بقلم أحمد درملي
ترجمة وتحرير مريم الحمد
بعد أكثر من عامين من الحرب، أتى عيد الفطر إلى غزة خلال ما يسمى بوقف إطلاق النار جالباً معه شعوراً غامراً وإن كان غير مكتمل بالسعادة وشعوراً منقوصاً بالأمان، وسط ذكريات الخسارة المؤلمة.
بالنسبة لأشخاص مثلي، ممن ولدوا ونشأوا في غزة ونجوا من التصعيد الإسرائيلي المتكرر وما يقرب من عقدين من الحصار، فقد حان الوقت لتذكير العالم بأننا بشر قادرون على الاحتفال، تماماً مثل الآخرين في جميع أنحاء العالم.
لقد تم تدمير العديد من المنازل التي كنت أزورها، بما في ذلك منزل أختي ومنزل أصدقائي وأقاربي، لكني أتوق للاحتفال قدر المستطاع، لأن من حقي أن أعيش حياة طبيعية!
تبدأ الاستعدادات للعيد في غزة عادة في منتصف شهر رمضان، حيث تمتلئ الشوارع بالمتسوقين الباحثين عن ملابس جديدة وحلويات ومكسرات، ويسارع التجار لبيع بضائعهم قبل العيد.
ومع اقتراب الشهر من نهايته، تملأ الهواء رائحة السماقية، وهي طبخة فلسطينية غزاوية بنكهة السماق المنعش، تقوم الجدات بإعداد كميات كبيرة منها لمشاركتها مع الأقارب والجيران في أول أيام العيد، وتمتزج رائحة السماقية برائحة الكعك الطازج، الذي يتم تقديمه للضيوف.
في الواقع، غالباً ما تنافس الفرحة في الأيام التي تسبق العيد سعادة العيد نفسه، حيث يساعد الناس بعضهم البعض ويخلقون لحظات من الدفء والعمل الجماعي، وبالنسبة للأطفال في غزة، لا يقتصر العيد على الزيارات العائلية فحسب، بل يتعلق الأمر أيضاً بالملابس الجديدة والحلوى والهدايا المالية.
ما زلت أتذكر مدى أهمية الملابس الجديدة بالنسبة لي ولإخوتي الأربعة عندما كنا صغاراً، فقد كانت أختي لينا تصر على تعدد الأزياء، فترتدي شيئاً جديداً في كل يوم من أيام العيد الثلاثة.
لحظات من البهجة
رغم راتب والدي المحدود من وظيفته في وزارة التعليم وعبء الديون على عائلتنا، إلا أن شراء ملابس العيد لنا كان دائماً أولوية بالنسبة لوالدي وهو شيء لم يتنازل عنه أبداً.
بمجرد أن نشتري ملابسنا ونعلقها في الخزانة، نبدأ بعد الأيام حتى حلول العطلة، ففي بعض الأحيان، كنت أضع ملابسي على سريري في الليلة السابقة للعيد وأنام على الأرض.
وعندما أصبحت مراهقاً، كنت أذهب إلى السوق مع الأصدقاء لشراء ملابس العيد الجديدة، وفي بعض الأحيان، من أجل المتعة فقط، كنا نتفق على ارتداء نفس اللون، مثل الأحمر الفاتح أو الفيروزي، وفي اليوم السابق للعيد، كنت أذهب أنا وصديقي أحمد إلى الحلاق وننتظر لساعات، حيث كان الجميع يريدون قصة شعر في العيد.
في صباح العيد، كان الآلاف من الرجال والنساء والأطفال يتجمعون لأداء صلاة العيد في مساحات مفتوحة واسعة، مثل منطقة السرايا في مدينة غزة، قبل أن تتحول إلى مخيم مؤقت، وبعد شهر من الصيام، كنت أتشارك أنا وعائلتي وجبة الإفطار الأولى، والتي غالباً ما كانت تتضمن الفسيخ، وهو طبق مصنوع من السمك المملح، ونتبادل العناق وتحيات العيد.
كنت أتساءل وأنا في طريق عودتي كيف يمكن لأي شخص أن يحتفل وهو يحمل مثل هذه الخسارة الفادحة، فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، فقدت والدتي وصديقي المفضل أحمد وأكثر من 60 شخصاً آخر من أحبائي الذين كانوا ذات يوم جزءاً من احتفالاتي بالعيد
كان العيد دائماً لحظة بهجة نادرة ووقفة من ضغوط حياتنا اليومية، حيث كنا نشرب القهوة ونلتقط الصور ونرسلها إلى الأقارب والأصدقاء في الخارج، ومع ذلك، لم تكن الاحتفالات في غزة كاملة على الإطلاق، فحقيقة إمكانية حصول تصعيد إسرائيلي مفاجئ موجودة دائماً، وحتى عندما لا يكون هناك قصف نشط، فإن اضطراب ما بعد الصدمة المستمر لدينا يقاطع لحظات فرحنا دائماً.
في عيد الفطر عام 2021، قتل صاروخ إسرائيلي عمي منصور بينما كان يتسوق، وفي العام التالي، احتفلنا بالعيد في ظل الحصار والتوترات المتصاعدة، والتي سرعان ما اندلعت إلى تصعيد آخر، وفي عام 2023، وصل العيد قبل بضعة أشهر فقط من بدء الحرب في أكتوبر، وفي عام 2024، مثل الكثير من الناس في غزة، كنت أتمنى أن تنتهي الإبادة الجماعية قبل العيد، لكن ذلك لم يحدث، وفي العام الماضي، بدأ شهر رمضان في ظل وقف إطلاق النار، وتمسكنا بالأمل، لكن إسرائيل خرقته في 18 مارس 2025، فحولت عيداً آخر إلى عطلة في زمن الحرب!
انقطاع سبل العيش
والآن، مرة أخرى، يصل العيد وسط وقف إطلاق نار هش، مليئ بالحزن مع استمرار الهجمات الإسرائيلية، فمنذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، أدت الهجمات الإسرائيلية المستمرة إلى استشهاد أكثر من 600 فلسطيني في غزة.
لقد فقد معظم الناس في غزة منازلهم، إما كلياً أو جزئياً، ويعيش العديد منهم في خيام مؤقتة أو ملاجئ مؤقتة، حيث فقدت كل عائلة تقريباً أحباءها الذين كانوا ذات يوم معها في احتفالات العيد، فالبعض الآن هم الناجون الوحيدون من عائلاتهم، كما أصيب عشرات الآلاف من الأشخاص.
بعد عامين من الحرب المدمرة، تلاشت سبل عيش الناس ومدخراتهم، الأمر الذي دفع سكان غزة بالكامل، الذين يزيد عددهم عن مليوني نسمة، إلى براثن الفقر، فقد بات شراء الطعام بمثابة صراع بالنسبة للعديد من العائلات اليوم، ناهيك عن شراء ملابس جديدة، بعد أن ارتفعت أسعار السوق بشكل كبير وسط استمرار القيود الإسرائيلية على الحدود.
ومع ذلك، ورغم كل شيء، لا يزال الناس يحاولون العثور على لحظات من الفرح، فقد ذهبت مؤخراً إلى شارع الرمال وسط مدينة غزة، وهو الآن السوق الرئيسي في هذه المنطقة بعد أن دمرت القوات الإسرائيلية أو احتلت مساحات واسعة من شمال القطاع وشرقه، وكنت أمشي وحدي وسط حشود من الناس الذين، مثلي، بدوا حريصين على الحفاظ على عادات العيد، فما كان يجمعنا هو نفس الوجوه الشاحبة والنظرات البعيدة، وعلامات الحزن المشترك الصامتة.
في أحد متاجر الأحذية، سألت صاحب متجر شاباً عن المبيعات مقارنة بالسنوات السابقة قبل الحرب، فقال لي: “لم يعد هناك عيد في غزة، فأقل من 10% من الناس يتسوقون، كنا نكسب ما يكفي خلال العيد لسداد ديوننا وتغطية إيجار المتجر لهذا العام، ولكن الآن بالكاد نكسب ما يكفي لتوفير الطعام على المائدة”.
لم أتفاجأ من كلامه، فمعظم الناس الذين يسيرون في السوق لا يحملون أي شيء في أيديهم، وكأنهم جاؤوا فقط ليشعروا بأجواء العيد دون القدرة على شراء أي شيء، حتى أني خجلت من حذاء جديد كنت اشتريته، فتمنيت أن أتمكن من إخفاء مشترياتي عن أولئك الذين لا يستطيعون تحمل تكاليفها، وخاصة الأطفال.
فكرت في عشرات الأشخاص في الخيام على جانبي الشارع: معظمهم، إن لم يكن جميعهم، كانوا يعيشون حياة كريمة في منازلهم ويستمتعون بأوقات طيبة ويستطيعون شراء أحذية جديدة.
كنت أتساءل وأنا في طريق عودتي كيف يمكن لأي شخص أن يحتفل وهو يحمل مثل هذه الخسارة الفادحة، فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، فقدت والدتي وصديقي المفضل أحمد وأكثر من 60 شخصاً آخر من أحبائي الذين كانوا ذات يوم جزءاً من احتفالاتي بالعيد.
لقد تم تدمير العديد من المنازل التي كنت أزورها، بما في ذلك منزل أختي ومنزل أصدقائي وأقاربي، لكني أتوق للاحتفال قدر المستطاع، لأن من حقي أن أعيش حياة طبيعية!
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)







