الإيرانيون تحت النار: خسائر معيشية وانهيار اقتصادي متسارع

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

في الوقت الذي تتباهى فيه الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بما تصفه بـ”نجاح” حملتهما العسكرية على إيران، فإن الإيرانيين يرسمون واقعاً مختلفة تماماً مثقلاً بالخسائر العميقة والانهيار المفاجئ لكل ما بنوه على مدار سنوات.

إذ يقول الأهالي هناك أن الحرب لم تخلّف دماراً مادياً فحسب، بل زرعت خوفاً دائماً، وخراباً مالياً، وانهياراً سريعاً لأحلام طال العمل من أجلها.

أحمد رضا، صاحب متجر في وسط طهران، واحد من هؤلاء، فالرجل الأربعيني كان يدير محلاً صغيراً لبيع النظارات، قبل أن تدمره غارة جوية بالكامل.

ويقدّر أحمد رضا خسائره بنحو 150 مليار ريال، أي ما يقارب 100 ألف دولار، وبأسى واضح قال: “كل مدخرات حياتي ذهبت، وكل ما بنيته خلال سنوات اختفى في لحظات”.

وأضاف: “كل النظارات التي استوردتها احترقت، ولم يتبقَّ لي الآن سوى كومة من الشيكات التي لا أعرف كيف أسددها”.

وأشار إلى أنه لا توجد أي مواقع عسكرية قرب متجره، ما جعله عاجزاً عن فهم سبب استهداف المنطقة.

وقال: “لا قاعدة عسكرية، ولا مركز شرطة، لا شيء، هذه منطقة تجارية بحتة، يأتي الناس إليها لشراء النظارات، لقد قالوا إنهم يجلبون لنا الحرية، فهل هذه هي الحرية؟”.

واتسعت حملة القصف الأميركي المشترك مع الاحتلال لتشمل بنى تحتية مدنية في مختلف أنحاء إيران، حيث تضررت أو دُمّرت عشرات الآلاف من المواقع غير العسكرية، بما في ذلك المنازل والمدارس والمستشفيات.

“كل شيء اختفى”

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، يقول كثير من الإيرانيين إن طبيعة الغارات بدأت تتغير، فبينما كانت دولة الاحتلال تزعم أنها تستهدف بنى عسكرية، يشير السكان إلى أن المناطق المدنية باتت تُستهدف بشكل متزايد، حتى بات الفرق بين الهدف العسكري والمدني بلا معنى في نظر كثيرين.

فعلى سبيل المثال، تعمل مينا في صالون تجميل نسائي غرب طهران، وقد قالت إن مكان عملها دُمّر بالكامل في إحدى الغارات.

وتستعيد مينا تفاصيل الليلة التي سبقت القصف قائلة: “لم أستطع النوم، صوت الطائرات كان قريباً جداً، كأنه طنين ملاصق لأذنك، كان الصوت مستمراً طوال الليل، تشعر وكأنها تحلق فوقك مباشرة”.

ورغم أجواء الحرب، ظل الصالون يشهد نشاطاً كبيراً، إذ تزامن ذلك مع اقتراب عيد النوروز، أحد أكثر المواسم نشاطاً في هذا القطاع المهني، حيث قالت مينا: “كان لدينا عدد كبير من الحجوزات، الناس كانوا يستعدون للعيد”.

لكن في صباح اليوم التالي، تغيّر كل شيء، حيث وصفت مينا ما جرى بالقول: “عندما وصلت، كان المبنى كله مدمراً، المرايا محطمة، والكراسي ومجففات الشعر مدفونة تحت الركام”.

وتابعت وهي تحاول حبس دموعها: “لا نعرف ماذا نفعل الآن، صاحبة العمل بذلت جهداً كبيراً للحفاظ على المكان، والآن أصبحنا جميعاً بلا عمل”.

مينا، المتخصصة في خدمات الأظافر، كانت تملك جدولاً مزدحماً بالزبائن، لكنها تقول بهدوء: “الآن لم يعد لدي حتى مكان أعمل فيه”، وكما هو حال أحمد رضا، أكدت أنه لا توجد أي منشآت عسكرية في محيط المكان.

أحلام تتحول إلى رماد

وبالنسبة للبعض، لا تقتصر الخسارة على المال فحسب، بل تمتد إلى ما هو أعمق وأكثر خصوصية.

فهذه نغمة، شابة تبلغ من العمر 29 عاماً، قضت سنوات في دراسة تصميم الأزياء والمنسوجات، وأطلقت مع ثلاث صديقات علامة تجارية صغيرة، تقول: “كنا أربع شابات نحاول بناء شيء لأنفسنا”.

ومع القيود التي فرضتها العقوبات على الاستيراد، رأت هي وصديقاتها فرصة لإنشاء مشروع محلي، حيث قالت: “لم يعد بإمكان الناس شراء الماركات الأجنبية بسهولة، فقررنا أن نصنع علامتنا الخاصة”.

لكن الاستوديو الخاص بهن، الواقع غرب طهران، دُمّر بعد أن استهدف القصف الشارع الذي يقع فيه، حيث تقول: “شظايا من قصف مبنى قريب أشعلت النار في كل شيء، كل أعمالنا وتصاميمنا ومنتجاتنا احترقت.”

وأشارت إلى أنها وزميلاتها لم يتمكنّ حتى الآن من تقدير حجم الخسائر، وأضافت: “نحاول أن ننهض كلما أسقطتنا الحياة، لكن يبدو وكأن شيئاً يخنقنا من جديد كل مرة”، ثم قالت بصوت متعب: “نحن منهكات، منهكات تماماً”.

تحول في الاستراتيجية

وفي أنحاء طهران، تتكرر هذه القصص بشكل متزايد، ويؤكد كثير من السكان أن الهجمات باتت تستهدف مناطق لا تضم أي حضور عسكري واضح، خلافاً لما كان عليه الوضع في الأيام الأولى للحرب.

فهذا حسن، صاحب مطعم يبلغ من العمر 67 عاماً في شمال طهران، فقد مشروعاً عائلياً كان قد استمر لعقود، يقول: “والدي افتتح هذا المكان قبل 35 عاماً، وبعد وفاته واصلت إدارته، لكن اليوم لم يتبقَّ شيء سوى الأنقاض”.

ويرى حسن أن ما يحدث يعكس تحولاً في الاستراتيجية، وأضاف: “كانوا يعتقدون أن إيران ستنهار بعد الضربات الأولى، أو أن الناس ستخرج إلى الشوارع لإسقاط الحكومة”، ثم هز رأسه قائلاً: “هذا لم يحدث”.

وتابع بنبرة غاضبة: “هل كانوا يظنون حقاً أن الناس سيتظاهرون بينما القنابل تتساقط؟ من يجرؤ على الخروج في مثل هذه الظروف؟”، أما بالنسبة له، فالأمر شخصي ومباشر، إذ يقول: “لدي ثلاثة أطفال، كيف سأعيلهم الآن؟”

خوف وغضب ومستقبل غامض

ومع استمرار الحرب، يزداد المزاج العام في طهران توتراً، ويتشكل من مزيج من الخوف والغضب، ولا يعرف الناس إلى متى سيستمر هذا الصراع، وكثيرون لم يعودوا يعتقدون أنه سيحقق الأهداف المعلنة لأي طرف.

لكن القلق الأكبر لديهم هو ما قد يحمله المستقبل من تصعيد أشد، حيث تقول مينا: “ربما لا ينبغي أن أقول هذا، لكنني أحياناً أشعر بأنني محظوظة لأن منزلي لم يُقصف، فمكان العمل يمكن تعويضه، لكن المنزل لا”.

ثم تنهدت قائلة: “أنا قلقة على صاحبة العمل، وعلى الجميع، لكن كل ما أتمسك به الآن هو أمل صغير بأن تنتهي هذه الحرب قريباً”.

وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، لم تعد الحرب مسألة سياسة أو استراتيجيات، بل صارت مسألة بقاء.

فأصحاب المشاريع الصغيرة، والعمال، ورواد الأعمال الشباب، يجدون أنفسهم على حافة الانهيار مالياً ونفسياً وإنسانياً، وهم لا يتحدثون عن نصر أو هزيمة، بل عن خسارة.

إنهم يتحدثون عن خسارة الدخل، والاستقرار، والمستقبل الذي كانوا يسعون لبنائه، وفوق ذلك كله، شعور متزايد بأنهم عالقون في صراع أكبر منهم بكثير، حيث تقول نغمة بهدوء: “نحن عالقون، لم نختر هذه الحرب، لكننا نحن من نعيشها”.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة