات، وشهر رمضان، وذكرى ثورة عام 1979، وعيد النوروز”.

ويُعرف تاريخيًا أن التوترات في إيران تتصاعد خلال المواسم الدينية والوطنية، وقد لعبت الذكريات المرتبطة بضحايا الاحتجاجات دورًا محوريًا في تعبئة الشارع خلال الثورة التي أطاحت بالشاه المدعوم أميركيًا عام 1979، ويصادف عيد النوروز، رأس السنة الإيرانية، في 20 مارس/آذار، فيما يُتوقع أن يبدأ شهر رمضان الشهر المقبل.

وقالت رندا سليم، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز ستيمسون، لميدل إيست آي: “يبدو أن هذا الخفض في منسوب التصعيد مؤقت، وهو بانتظار تطورات داخل إيران، أعتقد أن ترامب يراهن على أن هذا النظام غير قادر على الصمود على المدى الطويل”، وليس خافيًا أن ترامب يتعمّد استخدام عنصر عدم القدرة على التنبؤ.

 

لأشهر عدة، وترامب يلوّح بإمكانية شن هجوم على فنزويلا، ما أبقى حكومة نيكولاس مادورو في حالة استنفار دائم، وعندما قرر التحرك، نفذت قوات أميركية خاصة عملية ليلية جريئة اختطفت خلالها الرئيس الفنزويلي ونقلته إلى نيويورك.

وقال مسؤول أميركي سابق لـ ميدل إيست آي: “هذا هو النسج، ترامب يرفع الحرارة ثم يخفضها، فلم العجلة؟

وأضاف مسؤول دفاعي أميركي رفيع سابق: “إذا تركنا الأمور تأخذ مسارها الطبيعي، سنتمكن من معرفة من سيبقى وما الذي يريده الشارع، ولنكن صريحين، لدينا عمليات سرية وأصول استخباراتية داخل إيران، إلى جانب أطراف أخرى، هذه الجهات تؤثر في مسار الاحتجاجات، وأي عمل عسكري الآن قد يربك ذلك”.

وترى الإدارة الأميركية أن هذه الاحتجاجات “لا يمكن إعادتها إلى الصندوق”، وأن اللحظة قد تكون مواتية لتغيير النظام، وفقًا لمسؤولين مطّلعين، ويجري تقييم نوعية الضربات التي قد تكون “الأكثر فاعلية” لدعم الحراك، وأيها قد يقود إلى نتائج سياسية ملموسة.

ويشير محللون عسكريون إلى أن الأهداف المحتملة تشمل قواعد الحرس الثوري الإيراني ومواقع ميليشيا الباسيج.

وفي فنزويلا، أطاح ترامب بمادورو ثم اختار العمل مع بقايا مؤسسات حكمه لإدارة البلاد من الخارج، وإذا أراد تكرار السيناريو نفسه في إيران، فهناك – بحسب خبراء – أسباب تدفعه إلى التريث.

وتؤكد إدارة ترامب أنها لم تعترف رسميًا بأي عمليات داخل إيران، غير أن قناة 14 الإسرائيلية أفادت بأن محتجين يتلقون أسلحة من جهات أجنبية، كما تشير تقارير إلى أن بعض القتلى في إيران هم من عناصر الأمن الذين سقطوا خلال اشتباكات مع المتظاهرين. 

اعتبارات لوجستية وعسكرية

ثمّة أيضًا أسباب لوجستية قد تفسر تريث ترامب، فحاملة الطائرات الأميركية USS Abraham Lincoln ومجموعتها القتالية تبحر من بحر الصين الجنوبي نحو الشرق الأوسط، وهي رحلة تستغرق قرابة أسبوع.

كما يتعين على الولايات المتحدة الاستعداد لاحتمال رد إيراني يستهدف قواعدها العسكرية في المنطقة وحليفتها إسرائيل.

وكانت إيران قد أطلقت أكثر من 500 صاروخ باليستي باتجاه دولة الاحتلال عقب تعرضها لهجوم في يونيو/حزيران، ورغم إسقاط معظم الصواريخ بواسطة الدفاعات الأميركية ودفاعات جيش الاحتلال، فإن عددًا منها اخترق المنظومات الدفاعية وأصاب وسط تل أبيب.

وتشير مصادر أميركية حالية وسابقة إلى أن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض، مثل باتريوت PAC-3 وSM-3  ومنظومة ثاد، لا يزال منخفضًا.

وذكرت نيويورك تايمز أن رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو طلب من ترامب، يوم الأربعاء، تأجيل أي هجوم على إيران.

وكانت طهران قد ردّت على قصف أميركي لمنشآتها النووية بشن هجوم على قاعدة العديد الجوية في قطر، بعد أن أبلغت واشنطن مسبقًا، ما حدّ من حجم الأضرار.

الخليج والضغط السياسي

هذه المرة، يقول خبراء، قد تنظر طهران إلى أي ضربة أميركية – في ظل الاحتجاجات الواسعة – بوصفها تهديدًا وجوديًا، ما قد يدفعها إلى ردٍ أكثر عنفًا عبر استهداف قواعد أميركية في المنطقة أو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من صادرات النفط العالمية.

ويُعزى الخطاب التصالحي النسبي لترامب أيضًا إلى ضغوط من شركاء واشنطن الخليجيين، وفي مقدمتهم السعودية وقطر، إلى جانب تركيا، الذين يجادلون ضد توجيه ضربة لإيران.

وعلى الرغم من أن دول الخليج فرضت منذ أبريل/نيسان 2025 حظرًا على استخدام أراضيها وأجوائها لشن هجوم على إيران، فإنها فشلت في ثني ترامب عن ضربة نفذها في يونيو/حزيران الماضي.

وقال مسؤول مصري سابق مطّلع على جهود الضغط: “خلال الصيف، لم يكن أحد في الخليج يعتقد أن ترامب سيمضي فعلًا في قصف إيران، الآن، وبعد أن فعلها، بات الخطر يؤخذ بجدية أكبر”.

وترى رندا سليم أن ترامب يحاول “ترضية” حلفائه الخليجيين، الذين يشترون بمليارات الدولارات من رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية ويستثمرون في مشروعات عائلته، وأضافت: “يمكن لترامب استخدام التهديد بالقوة كرادع، فإن نجح كان بها، وإن لم ينجح، يعود إلى حلفائه ويقول: لقد جربنا”.

بدوره، قال ديفيد شينكر، المسؤول الأميركي السابق والباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن “كل ما جرى حتى الآن يهدف إلى وضع الولايات المتحدة في موقع يسمح لها بتنفيذ الضربة، الرسائل واضحة، وهذا المسار يُراد له أن يبدو حتميًا”.

وأضاف: “الضمانات الأمنية المقدَّمة لدول الخليج صيغت على نحو متعمّد بعبارات فضفاضة، لمنح الرئيس هامش حركة، لكنها، بلا شك، تفتح أبوابًا معقّدة”.

وكان ترامب قد غذّى التكهنات يوم الثلاثاء حين قال إن “المساعدة في الطريق”، داعيًا المحتجين الإيرانيين إلى السيطرة على مؤسسات الحكم، وربط تهديده بتدخل عسكري بمقتل المتظاهرين، قبل أن يعلن في اليوم التالي توقف عمليات القتل، قائلاً لشبكة NBC: “أنقذنا أرواحًا كثيرة”.

وختم شينكر بالقول: “كل الإشارات تدل على أن الولايات المتحدة تهيئ المسرح لعمل عسكري، الرسالة وصلت، وهذا التصعيد – حتى لو تأجل – لم يُلغَ”. 

مقالات ذات صلة