بقلم سمية الغنّوشي
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
“لن نخضع للإكراه، لا من حكومات أجنبية ولا من سلطات دولية”، هكذا حذّر رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مصدّق مجلسَ الأمن الدولي عام 1951.
وبعد أكثر من سبعة عقود، ومع دخول مجموعة حاملة طائرات أمريكية إلى المحيط الهندي وانتشار مدمرات تحمل صواريخاً موجّهة في أرجاء الشرق الأوسط، يبدو تحذير مصدّق أقرب إلى تعليق حيّ على الحاضر منه إلى صفحة من التاريخ.
ذلك أن السفن الحربية لا تنزلق إلى مواقعها مصادفة، بل إن تحركاتها تعلن عن نوايا، وكذلك فإن “ملفات الاستخبارات” نادرًا ما تُجمع لكشف الحقيقة، بل غالبًا ما تُفبرك لصناعة القبول العام بعمل عسكري، بوصفها الهيكل الذي يُقام عليه تدخل بدأ بالفعل.
في هذا السياق، سلّمت دولة الاحتلال الرئيسَ الأمريكي دونالد ترامب ما وصفته بـ “أدلة حاسمة” على إعدام السلطات الإيرانية مئات المحتجزين خلال حملة القمع الأخيرة في البلاد، ولولا أن المخاطر المترتبة على ذلك فادحة، لكان تقديم تل أبيب نفسها اليوم بوصفها المزوّد الموثوق للأدلة ضد إيران مدعاة للسخرية.
فالدولة التي ضغطت بلا هوادة من أجل الحرب على طهران، والتي تُعلن صراحة أن تغيير النظام الإيراني هدفٌ استراتيجي، والتي ستجني أكثر من أي طرف آخر من انهيار إيران، تُقدَّم فجأة شاهدًا إنسانيًا محايدًا، وهكذا تُرفَع تل أبيب إلى مقام الادعاء العام، وتُعامَل مزاعمها لا بوصفها دعاية، بل حقائق.
هذا لا يعني أن إيران ليست في أزمة، بل هي كذلك فعلًا، فقد دفعت عقودٌ من الخنق الاقتصادي أعدادًا كبيرة من الإيرانيين إلى الشوارع بمظالم حقيقية وغضب لا يمكن إنكاره.
غير أن هذه اللحظات هي ذاتها التي تكون فيها الحركات الشعبية أكثر هشاشة، لا أمام القمع فحسب، بل أمام الاختطاف السياسي، ذلك أن القوى الخارجية لا تحتاج إلى اختراع السخط الداخلي بل يكفيها القيام بتوجيهه.
النمط المألوف
والنمط هنا معروف تماماً، مثل انقلاب البرازيل عام 1964 ضد جواو غولارت وانقلاب تشيلي عام 1973 ضد سلفادور أليندي، وقبل ذلك انقلاب الكونغو عام 1961 الذي أُطيح من خلاله بباتريس لومومبا وتم قتله،.
ثم قصة الانتكاسات المضادة للثورات عقب الربيع العربي، هذه الحالات ليست متطابقة، لكن بنيتها مألوفة بما يكفي لتكون تحذيرًا.
ومنذ الحرب العالمية الثانية، ظل هذا النمط سائداً، فحين تهدد الحركات الشعبية مصالح غربية راسخة، تتبعها العقوبات، وتُصنَّع الأزمات الاقتصادية وتُؤجَّج الانقسامات الداخلية وتتكاثر الحملات الإعلامية وتُموَّل الثورات المضادة.
وإذا فشلت هذه الأدوات، تُدبَّر الانقلابات، أو تُطلق الاحتلالات، أو تُبرَّر الحروب بلغة “الخلاص”.
وتعرف إيران هذا النمط لا كنظرية، بل كجرحٍ معاش فعلاً، ففي عام 1953، أُطيح بمحمد مصدّق، رئيس وزراء منتخب ديمقراطيًا، بانقلاب أمريكي–بريطاني، لا لأنه حكم بالقمع، بل لأنه أمّم نفط إيران.
حينها، كانت شركة النفط الأنغلو–إيرانية، التي أصبحت لاحقًا “بي بي”، تمنح إيران 16% فقط من صافي أرباح مواردها.
ردّت بريطانيا بحصارٍ خانق، أغلقت مصفاة عبدان، وضغطت على المشترين لرفض النفط الإيراني، ودفعَت الاقتصاد عمدًا إلى الأزمة.
وحين لم تكن الحرب الاقتصادية كافيةً، أقنعت لندن واشنطن بالتدخل بذريعة الحرب الباردة، فأغرقت عملية “أجاكس” إيران بالتضليل، ورشَت سياسيين، وحرّشت رجال دين، ونظّمت اضطرابات.
لقد أُطيح بمصدّق وأُعيد الشاه، واليوم، تعترف وكالة الاستخبارات المركزية نفسها بعدم ديمقراطية الانقلاب.
تلك الواقعة لم تغيّر المسار السياسي لإيران فحسب، بل حدّدت دليل العمل، والأدوات ذاتها ماثلة اليوم
فالتقارير عن استهداف عشرات المساجد داخل إيران تثير أسئلة لا مفرّ منها حول محاولات خارجية لإشعال الانقسام والصراع الداخلي، عبر خطوط الشرخ نفسها التي استُغلت قبل سبعة عقود.
وليس الأمر تخريبًا سريًا فقط، فقد تحدث معلّقون في إعلام دولة الاحتلال علنًا عمّا يلي انهيار النظام، قائلين إن إيران ستُقصف على امتدادها كما جُرّدت سوريا من قدراتها العسكرية بعد الإطاحة ببشار الأسد، والرسالة واضحة إذن، تغيير النظام ليس نهاية المطاف بل شرط التفكيك الشامل.
حصار بطيء
ومنذ عام 1979، خضعت إيران لأطول وأشمل أنظمة العقوبات في التاريخ الحديث، من تجميد الأصول وحظر النفط إلى استهداف المال والطاقة والتجارة والتكنولوجيا والحياة اليومية.
واشتدت العقوبات في التسعينيات، وتوسعت بعد عام 2006، ثم رُفعت جزئيًا مع اتفاق 2015 النووي، قبل أن تُعاد كاملة مع حملة “الضغط الأقصى” عام 2018.
والعام الماضي، فعّلت قوى أوروبية آلية “سناب باك”، فأُعيدت عقوبات الأمم المتحدة تلقائيًا بذريعة عدم الامتثال وحقوق الإنسان.
وتُقدَّم العقوبات بوصفها بديلًا سلميًا للحرب، لكنها في الواقع حصار بطيء، إنها تُسقط العملات، وتُفرغ المجتمعات، وتجعل السياسة راديكاليةً، وتحمّل العامة كلفة الصراع الجيوسياسي.
لقد استخدمت بريطانيا هذا الأسلوب ضد إيران عام 1951، وطوّرته الولايات المتحدة لاحقًا، وليس صدفة أن تترافق الدعوات لتغيير النظام مع مطالب بعقوبات أشدّ، فالداعون يعرفون تمامًا من يدفع الثمن.
أما اهتمام واشنطن بإيران فهو متجذّر في الهيمنة، ذلك أن نفط إيران ليس أصلًا اقتصاديًا فحسب، بل رافعة استراتيجية في التنافس العالمي مع الصين.
واليوم، تُعدّ الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وإضعاف إيران يعني إضعاف شريان طاقة حيوي لبكين: قرابة 13% من واردات الصين النفطية المنقولة بحرًا عام 2025، بنحو 1.38 مليون برميل يوميًا.
وتذهب أجندة دولة الاحتلال إلى أبعد من ذلك، فقد خاطب نتنياهو الإيرانيين مباشرة مرارًا، داعيًا إياهم للنزول إلى الشوارع، ومقدّمًا الاعتداءات العسكرية بوصفها تمهيدًا للحرية، وواعدًا بالمساعدة بعد سقوط النظام.
وكان وزير الدفاع الأسبق يوآف غالانت أكثر صراحة، متحدثًا عن “توجيه الأحداث بيدٍ غير مرئية”، مع التشديد على مركزية الفعل الجماهيري والبقاء في الخلفية.
“نحن معكم”
لم تعد هذه اللغة محصورة في التصريحات السياسية، بل باتت تتقاطع بشكل متزايد مع إشارات إعلامية واضحة، فقد ذهبت منابر في إعلام دولة الاحتلال إلى القول صراحة إن أطرافًا خارجية تقوم بتسليح المتظاهرين.
وقد عبّر مراسلٌ دبلوماسي على القناة 14، الشبكة التلفزيونية الأقرب إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن ذلك بأوضح العبارات حين تباهى بأن المتظاهرين يتلقّون أسلحة نارية حيّة، قائلاً أن ذلك هو “ما يفسّر مقتل مئات من عناصر النظام، ولكلٍّ أن يخمّن من يقف وراء ذلك”، على حدّ قوله.
ولا يمكن التعامل مع مثل هذه التصريحات على أنها زلّات هامشية، بل هي جزء من منظومة إعلامية أكثر شمولاً في دولة الاحتلال بدأت تقول علنًا ما كان يُترك سابقًا في حيّز الإيحاء.
تتكاتف هذه الإشارات الإعلامية على نحو مقلق مع رسائل استخباراتية رسمية، فبعد الحرب التي اندلعت في يونيو/حزيران الماضي، أصدر رئيس جهاز الموساد ديفيد برنيع تصريحًا نادرًا ولافتًا، طمأن فيه عناصر جهازه والرأي العام بأن دولة الاحتلال ستواصل “الوجود هناك، كما كنا دائمًا”.
وهذه أيضاً صياغة تم قراءتها على نطاق واسع باعتبارها تمهيدًا لاستمرار أنشطة سرّية طويلة الأمد داخل إيران.
وفي الشهر الماضي، دعا حساب ناطق بالفارسية على منصة X جرى ربطه بجهاز الموساد، الإيرانيين إلى المشاركة في الاحتجاجات، معلنًا: “اخرجوا معًا إلى الشوارع، لقد حان الوقت، نحن معكم، لسنا معكم من بعيد وبالكلام فقط، بل نحن معكم في الميدان”.
ورغم أن مسؤولين في دولة الاحتلال نفوا رسميًا أي صلة لهم بالحساب المذكور، فإن أجهزة الاستخبارات لطالما اعتمدت على واجهات قابلة للتنصل تحديدًا لمثل هذه الأغراض.
ولا يقتصر الأمر على الإشارات السرّية، فقد أصبحت أعلام دولة الاحتلال مشهدًا لافتًا في التظاهرات المناهضة للنظام خارج إيران، بالتوازي مع حملة منسّقة على وسائل التواصل الاجتماعي، عملت على تضخيم سرديات محددة والترويج لمخرجات سياسية بعينها.
وأظهر تحليل بيانات أجرته قناة الجزيرة كيف عملت حسابات مرتبطة بدولة الاحتلال بصورة منهجية على تشكيل التصورات العالمية للاحتجاجات، عبر الترويج لرضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، بوصفه “البديل السياسي الوحيد”.
وقد انخرط بهلوي نفسه في هذه الحملة، وهي خطوة سارعت حسابات في دولة الاحتلال إلى تضخيمها، مقدّمة إياه باعتباره “وجه إيران البديل”.
ولا تبدو هذه التدخلات معزولة أو عارضة، بل تنسجم مع رؤية استراتيجية أوسع يجري التعبير عنها على نحو متزايد داخل الأوساط السياسية والفكرية في دولة الاحتلال، تقوم على إضعاف إيران تمهيدًا لتفكيكها في نهاية المطاف.
فقد دافعت افتتاحيات صحفية وأوراق سياسات في دولة الاحتلال صراحة عن تقسيم إيران وتشجيع النزعات الانفصالية العرقية، فيما ذهب آخرون إلى الدعوة لتسليح الأقليات بهدف زعزعة الدولة من الداخل.
وليس هذا ضربًا من التكهنات الهامشية، بل أطروحات تتردد في منابر إعلامية رئيسية ونقاشات سياسية سائدة.
إخراج استعماري
يجب فهم الترويج لرضا بهلوي بوصفه “البديل” لإيران ضمن هذا السياق، فبينما يدّعي الدفاع عن وحدة الأراضي الإيرانية، دعا الرجل إلى ضربات عسكرية أمريكية ضد بلاده، وساند تشديد العقوبات التي دمّرت المجتمع الإيراني.
ويماثل مساره مسار والده بدقّة تكاد تكون ذات طقوس، إذ نُصِّب محمد رضا شاه في الحكم عام 1941 على يد البريطانيين والاتحاد السوفييتي بعدما أجبرا والده على التنازل عن العرش، ثم أُعيد تنصيبه عام 1953 عقب الانقلاب الذي نفذته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية (MI6) ضد محمد مصدّق.
واليوم، يسعى الابن إلى تنصيب جديد مرة أخرى، هذه المرة بدعم من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، مكرّرًا الإخراج الاستعماري ذاته تحت راية مختلفة، وسيحكم، كما حكم والده، برعاية خارجية لا بشرعية داخلية.
لقد حكم والده عبر جهاز “السافاك”، وهو جهاز أمني أُنشئ بمساعدة وكالة الاستخبارات الأمريكية والموساد، واشتهر بالتعذيب والقمع، ويواجه أحد كبار قادته، الذي أمضى عقودًا متخفيًا في الولايات المتحدة، اليوم دعاوى مدنية كبرى هناك على خلفية الفظائع التي ارتكبها الجهاز.
ولا يعفي شيء من ذلك السلطات الإيرانية من مسؤوليتها عن القمع أو العنف، لكنه يفضح خواء الادعاءات الأخلاقية القادمة من الخارج، فالماضي هنا لا يُستعاد بوصفه ذكرى فحسب، بل يُعاد تمثيله
فالذين جَوَّعوا إيران اقتصاديًا لما يقرب من نصف قرن، ودعموا حربًا بالوكالة مدمّرة في ثمانينيات القرن الماضي، ويجاهرون اليوم بالحديث عن التقسيم، فيما تتلطخ أيديهم بجرائم إقليمية معاصرة، هم أقلّ من يملك أهلية الادعاء بحراسة حرية الإيرانيين.
ولا شيء عَرَضيًّا في توقيت التصعيد الراهن، فالأول من فبراير/شباط يوافق ذكرى عودة آية الله روح الله الخميني إلى طهران عام 1979، اليوم الذي انهارت فيه أخيرًا ملكية فُرضت من الخارج، واستعادت إيران استقلالها السياسي.
وأن تتسارع التحضيرات لهجوم أمريكي جديد حول هذه الذكرى ليس مصادفة، بل استمرار لمسار طويل.
إنه يكشف حقيقة لم تتغير منذ أكثر من سبعة عقود: ما طالبت به إيران في أوائل خمسينيات القرن الماضي، ثم كررته عام 1979، السيادة والاستقلال وحق تقرير المصير، هو بالضبط ما لم تقبله القوى الخارجية يومًا، ولم تغفره، ولم تتوقف قط عن محاولة تقويضه.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







