بقلم حميد دباشي
ترجمة وتحرير موقع بالعربية
يتمتع الإيرانيون بذاكرة تاريخية طويلة للغاية، فهم حين يتحدثون عن غزو الإسكندر لبلاد فارس عام 344 قبل الميلاد، يبدو الأمر وكأنه حدث يوم الثلاثاء الماضي، أما الفتوحات العربية والمغولية في القرنين السابع والثالث عشر، فتبدو وكأنها وقعت قبل أيام قليلة فقط.
أما فيما يتعلق بالغزو الجديد الذي حرّضت عليه دولة الاحتلال وتشارك فيه الولايات المتحدة ضد إيران منذ 28 فبراير/شباط 2026، بما يحمله من قصف مكثف وتدمير شامل ووحشي، فإن البلاد تعود لتدخل مجدداً في صلب تاريخها الممتد والمتواصل.
تخوض إيران هذه اللحظة في مواجهة مصيرية مع أبشع أشكال البلطجة الاستعمارية والإمبريالية، التي تجسدها القوى المشتركة لدولة الاحتلال، بوصفها مستعمرة استيطانية في المنطقة، والإمبراطورية الأمريكية المختلة التي نجحت تل أبيب في توجيهها لعقود طويلة والتلاعب بها لخدمة بقائها.
ولا يعتبر رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو استثناءً طارئاً، أو ظاهرة ظهرت من فراغ، بل إن مشاريعه العدوانية تجاه محيطه تنبع من أعمق جذور الصهيونية الإبادية.
فها هي فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، والآن إيران، تغرق جميعها في الدمار واليأس الكامل، وهذا الغزو لإيران يمثل في هذا السياق التعبير الكامل عن الحلم الصهيوني كما يتصوره أصحابه.
ولا يمكن المبالغة في تقدير أهمية هذه اللحظة، التي تعود فيها إيران لتغوص عميقاً في ذاكرة تاريخها الطويل والمضطرب الذي تعرضت خلاله لغزوات متكررة.
فقد أنهى غزو الإسكندر في القرن الرابع قبل الميلاد الإمبراطورية الأخمينية، بينما أطاح الفتح العربي في القرن السابع بالإمبراطورية الساسانية، ثم تلت ذلك الغزوات التركية والمغولية، ولكل منها مساراتها وتحولاتها الخاصة، لتتوالى بعدها فصول التاريخ بوتيرة متسارعة.
وفي عام 1722، أدى الغزو الأفغاني إلى إسقاط الدولة الصفوية، تلاه التغلغل الروسي في إيران من القرن الثامن عشر وحتى القرن التاسع عشر، ثم جاء الغزو الأنغلو-سوفييتي عام 1941، وأعقبه الغزو العراقي بين عامي 1980 و1988، إنه تاريخ طويل، وذاكرة متشابكة.
هذه المحطات تمثل معالم تاريخ طويل جعل من إيران هدفاً دائماً للغزاة الطامعين في السيطرة الإمبريالية، وها هي اليوم تتعرض لهجوم صريح وجريء من مستعمرة استيطانية أوروبية تمسك بخيوط الإمبراطورية الأمريكية وتوجهها.
لقد أسهم هذا التاريخ الطويل والمتواصل من الغزوات في تشكيل إيران ككيان حضاري متماسك، فلم تكن فقط ديناميكياتها الثقافية الداخلية هي ما صنع هذا التماسك، بل حتى أعداؤها التاريخيون الذين استهدفوها مراراً ساهموا، من حيث لا يدركون، في ترسيخ هذا الاتساق.
وبعد كل غزو، وعقب كل احتلال، كانت إيران، ومعها فضاؤها الحضاري الفارسي، تخرج أكثر قوة وثقة.
لم تتمكن أي دولة عبر التاريخ من فرض سيطرة حقيقية على سيادة هذه الأمة، جميع الغزاة كانوا ضيوفاً غير مرغوب فيهم، يأتون ويرحلون.
أما السيادة الحقيقية، والملكية الثابتة التي لا تتزعزع للأرض، فهي للشعب الإيراني بكل تنوعه الثقافي، وليست لأولئك الذين يحكمون اليوم ويرحلون غداً.
إن الكيان الإبادي الذي زرعه الأوروبيون في قلب فلسطين، كخنجر مسموم، وأطلقوا عليه اسم “إسرائيل”، المحاصر في تفاهة مشروعه الاستيطاني الشرير، لن يفهم هذه الحقيقة البسيطة أبداً.
فبعد أن استولى على التاريخ اليهودي والأرض الفلسطينية معاً، ينشغل بالتآمر على جيرانه، وسرقة أراضيهم، واغتيال قادتهم ومواطنيهم، وحرق نسائهم وأطفالهم أحياء، وقصف حقول نفطهم، ونهب ثرواتهم من باطن الأرض، إلى درجة لم يعد معها قادراً على فهم أي شيء آخر في هذا العالم.
حضارة لا تنكسر
أما الإيرانيون، فلطالما حوّلوا مرارة الغزوات القاسية التي عانوا منها إلى شراب حضاري يبعث على الإعجاب.
فقد أفرز الغزو الإسكندري نسيجاً أدبياً مدهشاً من “روايات الإسكندر”، صاغها كبار شعرائهم مثل الفردوسي ونظامي وجامي.
أما الفتح العربي، فقد أفضى إلى اندماج الإسلام مع التراث الإيراني، ليمنح العالم واحدة من أبهى تجليات الحضارة الإسلامية.
وبعد الغزو المغولي، حلّقت الروح الإيرانية في تمردها إلى آفاق رفيعة في الفنون والعلوم والتقنيات والعمارة، وكذلك في الأدب والشعر.
أما بعد الاستعمار الروسي والبريطاني والفرنسي، فقد اتجه الإيرانيون إلى ترجمة أعمال دوستويفسكي وشكسبير ومونتسكيو وروسو إلى الفارسية.
واليوم، يحلّق بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب بطائراتهما الحربية لقتل تلميذات إيرانيات وتدمير أسس حياتهن المدنية، في مشهد يستحضر صفحات مظلمة مما كُشف عنه في ملفات إبستين، وهذا هو معنى دولة الاحتلال وترامب بالنسبة للإيرانيين، كما هو بالنسبة لبقية العالم.
يتسم هذا الغزو تحديداً بمخططات مستعمرة استيطانية متحللة أخلاقياً، لا يتجاوز تاريخها بضعة عقود، حافلة بالقتل الجماعي ومعاناة الفلسطينيين، لكنها تجرؤ اليوم على محاولة تدمير حضارة تمتد لخمسة آلاف عام من التاريخ المدوّن.
وسيُهزم الغزاة ويُدمرون، لا بوسائل النظام الحاكم، بل بإرادة الشعب الإيراني الصلبة، إذ لا يدرك الإسرائيليون ما الذي يواجهونه، فهم لم يصطدموا بعد بالصخر الصلب، كما يقول مثل فارسي بليغ.
ومع كل دورة من الغزو والاحتلال، تحمّل الإيرانيون موجات هائلة من الدمار، ثم عادوا ليُطلقوا نهضة جديدة في ثقافتهم وحضارتهم، حتى أنهم ساهموا في “تمدين” غزاتهم أنفسهم.
أما في هذا الفعل من الوحشية الذي تقوده دولة الاحتلال وترامب، فليس ثمة ما يمكن “تمدينه” العالم يطالع اليوم ملفات جيفري إبستين المرتبطة بالاحتلال، فما الذي يمكن تهذيبه في ذلك؟
لقد تجمّعت عصابة من المستوطنين الاستعماريين الأوروبيين في فلسطين التاريخية، واحتلت الأرض الفلسطينية، وادّعت زوراً تمثيل اليهودية كدين عالمي، دون أن تترك لنفسها سوى تاريخ من الخداع والفظائع.
إن دولة الاحتلال اليوم ليست سوى متحف حيّ لكارثة الاستعمار الأوروبي وما خلّفه من إرث عنيف ومدمر.
سمات الغزو الأساسية
يحمل هذا الغزو مجموعة من السمات الأساسية، فقد تم التحريض عليه من قبل دولة الاحتلال، وليس من قبل الولايات المتحدة، حيث ظلّت الرغبة لدى دولة الاحتلال في مهاجمة إيران وتدميرها قائمة لعقود، وربما تعود إلى ما بعد الثورة الإيرانية بين عامي 1977 و1979، حين خسرت تل أبيب الشاه، الذي كان حليفاً رئيسياً لها.
وقد جرى رسم هذا المخطط ضد إيران بطريقة تجعل من السهل استدراج دونالد ترامب وجرّه إليه.
وقد أقرّ كل من ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو بذلك في لحظات غير محسوبة، حين لم يكن من يراقبهما من داعميهما الصهاينة حاضراً، ثم تراجعا لاحقاً عن تلك التصريحات، لكن بعد فوات الأوان.
فما هي المهمة العسكرية لدولة الاحتلال في إيران؟ ليس لدولة الاحتلال سوى مهمة واحدة في قصف إيران، وهي تدمير بنيتها المدنية بالكامل، ثم القضاء على معالم فنونها وعمارتها، ومواقعها الأثرية، وكل أثر يدل على تاريخها الممتد لخمسة آلاف عام.
إنها تسعى إلى محو ذاكرتها الحضارية والثقافية، وتحويلها إلى كيان منزوع الجذور، تغلب عليه الوحشية والهمجية، على غرار طبيعة مشروعها الاستيطاني.
ولا يقتصر عداؤها لإيران على النظام الحاكم، بل يمتد ليشمل الحضارة الإيرانية بأكملها وثقافتها.
وكما يروّج البعض داخل دولة الاحتلال اليوم لفكرة “عدم وجود شعب فلسطيني”، رغم التاريخ الطويل الموثّق، فإن الهدف هنا هو التأكيد على أنه “لا وجود لإيران” أيضاً.
ويمتلك الإيرانيون ذاكرة طويلة لا تنسى، وسيحاسبون كل من ساند هذا العدوان، سواء من أنصار الملكية في الشوارع الأوروبية والأمريكية والكندية، أو من المثقفين الذين يدعمون رضا بهلوي، على مواقفهم هذه لسنوات طويلة قادمة.
الأمريكان والصهاينة
إنها حرب تشنّها دولة الاحتلال على إيران، وليست حرباً أمريكية، فالغالبية الساحقة من الأمريكيين تعارض هذه الحرب، في حين تدعمها الغالبية الساحقة في دولة الاحتلال.
وتتولى صحيفة نيويورك تايمز المؤيدة لدولة الاحتلال قيادة ما يشبه الصحافة الصفراء في الولايات المتحدة، في محاولة لتصنيع التأييد لهذه الحرب، لكنها تفشل في ذلك.
كما أن جماعة “إسرائيل أولاً” من الصهاينة المتشددين، مثل مارك ليفين وبن شابيرو وباري فايس، تخسر معركتها الكبرى في ميدان الرأي العام الأمريكي، وهو ما تدركه نيويورك تايمز جيداً.
وقد كتبت ميشيل غولدبرغ، وهي كاتبة عمود في الصحيفة: “لقد كان واضحاً منذ فترة أن الأمريكيين بدأوا ينفرون من إسرائيل، لكن استطلاعاً لمؤسسة غالوب يمثل نقطة تحول، فللمرة الأولى في تاريخ الاستطلاع الممتد لـ 25 عاماً، تبين أن عدد الأمريكيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين أصبح أكبر من أولئك الذين يتعاطفون مع الإسرائيليين”.
وكما هو حال ملايين الإيرانيين، أحمّل أنا أيضاً دولة الاحتلال وكلك وكلاءها في الولايات المتحدة مسؤولية السعي لتدمير الأساس الحضاري لدولة ذات سيادة
فالأمريكيون بشر أيضاً، ولا يمكنهم مشاهدة إبادة شعب بأكمله لأكثر من عامين ثم يواصلون دعم الصهيونية الإبادية.
وقد خرج عدد من صناع الرأي البارزين، مثل تاكر كارلسون ونيك فوينتيس وكانديس أوينز، لفضح ممارسات دولة الاحتلال، فيما تواصل نيويورك تايمز وصفهم بأنهم “يمينيون” في محاولة لتشويههم، لكن حتى لو كانوا في أقصى اليمين، فهم يقولون الحقيقة في هذه القضية تحديداً.
فالساعة المتوقفة تصيب الحقيقة مرتين في اليوم، أما الخاسر الثاني في هذا الغزو، فهم أنصار بهلوي ذوو النزعة الفاشية الجديدة، إلى جانب المثقفين المرتبطين بالخارج الذين يروجون لهم، الذين تمنحهم نيويورك تايمز مساحات واسعة لتشويه إيران والتغطية على جرائم دولة الاحتلال وداعميها في الولايات المتحدة.
وقد نشرت إحدى هؤلاء مقالة تتحدث فيها عن “رعبها” من نظرة عين علي خامنئي الذي تم اغتياله، وهي أمريكية وُلدت ونشأت في كاليفورنيا، ومع ذلك لم تقل كلمة واحدة عن نظرات طاغية متهم بجرائم أخلاقية مثل ترامب، لكنها وجدت الوقت للكتابة عن نظرة حاكم إيراني راحل.
أما الجانب الثالث من هذه الكارثة، فهو انكشاف النظام الحاكم في إيران نفسه، وما يعانيه من فساد بنيوي وعجز عن إنتاج شرعية سياسية مستدامة، إلى درجة أن مجموعة مثل رضا بهلوي وترامب ونتنياهو تستطيع توجيه الانتقادات له.
ولا أملك ذرة تعاطف مع النظام الحاكم في إيران، لكنني، شأن ملايين الإيرانيين، أتمسك بتاريخ وطني، وأحمّل دولة الاحتلال ووكلاءها الأمريكيين مسؤولية السعي لتدمير الأساس الحضاري لدولة ذات سيادة.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







