اغتيال علي خامنئي… نهاية أربعة عقود في قمة السلطة الإيرانية

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

تم اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، آية الله علي خامنئي، في ضربة صاروخية أميركية-إسرائيلية استهدفت طهران، لتنهي مسيرة سياسية ودينية امتدت لأكثر من أربعة عقود. 

ومنذ توليه المنصب عام 1989 خلفاً لآية الله روح الله الخميني، ظل خامنئي الشخصية الأكثر تأثيراً في الحياة السياسية الإيرانية.

وعلى مدى سنوات قيادته، أشرف خامنئي على تحولات اجتماعية وسياسية عميقة داخل إيران، وأعاد تموضع بلاده إقليمياً ودولياً وسط صراعات متشابكة وعقوبات وضغوط متصاعدة.

النشأة والبدايات الثورية

وُلد خامنئي في 19 أبريل/نيسان 1939 في أسرة دينية، وتلقى علومه الشرعية في حوزات مشهد، ثم في النجف بالعراق، ثم عاد لاحقاً إلى إيران واستقر في قم، حيث تتلمذ على عدد من كبار العلماء، بينهم الخميني نفسه.

وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، انخرط خامنئي في أنشطة سرية ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وتعرض للاعتقال والتعذيب مراراً على يد جهاز “السافاك” الأمني.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وعودة الخميني من منفاه في فرنسا، برز خامنئي سريعاً في مؤسسات الدولة الوليدة.

تدرج خامنئي في مواقع مؤثرة داخل مجلس الثورة والبرلمان ووزارة الدفاع، وأمّ صلاة الجمعة في طهران، وفي عام 1981 نجا من محاولة اغتيال عبر قنبلة زُرعت في جهاز تسجيل، ما خلّف إصابة بالغة وشللاً دائماً في ذراعه اليمنى.

وفي العام نفسه، وبعد اغتيال الرئيس محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر، خاض خامنئي الانتخابات الرئاسية وفاز بنسبة 95% في اقتراع لم يشهد منافسة فعلية. 

وخلال رئاسته سعى خامنئي إلى ترسيخ نفوذ المؤسسة الدينية في مفاصل الدولة، ودخل في تجاذبات مع تيارات أكثر ميلاً إلى اليسار، بينها رئيس الوزراء آنذاك مير حسين موسوي.

وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، ركزت سياسته الخارجية على إدارة الصراع مع نظام صدام حسين، وهي حرب أودت بحياة مئات الآلاف من الجانبين. 

وفي خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1987، انتقد الوجود الأميركي في المنطقة، داعياً دول العالم الثالث إلى التكاتف في مواجهة ما وصفه بـ “نظام الهيمنة”.

تعيينه مرشداً أعلى

شكل عام 1989 نقطة تحول مفصلية في مسيرة خامنئي، فبعد وفاة الخميني في 3 يونيو/حزيران، اختاره مجلس خبراء القيادة مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية، رغم أنه لم يكن حينها في مرتبة دينية رفيعة وفق المعايير التقليدية، وقد أقرّ في خطاب تنصيبه بأنه “طالب حوزة صغير”.

أُدخلت تعديلات دستورية لاحقاً أكدت أهمية إدراك شاغل المنصب لمتغيرات العصر وامتلاكه الخبرة السياسية، بدلاً من الاكتفاء بالمؤهلات الدينية البحتة، كما عززت تلك التعديلات صلاحيات السلطة التنفيذية.

وخلال السنوات الأولى من حكمه نشأت صيغة قيادة غير رسمية بينه وبين الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني، قبل أن تتباعد الرؤى مع مرور الوقت، حيث واجه خامنئي تحديات متزايدة، سواء داخل المؤسسة الحاكمة أو في الشارع الإيراني. 

ومع انتخاب محمد خاتمي عام 1997، بلغ التيار الإصلاحي ذروته، مدفوعاً بزخم شبابي ونسوي واسع، فلعب المرشد دور الموازن المحافظ في مواجهة توجهات الانفتاح السياسي والثقافي.

وتجددت الاختبارات مع انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 2005، ولا سيما عقب انتخابات 2009 المثيرة للجدل، حين خرجت احتجاجات واسعة دعمًا لمير حسين موسوي ومهدي كروبي، فيما عُرف بالحركة الخضراء، وشهدت البلاد أيضاً احتجاجات اقتصادية في عامي 2017 و2019.

وفي عام 2022، اندلعت موجة احتجاجات واسعة إثر وفاة الشابة مهسا أميني بعد احتجازها من قبل “شرطة الأخلاق”، واتهم خامنئي أطرافاً خارجية بالتحريض، معتبراً أن القضية تتجاوز مسألة الحجاب إلى استهداف استقلال إيران وقوتها.

وفي أواخر عام 2025، اندلعت احتجاجات جديدة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، أعقبها قمع دامٍ من قبل قوات الأمن، وأقر خامنئي بسقوط آلاف القتلى، محملاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية ما جرى.

الملف النووي والعلاقة مع واشنطن

عاد المشهد السياسي إلى قدر من الاعتدال مع انتخاب حسن روحاني عام 2013، ورغم إعادة خامنئي التأكيد على موقعه كمرجعية عليا، إلا أنه منح روحاني الضوء الأخضر لاتباع نهج أكثر براغماتية في السياسة الخارجية.

وقد تركزت الجهود على معالجة الملف النووي الإيراني، الذي كان محور توتر طويل مع الولايات المتحدة، وأدى إلى فرض عقوبات اقتصادية قاسية، حيث أفضت المفاوضات إلى التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، وجرى رفع بعض العقوبات بعد عام.

تحدث خامنئي آنذاك عن ضرورة إظهار “مرونة بطولية” في التفاوض، لكنه وضع خطوطاً حمراء صارمة بشأن حجم التنازلات. 

ولاحقاً، اتهم خامنئي الولايات المتحدة بعدم الالتزام بتعهداتها، معتبراً أن تجربة الاتفاق أكدت “عدم جدوى الثقة بواشنطن”.

ومن وجهة نظر خامنئي، فقد شكل انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018 دليلاً إضافياً على هشاشة التفاهم مع الولايات المتحدة، ومهد لتدهور حاد في العلاقات بين الجانبين.

“محور المقاومة” والتحولات الإقليمية

إقليمياً، كان من أبرز مشاريع خامنئي بناء ما عُرف بـ “محور المقاومة”، الذي ضم حزب الله في لبنان، ونظام بشار الأسد في سوريا، وحركة حماس في فلسطين، وجماعة الحوثيين في اليمن، إضافة إلى فصائل مسلحة متحالفة في العراق.

لكن هذا المحور بدأ يتعرض لهزات عنيفة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع اندلاع الحرب على غزة، ثم توسع العمليات العسكرية لتشمل لبنان وسوريا وإيران.

وفي سبتمبر/أيلول 2024، اغتال الاحتلال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وعدد من قيادات الصف الأول، ما أضعف قدرات الحزب، وبعد أشهر، أُطيح ببشار الأسد في سوريا، فانقطع الممر البري الإيراني نحو لبنان.

وفي يونيو/حزيران 2025، خاضت إيران مواجهة عسكرية مفتوحة على أراضيها لأول مرة منذ أكثر من أربعة عقود، في ظل تصاعد الضربات المتبادلة.

وبرحيل علي خامنئي، تُطوى صفحة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، اتسمت بمزيج من التشدد الأيديولوجي والبراغماتية السياسية، ومن إدارة الأزمات الداخلية إلى خوض صراعات إقليمية كبرى.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول شكل المرحلة التالية في إيران، بعد غياب الرجل الذي طبع مسارها السياسي لأكثر من جيل.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة