إعادة إعمار غزة… اختبار لإحياء الفاعلية الوطنية الفلسطينية

بقلم علاء الترتير

ترجمة وتحرير مريم الحمد

في ظل تآكل المشروع الوطني الفلسطيني وغياب برنامج سياسي موحد وقيادة فاعلة وتشرذم الجسم السياسي والارتباك المصاحب لكل ذلك، يقف الفلسطينيون اليوم على مفترق طرق تاريخي ووجودي.

إن اللحظة الحالية، والشكل الذي لا يزال ناشئاً لعملية إعادة الإعمار في غزة، يشكلان نقطة دخول بالغة الأهمية لا يجوز إهدارها، فهي فرصة للمساءلة ولإرساء أسس جديدة للممارسة السياسية الفلسطينية الجماعية

في هذه اللحظة – التي تتسم بتوسيع “المناطق الرمادية” والغموض، والتي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النظام الاستعماري وهياكل السيطرة والهيمنة التابعة له، من الضروري أكثر من أي وقت مضى مناقشة وتحليل الملفات التي لا يزال يحتفظ الفلسطينيون بها، فهي الأدوات التي يمكن أن تنقل الفلسطينيين بعيداً عن حالة الهزيمة والضعف والارتباك، إلى وضع أفضل لمواجهة محاولات إسرائيل المستمرة لمحو الهوية والوجود الفلسطيني. 

ويتطلب هذا بالضرورة عملية جادة وصادقة من التأمل والنقد الذاتي، وهو شرط أساسي لبناء مستقبل مختلف وأمر جديد جوهرياً ويتوافق مع حقائق اللحظة الراهنة وعواقب الإبادة الجماعية والفشل السياسي الجماعي للحركة الوطنية الفلسطينية.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، فشلت هذه الحركة الوطنية في إنشاء هيئة سياسية فلسطينية مرنة قادرة على المناورة والتكيف بطريقة مبدئية وبصيرة مع التحولات الهيكلية التي تشهدها المنطقة والعالم. 

الأهم من ذلك، هو أن هذه الحركة فشلت في بناء إطار وطني شامل وموثوق وشرعي وفعال، يمكن للفلسطينيين من مختلف التوجهات السياسية أن يجتمعوا تحت ظله بشكل أشبه بمظلة سياسية واسعة التمثيل بما يكفي لاستيعاب الرؤى السياسية المختلفة.

ولا تعني الوحدة هنا أن الأفكار الفلسطينية يجب أن تذوب وتنصهر في برنامج سياسي واحد، فمثل هذا المفهوم يتناقض مع التعددية السياسية، بل تكمن الوحدة في التفاعل والتقاطع والمشاركة والاختلاف بين البرامج السياسية، ضمن سياق هدف مشترك لمستقبل حر يضع الحرية والكرامة وتقرير المصير والعودة كأهداف جماعية.

سياسة الإقصاء

إن سياسة الإقصاء، التي تتقاطع مع الهدف الاستعماري المتمثل في التجزئة، قد تم ممارستها عملياً من قبل الجهات المهيمنة داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة على مدى العقدين الماضيين، من خلال مأسسة وترسيخ الانقسامات الفلسطينية الداخلية، وما نتج عنها من إضعاف المشروع الوطني.

بالتالي، وفي ضوء ما أصبح واضحاً على مدى العامين الماضيين من الأساليب التي تعاملت بها فتح وحماس مع التحولات الإقليمية، فإن المساءلة والمحاسبة السياسية للقوى التي تقف وراء الانقسام الفلسطيني لم تعد ترفاً، بل عنصراً أساسياً في أي عملية تحولية، بما في ذلك إعادة إعمار غزة، لو كان الهدف تدشين مرحلة سياسية جديدة نحو الشرعية والتمثيل الواسع النطاق ومركزية مشاركة الناس في العملية السياسة.

إن اللحظة الحالية، والشكل الذي لا يزال ناشئاً لعملية إعادة الإعمار في غزة، يشكلان نقطة دخول بالغة الأهمية لا يجوز إهدارها، فهي فرصة للمساءلة ولإرساء أسس جديدة للممارسة السياسية الفلسطينية الجماعية، فعملية إعادة البناء المادية يجب أن تكون مصحوبة بإعادة بناء سياسية جادة، بما يشمل إعادة بناء السياسة والحكم الفلسطيني بطرق تعيد تحديد طبيعة المؤسسات السياسية والقيادة والرؤية والحوار الوطني. 

ويتطلب هذا أيضاً إعادة التفكير في الخطاب السياسي واستراتيجيات العمل السياسي وأشكال المقاومة وأدواتها وأدوار المؤسسات والمجتمع المدني، على طول مسار يقرب الفلسطينيين من الحرية، بدلاً من مجرد تكييف السياسات والإجراءات لتحسين الظروف المعيشية في ظل الاستعمار.

ومن أجل الشروع في مثل هذه العملية التحولية، فمن الضروري تحديد مواقع وركائز القوة الذاتية الفلسطينية والاستثمار فيها، وهذا يتجاوز الأهمية المركزية للوجود الفلسطيني ووجوده وصموده في وجه محاولات إسرائيل المستمرة للاقتلاع، حيث يتطلب الحضور والوجود والثبات في حد ذاته التعزيز والتغذية والتقوية، مما يتيح نقل رد الفعل إلى قوة مولدة، من التحمل الثابت إلى العمل المنخرط، كما تتطلب الإمكانات التحولية لهذه الصفات قيادة ذات رؤية ثاقبة وآليات مؤسسية وقنوات للعمل السياسي الفعّال.

مزايا تنافسية

وباعتبار الفلسطينيين مجتمع حركة اجتماعية يتميز بالديناميكية الاجتماعية، فهم يمتلكون مزايا تنافسية قادرة في جوهرها على تحويل قوتهم إلى عمل عندما تتوفر شروط معينة، من القيادة والمؤسسات الوظيفية والرؤية والمشاركة والمساءلة. 

هناك حاجة إلى ركيزة ثالثة، وهي إنشاء ميثاق تنظيمي لغزة، يحدد المبادئ التوجيهية والأسس التنظيمية وآليات المساءلة ورؤية مملوكة محلياً لمستقبل غزة، بالاعتماد على عمل المجتمع المدني الفلسطيني على مدى العامين الماضيين

هذه ليست مُثُلاً بعيدة المنال، فهي ببساطة تتطلب إعادة توجيه بوصلة العمل السياسي الفلسطيني نحو موقف مواجهة بناءً على مصادر قوة داخلية محددة بوضوح.

بعد عامين من الإبادة الجماعية، تبدو مهمة بناء “مصفوفة السلطة الذاتية الفلسطينية” أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ويجب على هذه المصفوفة، التي ينبغي أن تنبثق من العمل الجماعي، أن تحدد نقاط القوة الفلسطينية القائمة، من رأس المال البشري والاجتماعي ومجتمع مدني مشارك ونشط وآليات مرونة ومقاومة وممارسات ريادة أعمال عبر القطاعات والفئات الاجتماعية المهمشة القادرة على قيادة التغيير، من بين أمور أخرى. 

وبعد تجارب متكررة من الهزيمة والضعف والارتباك، يمكن لمثل هذه المصفوفة أن تكون بمثابة خطوة حيوية نحو بناء “قائمة أمل” وسط ألم هائل، فمن الممكن أن تصبح هذه “القائمة” نقطة مرجعية لتنشيط العمل الفلسطيني وتسليط الضوء على مجالات القوة الداخلية المفتوحة للاستثمار والتنمية وتذكير الفلسطينيين أنفسهم بالقدرات التي يمتلكونها، والتي سعت الجهات الفاعلة الدولية والمحلية إلى تجريد الكثير منها على مدى عقود من الزمن. 

لقد حان الوقت لاستعادة مصادر القوة بشكل عملي وملموس، مما يتيح التغيير التحويلي المستدام على المدى الطويل، فإعادة البناء المادي أمر مهم، ولكن كما تظهر التجربة مراراً، فإن المباني معرضة للتدمير السريع على يد القوات الاستعمارية، كما أن مصادر القوة العضوية المتجذرة في القدرات الفلسطينية تصبح أقوى عندما تتحول من مجرد أدوات للبقاء إلى عوامل تغيير فعالة. 

لتحقيق الاستراتيجيات المذكورة أعلاه، هناك حاجة إلى ركيزة ثالثة، وهي إنشاء ميثاق تنظيمي لغزة، يحدد المبادئ التوجيهية والأسس التنظيمية وآليات المساءلة ورؤية مملوكة محلياً لمستقبل غزة، بالاعتماد على عمل المجتمع المدني الفلسطيني على مدى العامين الماضيين. 

يمكن أن يساعد هذا الميثاق في رسم مسار بديل للخطط التي تضعها إدارة ترامب حالياً للفلسطينيين في غزة وخارجها، كما يمكن أن يشكل ميثاق غزة هذا فصلاً واحداً من “ميثاق الحرية” الأوسع لحوار وطني فلسطيني شامل يرتكز على التفكير النقدي وتبني نهج شامل لإعادة الإعمار، وهو النهج الذي يتضمن بالضرورة إعادة بناء القدرة السياسية التي تركز على الناس والمشاركة الشعبية، بينما نتحرك نحو مستقبل يحدد فيه الفلسطينيون مصيرهم.

للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة