بقلم ديفيد هيرست
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
ثمة تشابه مقلق، بل يكاد يكون مخيفًا، بين الطريقة التي يستعد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمهاجمة إيران، والطريقة التي هيّأ بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزوه لأوكرانيا.
فقد أقدم كلا الرجلين على خيار الحرب وهو منتشٍ بحملة عسكرية اعتبرها نجاحًا باهرًا، بالنسبة لبوتين، كانت حملته في سوريا، أما ترامب، فكان إنجازه ماثلاً في إسقاطه نيكولاس مادورو في فنزويلا، وكلاهما أحاط نفسه بحلقات من المصفقين الذين حجبوا عنه الصلة بالواقع.
لقد جمع بيوتين حوله استراتيجيين ولاهوتيين يتبارون في التشدد، أحدهم دعا إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي في أوكرانيا، وآخر اقترح تفجير طوربيد نووي قبالة سواحل لانكشاير لإغراق بريطانيا بموجة إشعاعية تضرب صناعتها الجوية.
وقد رأى جميع هؤلاء أوكرانيا ساحة حرب بالوكالة ضد الولايات المتحدة وأوروبا، فيما قدّم بوتين نفسه كالقائد المخضرم الذي يكبح جماحهم.
أما ترامب، فيتصور من جهته أن هزيمة إيران ستفتح شرقًا أوسطًا جديدًا، أما “سيرك المصفقين” حوله فهو قناة فوكس نيوز، التي استقى منها وزير حربه بيت هيغسيث.
وفي كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة، يبدأ قرار الحرب الكاسحة وينتهي في رأس الرئيس وحده، وقد تباعى ترامب بذلك قائلًا: “أنا من يتخذ القرار، أفضل صفقة على عدمها، لكن إن لم نبرم صفقة، فسيكون يومًا سيئًا جدًا لذلك البلد”.
خارج أي توازن
وعلى العموم فإن كلا الزعيمين يتحرك من دون نظام فعّال للضوابط والتوازنات، بخلاف زمن الحرب الباردة حين كانت قرارات الحرب جماعية ومحسوبة ومع ذلك كانت كارثية.
بوتين اعتقد أن الحرب ستكون خاطفة وسهلة، وترامب ما يزال يرى هدفه ثمرة متدلية يسهل قطفها، ولا أحد منهما مستعد لحرب طويلة.
بوتين توقّع سقوط الحكومة الأوكرانية كبيت من ورق، لكن قواته نفد منها الوقود والغذاء وحتى الجوارب، وواجهت أرتاله المدرعة مشكلات لوجستية منذ اليوم الأول وغرقت في الوحل.
ترامب بدأ يستخدم لغة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بحثًا عن ذريعة لضرب إيران، وقد أرسل إلى موقع الهجوم حاملة طائرات تعاني أعطالًا في مرافقها وطاقمًا مرهقًا بعد ثمانية أشهر من الانتشار
حين تحولت مغامرة أوكرانيا إلى إخفاق، أقال بوتين 150 عنصرًا من جهاز الأمن الفيدرالي وزجّ برئيس استخبارات في السجن، وهنا بالطبع لن يكون الفشل خطأه أبدًا، أما ترامب فهو يميل أيضاً إلى لوم الجميع إلا نفسه.
وإذا كان بوتين قد وضع طاولة طويلة تفصل بينه وبين مستشاريه زمن كورونا، فإن ترامب بنى في البيت الأبيض جدارًا يعزل عنه أي جرثومة شك.
رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أبلغ ترامب أن القوات الأميركية في الشرق الأوسط تستطيع تنفيذ ضربة “صغيرة أو متوسطة”، لكنها لا تحتمل حربًا طويلة، وأن خطر سقوط ضحايا أميركيين مرتفع، وأن وتيرة استخدام الصواريخ قد تستنزف المخزونات.
هكذا نقلت نيويورك تايمز. لكن ترامب روى الإحاطة على أنها أكدت أن أي تحقيق الفوز من أي عمل عسكري سيكون “سهل المنال”.
ورغم التحفظات، تبدو الحرب وشيكة، والمؤشرات في المنطقة ساطعة كأضواء نيون: سماء الأردن تعج بنشاط عسكري أميركي، وقوات أعيد نشرها من العراق تظهر في لبنان و11 مقاتلة “إف-22 رابتور” حطت في قاعدة عوفدا بصحراء النقب لدى دولة الاحتلال، بعدما انطلقت من قاعدة لاكنهيث البريطانية مدعومة بسبع طائرات تزوّد بالوقود جوًا، وذلك رغم حديث لندن عن عدم السماح باستخدام قواعدها منصةً للهجوم.
زعيم المعارضة في دولة الاحتلال يائير لابيد أعلن في الكنيست أن الخلافات السياسية ستُجمَّد في حال اندلاع الحرب مع إيران، وأنه سيجوب العواصم مدافعًا عن ضرورة إسقاط “حكم آيات الله، وها هي مستشفيات دولة الاحتلال تُهيّئ مواقف سيارات تحت الأرض لتصبح أجنحة طوارئ.
وفي تكرار لسردية “التهديد الوشيك”، قال ترامب في خطابه الأخير إن إيران “تعمل على بناء صواريخ ستصل قريبًا إلى الولايات المتحدة”، وقبل ذلك بساعات، قال مبعوثه ستيف ويتكوف إن طهران “على بعد أسبوع من مواد تصنيع قنبلة بدرجة صناعية”.
يشبه ذلك ادعاء بوش عام 2003 بوجود أسلحة دمار شامل وشيكة لدى صدام حسين، وهو ادعاء ثبت بطلانه، لكن مثل هذه التصريحات تُضخم الخطر النووي الإيراني لتصويره وشيكًا.
حسابات باردة
وفي طهران، يجري تحليل شخصية ترامب الذي يتصرف بعقلية تاجر عقارات مانهاتني مندفع ومزاجي لكنه مسلح بمقاتلات شبحية وصواريخ كروز.
الحسابات الباردة يقوم بها ويتكوف وجاريد كوشنر ونائب الرئيس جيه دي فانس، الذين يختفون في الخلفية عند اتخاذ القرار كما حدث في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة.
ومع هذا الحشد البحري والجوي الهائل، لم يترك ترامب لنفسه مخرجًا سوى انتزاع تنازل إيراني غير مسبوق في محادثات جنيف ومسقط، وبعض المراقبين يتحدثون عن “نظرية تاكو” التي تفترض أن ترامب يتراجع دائمًا، لكن آرون ديفيد ميلر يرى أن الرئيس الأمريكي ربما يكون قد يكون حشر نفسه في زاوية حرب لا يريدها
لغة ترامب اليوم تختلف عن توبيخه لنتنياهو بعد حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران الماضي، نتنياهو، الذي يمتلك رؤية واضحة لما يريد من ضربة لإيران، يعمل بوضوح على إقناع الرئيس الأميركي بمعلومات استخبارية عن استئناف التخصيب.
وعلى عكس بوش، لم يُعدّ ترامب المسرح لحرب داخليًا أو دوليًا، لا قرار من مجلس الأمن، وحلفاؤه الإقليميون يرفضون استخدام قواعدهم.
طهران تستعد لحرب طويلة
في المقابل، تتهيأ إيران لحرب طويلة، حيث كلف المرشد علي خامنئي علي لاريجاني بضمان بقاء الدولة في حال اغتيال القادة، واتُفق على أربعة بدلاء يخلفون كل مسؤول.
ولاريجاني خيار لافت كقائد لإيران في زمن الحرب، فالرجل، الذي شغل سابقًا منصب رئيس البرلمان، أظهر دعمًا ثابتًا للرئيس الإصلاحي الأسبق حسن روحاني، ولهذا السبب، استُبعد من خوض سباقين رئاسيين بقرار من مجلس صيانة الدستور، الذي برّر ذلك بعدم امتلاكه خبرة تنفيذية كافية.
وكان لاريجاني أيضًا من أبرز المؤيدين للاتفاق النووي لعام 2015، وهو الاتفاق الذي عارضه التيار الأصولي آنذاك بحجة أن إيران لن تجني شيئًا من التنازلات التي تقدمها، وهي حجة أثبتت التطورات اللاحقة، في نظرهم، صوابها.
لكن لاريجاني، بوصفه عضوًا سابقًا في الحرس الثوري، يمتلك خبرة أمنية تنفيذية معتبرة، فقد تولّى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، أحد أهم المواقع الأمنية في إيران، بين عامي 2005 و2007، واليوم، يُنظر إليه على أنه قائد إيران في زمن الحرب.
تصميم صارم
لقد تساءل ترامب لماذا لم تستسلم إيران أمام الأسطول الضخم المحتشد على مقربة من حدودها، والإجابة بسيطة: إنهم جيل من القادة صقلتهم الحروب، يحملون ذكريات مريرة وأحيانًا شخصية عن الهجمات بالغاز التي شنّها صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات.
تُقدَّر أعداد الإيرانيين، عسكريين ومدنيين، الذين تعرضوا لعوامل كيميائية بنحو مليون شخص، ووُثّق أن أكثر من 100 ألف منهم تلقوا علاجًا طبيًا طارئًا بسبب إصابات ناجمة عن الأسلحة الكيميائية.
في ذلك الوقت، كان صدام يتلقى التمويل من السعودية والكويت، ومدعومًا من الولايات المتحدة وأوروبا، وقد أرسلت شركات ألمانية أكثر من ألف طن من المواد الأولية اللازمة لإنتاج غاز الخردل والسارين والتابون والغاز المسيل للدموع، ما مكّن العراق من تصنيع تلك الأسلحة.
كما مهّدت إيران الأرضية في الخليج لاحتمال الحرب، فقد أبلغت جيرانها بأن أي قاعدة أميركية على أراضيهم ستصبح هدفًا مشروعًا لها في حال اندلاع نزاع.
وإذا تعرض المرفأ النفطي الرئيسي لإيران في جزيرة خرج لضربة أميركية–إسرائيلية، فإن جميع المصافي الممتدة على طول الخليج ستكون عرضة للخطر.
واستعدادًا للحرب، عمدت إيران إلى تحميل ما يقرب من ثلاثة أضعاف كمياتها المعتادة من النفط على ناقلات الشحن.
وهناك اليوم تصميم صارم على الاستعداد للمواجهة، تتقاسمه الكتلتان السياسيتان الرئيسيتان داخل النخبة الإيرانية.
تواجه إيران اليوم أزمتين، خارجية وداخلية، فبعد انتفاضة يناير التي قُتل خلالها آلاف المحتجين، واعتُقل عشرات الآلاف، غير أن هذه القيادة لا تبدو رغم ذلك في وارد الانهيار.
خط أحمر
هذا ما هو معلوم، أما المجهول الأكبر، فهو كيفية رد فعل الصين، فكما يجادل نيلسون وونغ، من غير المرجح أن ترسل الصين قوات لدعم طهران أو تنخرط في صراع مباشر، إذ أنها تحتفظ بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لملف تايوان.
لكن، كما يضيف، فإن اعتبار هذا الموقف سلبيةً سيكون سوء قراءة لطبيعة تنافس القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين.
ودعم الصين لإيران حقيقي، فإيران عضو كامل في منظمة شنغهاي للتعاون وإن لم تكن المنظمة بذاتها حلفًا عسكريًا وقد أجرت الصين وروسيا وإيران مؤخرًا مناورات بحرية مشتركة في مضيق هرمز.
الأقل ظهورًا كان وصول بطاريات صواريخ أرض-جو صينية الصنع إلى إيران، ضمن صفقة “نفط مقابل سلاح” للالتفاف على العقوبات الأميركية، وهناك تقارير غير مؤكدة عن احتمال حصول إيران على مقاتلات الشبح من الجيل الخامس “جي-20”.
وخلال احتفال إيران بيوم القوات الجوية هذا الشهر، قدّم ملحق عسكري صيني نموذجًا لمقاتلة “جي-20” إلى أحد قادة سلاح الجو الإيراني، وهي إيماءات علنية تحمل في طياتها رسائل تحذيرية أيضًا.
قد تصبح هذه الحرب هي الخصم القاتل لكلٍّ من ترامب ونتنياهو، وربما تصير الجسر الأبعد الذي لا يمكن عبوره.
وما يمكن قوله بدرجة من اليقين هو أن الصين رسمت بوضوح خطًا أحمر ضد السماح بتغيير النظام في إيران، التي تظل شريكها الأول في مجال الطاقة.
إن كل عناصر الحرب الإقليمية الحقيقية باتت متوافرة، تلك التي حذّر منها كثيرون منذ أن بدأ الاحتلال هجومه على غزة والضفة الغربية ولبنان.
لكن ترامب يُدفع بغروره الشخصي وبشعور داخلي بأن أوضاعه تتدهور على الصعيد الداخلي نحو حرب شاملة لا هو ولا قواته ولا الاحتلال يملكون القدرة على السيطرة عليها.
الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ستهاجمان بلدًا يزيد حجمه أربع مرات على العراق الذي غزاه بوش، والولايات المتحدة في عهد ترامب أقل استعدادًا من إدارة بوش لتحمّل تبعات حرب طويلة الأمد.
فهل سيتراجع ترامب في اللحظة الأخيرة؟ من يدري؟ إن بقي لديه شيء من الحكمة، فعليه أن يفعل، لأن هذه قد تكون الحرب التي تتحول إلى خصمه القاتل، والجسر الأبعد الذي لا عودة منه.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







