إغلاق الأقصى تحت ذريعة الحرب… خطوة لتغيير الواقع في القدس

بقلم زياد ابحيص

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

بعد ساعات قليلة من بدء الهجوم الأميركي بمشاركة دولة الاحتلال على إيران نهاية الأسبوع الماضي، أُغلق كلٌّ من المسجد الإبراهيمي في الخليل والمسجد الأقصى في القدس المحتلة.

فقد أقدمت قوات الاحتلال على طرد المصلين من المسجدين، وبرّرت هذا الإجراء بذريعة “التدابير الوقائية” في زمن الحرب، غير أن هذا التبرير سرعان ما يتهاوى أمام الواقع.

ففي منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة والقدس لا توجد ملاجئ من القصف، كما لا توجد ملاجئ عامة. 

بل إن ما يقارب نصف الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 لا يملكون مكاناً يحتمون فيه من الهجمات الجوية، وفق أرقام صادرة عن مراقب الدولة لدى الاحتلال نفسه.

وبالتالي، فإن منع المصلين من الوصول إلى المساجد وحصرهم في منازلهم أو الأسواق أو الشوارع أو أماكن العمل لا يجعلهم أكثر أماناً.

وبعد الذي رأيناه خلال حرب الإبادة المستمرة في غزة، فإن الادعاء بأن سلطات الاحتلال حريصة على سلامة أي فلسطيني ليس مجرد أمر مثير للسخرية، بل يبعث على الاشمئزاز.

في الواقع، فإن استهداف المساجد عبر مثل هذه الإجراءات ينبع من رؤية دينية إحلالية تتبناها حكومة الاحتلال اليمينية والحركة الصهيونية الدينية على نطاق أوسع.

فالصهاينة المتدينون، الذين أصبحوا التيار الأكثر تأثيراً في مجتمع الاحتلال، يطلقون على باحات المسجد الأقصى اسم “جبل الهيكل”، ومجرد استخدام هذا المصطلح يعني أتباع هذه الرؤية يمارسون عملية محو ذهني للواقع الإسلامي والتاريخي للمكان.

وينطبق الأمر ذاته على المسجد الإبراهيمي، الذي ينظر إليه اليمين الصهيوني باعتباره “مغارة الآباء”.

هدفان واضحان

إن فرض سلطات الاحتلال إجراءات الطوارئ لإغلاق المساجد يهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين،الأول هو ترسيخ السيادة التي يدّعيها الاحتلال على هذه المواقع المقدسة، مع تهميش دور الإدارات الإسلامية، بحيث تصبح قوات الاحتلال هي التي تحدد شروط الدخول إلى هذه الأماكن.

وفي كل حالة من هذه الحالات، يتحول الوقف الإسلامي إلى مجرد متفرج، متلقٍ سلبي للإجراءات التي يفرضها الاحتلال.

أما الهدف الثاني فهو عزل هذه المساجد عن المصلين، وإغلاقها خلال شهر رمضان، في ما يشبه تجربة عملية لاحتمال إغلاقها بالكامل والاستيلاء عليها في أي وقت لاحق.

قيود مشددة

تتضح خطورة هذه الإغلاقات أكثر عند وضعها في سياقها الصحيح، وخاصة في ظل محاولات الاحتلال التاريخية للسيطرة على الوصول إلى المسجد الأقصى.

فعلى مدى العقد الماضي، عملت سلطات الاحتلال بلا كلل لتجريد الوقف الإسلامي من صلاحياته في فتح المسجد وإغلاقه.

وقد شهد هذا المسار عدة محطات رئيسية، ففي عام 2017، وبعد أن نفذ ثلاثة فلسطينيين هجوماً أدى إلى مقتل خمسة إسرائيليين عند باب الأسباط أحد مداخل المسجد الأقصى، أقدمت سلطات الاحتلال على إغلاق المسجد بالكامل وتركيب بوابات إلكترونية على مداخله.

لكن المقاومة الشعبية الواسعة أجبرت الاحتلال في نهاية المطاف على التراجع عن قرار تركيب تلك الأجهزة.

وبعد ذلك بسنوات، وفي عام 2020، أُغلق المسجد الأقصى مرة أخرى في ظل القيود الصارمة التي فرضتها سلطات الاحتلال خلال جائحة كوفيد-19، رغم أن ساحات المسجد مساحة مفتوحة واسعة يمكن بسهولة تطبيق إجراءات التباعد فيها.

ومع ذلك، ظل المسجد مغلقاً لمدة شهرين كاملين، بما في ذلك خلال شهر رمضان.

ثم في يونيو/حزيران 2025، خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً بين دولة الاحتلال وإيران، أغلقت سلطات الاحتلال المسجد مرة أخرى طوال فترة الحرب.

وتأتي الإغلاقات الشاملة التي أُعلنت قبل أيام استناداً إلى هذه السوابق، وكأن السيطرة على المساجد أصبحت امتيازاً حصرياً غير قابل للنقاش لحكومة الاحتلال.

وفي الوقت نفسه، وسّع الاحتلال اعتداءاته على المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، حتى أصبح الشهر الذي كان يُعرف بحساسيته الدينية ميداناً لاختبار أدوات الإقصاء والتهويد، فما يمكن فرضه خلال رمضان يمهّد الطريق لفرض ما هو أخطر بعده

كما صدرت دعوات متكررة من حاخامات ونشطاء صهاينة لتنفيذ طقوس ذبح القرابين الحيوانية داخل المسجد الأقصى بمناسبة عيد الفصح اليهودي، في خطوة تهدف إلى نسف الوضع القائم الذي يقضي بأن يكون الموقع مخصصاً حصراً للصلاة الإسلامية.

تصعيد الاعتداءات

وقد تصاعدت اعتداءات الاحتلال أكثر خلال شهر رمضان الحالي، حيث أفادت تقارير بأن سلطات الاحتلال منعت بعض حراس المسجد الأقصى من أداء مناوباتهم، كما أوقفت إدخال الإمدادات الضرورية إلى المسجد.

وفي بداية شهر رمضان، وافقت سلطات الاحتلال على خطة لتقييد دخول المصلين الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى  تحت ذريعة “الأمن”، بحيث لا يتجاوز العدد عشرة آلاف مصلٍّ في صلاة الجمعة طوال الشهر.

كما فُرضت قيود عمرية صارمة بحيث أصبح الدخول مسموحاً فقط للرجال ممن تزيد أعمارهم على 55 عاماً والنساء فوق 50 عاماً والأطفال دون 12 عاماً شريطة مرافقة أحد الأقارب.

وسبق شهر رمضان تصاعد في اقتحامات المسجد الأقصى، بلغ ذروته باعتقال أحد الأئمة واقتحام شرطة الاحتلال للمسجد خلال صلاة العشاء في الليلة الأولى من الشهر الفضيل.

وفي الوقت نفسه، نشهد اندفاعة صهيونية متجددة نحو التقسيم المكاني للمسجد الأقصى، فحتى قبل إغلاق المسجد، اقتحمت سلطات الاحتلال مواقع تابعة للوقف الإسلامي ومنعت إعادة تركيب الأقفال، وركزت بشكل خاص على مبنى دار الحديث الشريف شمال مصلى باب الرحمة.

وقد أدت محاولة سابقة لسلطات الاحتلال لفصل هذه المنطقة عن المسجد إلى موجة احتجاجات واسعة عام 2019.

واليوم، إلى جانب حظر الصلاة وتهديد المسلمين الذين يحاولون أداء عباداتهم، قد تمنح تغييرات تشريعية مقترحة المؤسسة الحاخامية لدى الاحتلال نفوذاً أكبر على المسجد الأقصى.

كما تتصاعد مضايقات الشرطة للمصلين، حيث تسير الدوريات المسلحة بجانب صفوف الصلاة، وتقوم باعتقال المسلمين وتفتيشهم والاعتداء عليهم بصورة متكررة.

وفي الوقت نفسه، يواصل المستوطنون التحريض العلني ضد المسجد الأقصى، ويدعون إلى إغلاقه بشكل دائم أمام المسلمين.

إن إغلاق المسجد الأقصى بذريعة الحرب ليس إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل هو ذروة سلسلة طويلة من الإجراءات التهويدية.

فهو نتيجة توافق كامل بين المستوطنين وحكومة الاحتلال، وليس نتيجة أي مخاوف تتعلق بالسلامة، بل كان هدفاً مخططاً له مسبقاً ليُنفذ مع بداية الهجوم على إيران.

ومن هذا المنطلق، فإن إغلاق المسجد الأقصى يُعد عملاً حربياً يُنفَّذ بأدوات ناعمة، ويجب مواجهته وإفشاله بكل الوسائل الممكنة.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة