بقلم جوزيف مسعد
يشكّل تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل أحد الأعمدة المركزية في الاستراتيجية الأميركية بالمنطقة، إذ لا يقتصر هدفه على دمج إسرائيل إقليميًا، بل يتعداه إلى تطويق الفلسطينيين سياسيًا بعواصم عربية حليفة لمستعمريهم، وتجريدهم من أي عمق أو سند خارجي فعّال. وفي هذا الإطار، مثّل اتفاق أوسلو الموقع عام 1993 نقطة انعطاف مفصلية في مسار القضية الفلسطينية، إذ أعاد هندسة دور منظمة التحرير الفلسطينية، محولًا إياها من حركة تحرر وطني إلى بنية وظيفية تُستخدم لضبط الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، بما يخدم متطلبات الاحتلال الإسرائيلي.
وعلى الرغم من الرهان الأميركي–الإسرائيلي على أن هذا المسار كفيل بإنهاء النضال الفلسطيني إلى الأبد، فإن استمرار المقاومة، والذي تجلّى بصورة صارخة في عملية «طوفان الأقصى»، لم يؤدِ إلى مراجعة هذا النهج، بل أسفر على العكس من ذلك عن تسريعه وتوسيعه، في محاولة لإعادة إنتاج شروط الإخضاع بالقوة السياسية والعسكرية معًا.
في السنوات الأخيرة، شهد مسار التطبيع توسعًا ملحوظًا ليشمل دولًا ذات أغلبية مسلمة لم تخض تاريخيًا حروبًا مباشرة مع إسرائيل، ولم تكن تقيم معها علاقات دبلوماسية. وفي مؤشر لافت على تسارع هذا التوجه، أعلنت كازاخستان – التي تجمعها أصلًا علاقات دبلوماسية بإسرائيل – في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 انضمامها رسميًا إلى اتفاقيات أبراهام الموقعة عام 2020. وبالتوازي، كشفت إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، والتي لا تربطها علاقات رسمية بإسرائيل، عن نيتها «دراسة» ملف التطبيع. كما كشف اللقاء الذي جمع وزيرة الخارجية الليبية بنظيرها الإسرائيلي في إيطاليا في آب/أغسطس 2023 عن محاولات مماثلة لاختراق الموقف الليبي، غير أن حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة حالت دون استكمال هذه المساعي.
ولا يُعد التطبيع مع إسرائيل نتاجًا حديثًا للسياسات الأميركية، بل هو في جوهره جزء أصيل من المشروع الصهيوني ذاته، تعود جذوره إلى بدايات القرن العشرين. فمنذ عشرينيات ذلك القرن، ارتكزت استراتيجية الحركة الصهيونية على مبدأ مفاده: إذا تعذّر انتزاع قبول عرب فلسطين بالمشروع الصهيوني، فلا بد من الحصول على اعتراف عرب سوريا والعراق والسعودية، وربما مصر. وبالنظر إلى المشهد الراهن، يمكن القول إن إسرائيل نجحت فعليًا في تحقيق اعتراف مزدوج، سواء من بعض القيادات الفلسطينية أو من أنظمة عربية على حد سواء.
وقد أخطأ زعيم الصهيونية التصحيحية فلاديمير جابوتنسكي في تقدير موازين القوى حين انتقد هذه الاستراتيجية في عشرينيات القرن الماضي، معتبرًا إياها مضللة. فقد رأى أن كسر إرادة الدول العربية في مقاومة الصهيونية يستوجب تقديم مقابل ذي قيمة، معتبرًا أن الخيارات المتاحة لا تتجاوز المال أو الدعم السياسي أو كليهما. غير أنه افترض أن الصهاينة لا يمتلكون المال الكافي، ولا القدرة على تقديم دعم سياسي للعرب في مواجهة القوى الاستعمارية، قائلاً إنهم لا يستطيعون المساومة على خروج بريطانيا من قناة السويس أو الخليج العربي، ولا إنهاء السيطرة الفرنسية والإيطالية على الأراضي العربية، ولا خوض «لعبة مزدوجة» من هذا النوع.
لكن التطورات التاريخية أثبتت أن جابوتنسكي وقع في وهم مفاده أن النخب العربية كانت تسعى فعليًا إلى مناهضة الاستعمار، في حين أن الواقع – آنذاك واليوم – يكشف عن تعاون بنيوي بينها وبين الإمبريالية الغربية. وما غاب عن إدراكه هو أن «المساعدة السياسية» المطلوبة لم تكن موجهة لمواجهة الاستعمار، بل لتعزيزه وترسيخ دوره في حماية الأنظمة الملكية العربية وضمان استمراريتها. وبناء على ذلك، لم تقتصر موجات التطبيع على الدول التي وقّعت اتفاقيات سلام علنية أو سرية مع إسرائيل منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وصولًا إلى اتفاقيات أبراهام، بل امتدت لتشمل محادثات سرية في دول مثل ليبيا والعراق وتونس. وعلى عكس تشاؤم جابوتنسكي، يدرك الإسرائيليون، ومعهم دونالد ترامب، أن التطبيع مع الأنظمة العربية بات مسارًا شبه حتمي، بما في ذلك السعودية، التي لم يمنع غياب التطبيع الرسمي من ازدهار علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل.
يروج أنصار التطبيع في العالم العربي لسردية تدّعي أن إقامة علاقات ودية ودبلوماسية مع إسرائيل ستمنح العرب أوراق ضغط حقيقية لانتزاع الحقوق الفلسطينية، وإجبار إسرائيل على إنهاء احتلال أراضي عام 1967، فضلًا عن تحقيق الاستقرار والازدهار الإقليمي. غير أن هذه السردية تتجاهل حصيلة نصف قرن من التجارب التي لم تثمر سوى حروب مدمرة، وتوسع استيطاني، وتصاعد في المقاومة، وصولًا إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. وتكفي مراجعة سريعة لمسارات التطبيع السابقة لتفنيد هذه الأوهام.
في هذا السياق، من الضروري التوقف عند الدور الفلسطيني ذاته. ففي الفترة الممتدة بين عامي 1973 و1977، انخرطت منظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما حركتا فتح والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، في مسار سياسي تمثل بعقد لقاءات في أوروبا مع أعضاء الحزب الشيوعي الإسرائيلي وشخصيات صهيونية يسارية، في محاولة لفتح قنوات «حوار» غير رسمية. وقدمت المنظمة آنذاك مقترحات سرية للتفاوض تقوم على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع التخلي عن أي مطالب بأراضٍ تُعد «إسرائيلية». أُرسلت هذه المقترحات مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين، الذي رفضها رفضًا قاطعًا وحظر أي تواصل مع المنظمة.
وفي مواجهة الانتقادات التي طالت الجدوى الاقتصادية للدولة المصغرة المقترحة، دافع ياسر عرفات في وقت مبكر من عام 1975 عن هذا التوجه مستشهدًا بتجارب دول فقيرة وصغيرة كغينيا بيساو واليمن الجنوبي. غير أن الانتقال من استراتيجية التحرير الشامل إلى مشروع «الدولة المستقلة» شكّل تحولًا عميقًا في طبيعة النضال الفلسطيني. وبينما كانت المنظمة تسعى لإقناع الغرب باعتدالها وتقديم تنازلات استراتيجية على أمل المشاركة في محادثات مستقبلية ومؤتمر جنيف المرتقب، فوجئت بقرار الرئيس المصري أنور السادات كسر قواعد اللعبة والانفراد بالمسار السياسي، بدعم أميركي مباشر، متجهًا إلى إسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 1977، مستفيدًا من صعود حزب الليكود اليميني بزعامة مناحيم بيغن.
لم يكتفِ السادات بزيارة إسرائيل، بل ذهب أبعد من ذلك بإلقاء خطاب تاريخي أمام الكنيست في القدس المحتلة، في وقت كانت فيه دول العالم ترفض الاعتراف بضم المدينة وتنقل سفاراتها إلى تل أبيب. وبسبب هذا التحرك الأحادي، أُجهضت الجهود الدولية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي، الشريك في رعاية مؤتمر جنيف، إلى جانب المساعي العربية للتوصل إلى تسوية شاملة. وقد قوبلت خطوة السادات بإدانة عربية وفلسطينية واسعة، باعتبارها تمهيدًا لتسوية منفصلة تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تفكيك الموقف العربي الموحد. وسرعان ما تفجّر الخلاف دبلوماسيًا، إذ طرد السادات ممثلي منظمة التحرير من القاهرة، فيما ردّت جامعة الدول العربية بطرد مصر من عضويتها عام 1979 ونقل مقرها إلى تونس.
وبمجرد إخراج مصر من معادلة الصراع العسكري، وحتى قبل توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام، شنّت إسرائيل غزوًا واسعًا على لبنان في آذار/مارس 1978، مستهدفة قواعد منظمة التحرير الفلسطينية. جاء هذا العدوان في ظل إدراك إسرائيلي كامل بأن الجبهة الجنوبية أصبحت آمنة، ما أتاح توجيه القوة العسكرية شمالًا. وأسفر الغزو عن مقتل أكثر من أربعة آلاف مدني فلسطيني ولبناني، وتهجير ربع مليون شخص، واستدعى نشر قوات اليونيفيل الدولية.
وخلال هذا العدوان، اعتمدت إسرائيل على متعاونين محليين، أبرزهم سعد حداد الذي أسس «جيش جنوب لبنان» المتحالف مع الاحتلال. ورغم الانسحاب الجزئي، أبقت إسرائيل على «منطقة أمنية» استخدمتها قاعدة لمواصلة هجماتها، ما مهّد لاجتياح 1982 الأوسع، الذي انتهى بإخراج منظمة التحرير قسرًا من لبنان.
أما في المسار التفاوضي، فقد تناولت المفاوضات المصرية–الإسرائيلية مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن إطار خاص، اقتصر على وعود غامضة بفترة انتقالية وانتخاب «سلطة حكم ذاتي» محدودة الصلاحيات، مع بقاء الجيش الإسرائيلي. والمفارقة أن هذا الطرح لم يكن سوى إعادة إنتاج لمقترح صهيوني قُدّم عام 1930، ما يؤكد ثبات الرؤية الاستعمارية الصهيونية مقابل تحوّل الموقف العربي.
ولم تُفضِ الجهود اللاحقة لما سُمي «السلام الشامل» إلى أي نتيجة، خلافًا للدعاية التي حمّلت الفلسطينيين مسؤولية الفشل. إذ لم يتضمن الطرح الإسرائيلي أي اعتراف بالدولة الفلسطينية أو بحقوق اللاجئين أو بالقدس، بل أعلن بيغن صراحة نيته ضم الأراضي المحتلة. بل أطلق في عام 1979 برنامجًا استيطانيًا مكثفًا، تزامن مع ضم القدس الشرقية والجولان، في تحدٍ صريح للقانون الدولي.
وتكرر النمط ذاته لاحقًا؛ إذ قوبلت المبادرات العربية، ومنها خطة الأمير فهد عام 1981، برفض إسرائيلي مطلق، رغم الترحيب الأميركي والفلسطيني بها. واستمدت إسرائيل من هذه التنازلات جرأة لشن اجتياح لبنان عام 1982، الذي أسفر عن عشرات آلاف الضحايا ونزوح واسع، في تأكيد جديد على أن التطبيع لا يؤدي إلا إلى مزيد من العدوان.
وينطبق الأمر ذاته على اتفاقيات أوسلو ومعاهدة وادي عربة، التي حوّلت السلطة الفلسطينية إلى أداة أمنية، في وقت استمر فيه التوسع الاستيطاني وقمع الفلسطينيين، وصولًا إلى الانتفاضة الثانية. كما لم تختلف نتائج اتفاقيات أبراهام، التي منحت إسرائيل غطاءً إضافيًا لممارسة الإبادة الجماعية في غزة، دون أي تحرك جدي من الدول الموقعة.
وعلى خلاف الادعاءات التي تسوّق التطبيع كمدخل للاستقرار، يبرهن السجل التاريخي أنه لم يجلب سوى الاستيطان، والاجتياحات، والإبادة، ولم تسلم حتى الدول المطبّعة نفسها من التهديدات. ومع ذلك، يواصل دعاة التطبيع الترويج لأوهام «حل الدولتين» والسلام الإقليمي، متجاهلين الوقائع الصارخة التي كشفتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، حتى على دول ووسطاء.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى الحقيقة التي أكدها «طوفان الأقصى» وصمود الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس، أن كل محاولات تدجين الشعب الفلسطيني عبر التطبيع باءت بالفشل، وأن إرادة المقاومة ما زالت أقوى من كل مشاريع الإخضاع، وأن الحرية لا تُنتزع بالتنازلات، بل بالصمود والنضال المستمر.
للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)







