بقلم جوزيف مسعد
في الخامس من شباط/فبراير، وخلال مشاركتهما في حفل “إفطار الصلاة الوطني”، جدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث التأكيد على رؤيتهما للولايات المتحدة باعتبارها أمة ذات هوية مسيحية. ترامب أعلن أن بلاده ستُعاد “أمة واحدة تحت رعاية الله”، مؤكداً أن الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الأمريكيون ليست نتاج تشريع حكومي، بل عطية إلهية. فالحق في الحياة والحرية، بحسب خطابه، مصدره “الله القدير”، لا مؤسسات الدولة.
وانطلاقاً من هذا التصور، عبّر ترامب عن استغرابه من تصويت بعض المؤمنين للحزب الديمقراطي، متسائلاً كيف يمكن لشخص متدين أن يمنح صوته لخصومٍ سياسيين يراهم متعارضين مع هذه الرؤية الدينية للأمة. وإذا كان الخطاب الأمريكي خلال الحرب الباردة قد صوّر الشيوعيين كأعداء للمسيحية و”الديمقراطية”، فإن الخطاب الحالي يعيد رسم الحدود، مقدماً الليبراليين والديمقراطيين بوصفهم خصماً داخلياً جديداً.
أما الوزير هيغسيث، فكان أكثر صراحة. استهل كلمته بقراءة من إنجيل مرقس، ثم أكد أن الحقوق المدنية تستمد مشروعيتها من “إله محب ورحيم”، لا من الحكومة. ويستدعي هذا الطرح إرثاً ثقافياً غربياً طويلاً يقوم على المقارنة بين صورة لإله مسيحي يُقدَّم بوصفه محباً، مقابل تصورات أخرى تُصوَّر باعتبارها أكثر صرامة. ومضى الوزير أبعد حين أعلن أن الولايات المتحدة تأسست كأمة مسيحية، وستظل كذلك “إن أحسنّا الحفاظ عليها”، معتبراً أن المسؤولين الحكوميين يتحملون “واجباً مقدساً” في تمجيد هذا الإرث. كما أشار إلى جهود لترسيخ طقوس دينية داخل وزارة الدفاع، من بينها إقامة صلاة جماعية شهرية.
لم يكن التأكيد على الهوية المسيحية جديداً في خطاب ترامب. فمنذ ولايته الأولى، سعى إلى كسب تأييد القاعدة الإنجيلية المحافظة عبر إبراز التزامه بالقيم الدينية، بل ذهب إلى حد الإيحاء بأن ما قدّمه للدين يجعله جديراً – ولو من موقع غير مثالي – بدخول الجنة في التصور المسيحي.
وفي اليوم التالي للحفل، نشر البيت الأبيض عبر منصة “إكس” أن “أمريكا أمة واحدة تحت رعاية الله، وستبقى كذلك دائماً”. هذا الشعار، الذي ارتبط لعقود بما يُسمى “الدين المدني” الأمريكي، ظل يُقدَّم كصيغة رمزية جامعة، غير أن الخطاب الحالي يسعى إلى إبراز معناه المسيحي الصريح بوصفه جوهر الهوية الوطنية.
تاريخياً، لا يُعد هذا التوجه استثناءً. فقد نُقش شعار “In God We Trust” على العملة الأمريكية خلال الحرب الأهلية في عهد الرئيس أبراهام لينكولن، في سياق تعبئة معنوية وسياسية ضد الجنوب الانفصالي. ومع أن لينكولن يُستحضر غالباً في الذاكرة الليبرالية بوصفه محرر العبيد، فإن مواقفه من قضايا العرق والفصل لم تكن بعيدة عن التناقضات التي ميّزت تلك المرحلة.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تصاعد المواجهة مع الاتحاد السوفييتي، تعزز الطابع الديني للخطاب الرسمي. ففي عهد الرئيس دوايت آيزنهاور، أُضيفت عبارة “تحت رعاية الله” إلى قسم الولاء، وأُقرّ الشعار الوطني “In God We Trust” عام 1956 ليُطبع على العملات الورقية أيضاً، في سياق صراع أيديولوجي مع ما كان يُقدَّم بوصفه “الإلحاد الشيوعي”. كما أرسى آيزنهاور تقليد “إفطار الصلاة الوطني”، وحرص على حضور ديني واضح في أعلى مستويات السلطة.
خلال تلك الفترة، ارتفعت نسبة الأمريكيين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم متدينون بشكل ملحوظ. واليوم يشير ترامب إلى ما يعتبره تجديداً دينياً، متحدثاً عن ارتفاع مبيعات الكتاب المقدس وزيادة في أعداد رواد الكنائس، ومعلناً عن دعوة وطنية للصلاة في الساحة الوطنية بواشنطن عام 2026.
غير أن هذا الخطاب لم يمر من دون اعتراض. فقد انتقدت منظمات متعددة الطوائف والعلمانية توجه الإدارة، ورفعت دعاوى ضد ما وصفته بترويج غير دستوري للقومية المسيحية، خصوصاً بعد إنشاء لجنة “الحرية الدينية” عام 2025، التي اعتبر منتقدوها أنها تعكس رؤية ضيقة تربط هوية الدولة بتفسير ديني محدد.
على مستوى السياسة الخارجية، لا ينفصل الخطاب الديني عن الممارسة السياسية. إذ تُستحضر المرجعية الدينية في توصيف بعض العمليات العسكرية والمواقف الدولية، وتُدرج ضمن سرديات أوسع عن “السلام” أو “الرسالة الحضارية”. وفي هذا السياق، تُقرأ أحداث الشرق الأوسط – بما فيها الحرب في غزة – ضمن إطار لغوي يخفف من وقع المأساة، ويعيد تأويلها ضمن سردية سياسية ترى في استمرار العنف مجرد “تفاصيل” داخل رواية أكبر عن الاستقرار المعلن.
في المحصلة، لا يبدو الحديث عن الولايات المتحدة كأمة ذات هوية مسيحية انحرافاً طارئاً، بل امتداداً لمسار طويل من التداخل بين الدين والسياسة في الثقافة الأمريكية. الجديد في اللحظة الراهنة ليس الفكرة بحد ذاتها، بل صراحتها، وحدّة حضورها في خطاب داخلي وخارجي يعيد تأكيد هذا الارتباط بوصفه عنصراً مركزياً في تعريف الدولة لنفسها ودورها في العالم.
للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)







