القانون الدولي دُفن في غزة فلماذا يعود للحياة في غرينلاند؟

بقلم سمية الغنوشي

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

لقد ولجنا من دون أي مواربة عصر العربدة المفتوحة، إنه العصر الذي جرى فيه اختبار أقصى درجات العنف على الفلسطينيين في غزة، ثم جرى تعميم هذا العنف وتقبله في أماكن أخرى من العالم، وكأن ما حدث هناك لم يكن سوى بروفة أولى.

فلشهور طويلة، حذّر كثيرون من أن عدوان دولة الاحتلال المنفلت على غزة لا يشكّل جريمة بحق الفلسطينيين فحسب، بل يمثل ضربة قاتلة لجوهر الفكرة التي يقوم عليها القانون الدولي، ولم يكن السؤال عن حجم العنف وحده، بل عن معنى القواعد ذاتها ومّا إذا كانت القوانين نفسها قد بقيت قائمة؟ أم أن القوة سوف تنفلت نهائياً من أي قيد قانوني أو أخلاقي؟

غير أن تلك التحذيرات قوبلت بالاستخفاف، ووُصفت بالمبالغة، وهي في الواقع لم تكن كذلك، فقليلون عبّروا عن خطورة اللحظة بوضوح مثل الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، حين قال إن الخيار أمام العالم “قاسٍ ولا يحتمل الالتفاف”، إما الدفاع عن المبادئ القانونية التي وُجدت لمنع الحروب، أو مشاهدة النظام الدولي وهو ينهار تحت وطأة سياسة القوة المنفلتة.

وبالنسبة لمليارات البشر في الجنوب العالمي، فقد شدد بيترو، أن القانون الدولي ليس مجرد فكرة نظرية، بل درع واقٍ، وعندما يُنزع هذا الدرع، لا يبقى سوى المفترسين، وقد كان محقاً.

ذلك أن غزة لم تكن استثناءً، ولا زلة عابرة في مسار النظام الدولي، بل كانت المشهد الافتتاحي لعقيدة ظلّت تتخمّر طويلاً قبل أن تتخلى عن أي قناع أو كابح، فما جرى هناك لم يكن فقط قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بل اغتيال القانون ذاته، ومعه اغتيال قيمة الحياة البشرية.

وعلى مدى أكثر من عامين، دُهس القانون الدولي تحت الأقدام، وسُحق جنباً إلى جنب مع أجساد الأطفال والأطباء والصحفيين والمرضى الذين قُصفوا في بيوتهم ومستشفياتهم حيث تحولت الحياة الإنسانية إلى إزعاج، والشرعية إلى عائق، والأخلاق إلى عبء غير مرغوب فيه.

تمكين الجرائم

لم يحدث هذا في الخفاء، بل على مرأى ومسمع من العالم، بل إن ألمانيا سلّحت وبريطانيا برّرت وفرنسا اتخذت استراتيجية المراوحة في المنطقة الرمادية، واختار وآخرون الصمت، وسمّو ما يجري “تعقيداً” والمؤسسات التي أُنشئت لمنع هذه الجرائم إما وقفت جانباً أو ساهمت عملياً في تمكينها.

لقد أقنع العالم نفسه بأنه من الممكن انهيار القانون وبخس قيمة الإنسان وأن غزة يمكن التعامل معها كاستثناء بلا تبعات، لكن ذلك كان وهماً.

لقد كان من المقبول التضحية بالقواعد حين يّسحق الفلسطينيون تحتها، لكن هذه القواعد استعادت قداستها فجأة عندما بدت غرينلاند، أو أوروبا نفسها، عرضة للانكشاف

ثمة شيء فاضح ومشوّه في مشهد ألمانيا وأوروبا وهما تعيدان اكتشاف القانون الدولي فجأة، لمجرد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح بفكرة ضم غرينلاند. 

فالحكومات نفسها التي مزّقت المعايير القانونية لأشهر، وزوّدت دولة الاحتلال بالسلاح، وعطّلت آليات المساءلة بينما كانت غزة تُسوّى بالأرض، تتحدث اليوم بلهجة مهيبة عن السيادة والنظام وخطر القوة المنفلتة.

وبعد تسليح إبادة جماعية، وبعد مشاهدة المستشفيات تُقصف والأطفال يُدفنون بلا حساب، باتت هذه العواصم “تشدّ على لآلئها” خوفاً من انتهاك الحدود، طالما أن هذه الحدود أوروبية.

وهذا بالطبع ليس دفاعاً عن القانون الدولي، بل حنينٌ انتقائي لنسخة منه كانت تحميهم هم فقط، فالقواعد كانت بلا قيمة عندما كان الفلسطينيون ضحاياها، وأصبحت مقدسة حين اقترب الخطر من عقر الدار.

لقد شكّلت غزة اللحظة التي توقفت فيها القوة المدعومة أميركياً عن التظاهر بالالتزام بالمعايير الدولية، وبدأت تمارس الهيمنة علناً، كقوة مفروضة بالعنف الصريح، وعندما يُطبّق القانون بانتقائية، فإنه يتوقف عن كونه قانوناً، ويتحول إلى إذن مفتوح، وكان من الطبيعي أن يُستخدم هذا الإذن في أماكن أخرى لاحقاً.

تدخل بلا أقنعة

ما يجري اليوم في فنزويلا ليس تصعيداً، بل تنفيذاً، حيث أن اختطاف رئيس دولة، وقصف عاصمة ذات سيادة، ليسا أحداثاً معزولة، بل إعلاناً صريحاً عن مرحلة جديدة في السياسة العالمية، مرحلة منزوعـة الكوابح، خالية من الحرج، ولا تتكلف حتى ادعاء الشرعية.

إن تاريخ الولايات المتحدة حافل بالتدخلات العنيفة في أميركا اللاتينية والجنوب العالمي: انقلابات، غزوات، عقوبات، حروب بالوكالة، واغتيالات، وما يميّز عهد ترامب ليس كثافة التدخل، بل شكله، فالتدخل لم يعد يُغلّف بالمصطلحات الدبلوماسية، ولا يُمرّر عبر المؤسسات، بل بات معلناً، شخصياً، استعراضياً، ومن غير أعذار.

وقد كانت الإدارات السابقة تكسو التدمير بلغة الديمقراطية أو “الإنسانية”، لكن ترامب تخلى عن القناع بالكامل، فالسيطرة لا تُبرَّر، بل تُفرض.

هذا هو التعبير العملي عن الإحياء المشوّه لما يُسمّى “مبدأ مونرو” فما كان يُقدَّم ولو بنفاق كرفض للاستعمار الأوروبي، انقلب إلى رخصة مفتوحة للهيمنة الأميركية.

وفي ما يسميه منتقدون بـ “عقيدة دونرو”، لم يعد المبدأ سوى إعلان فجّ لحق مزعوم في التدخل بالقوة، والاستيلاء على الموارد، والتحكم بالممرات الاستراتيجية، والإقصاء العنيف للمنافسين.

وفنزويلا بالتأكيد كذلك ليست نهاية هذه العقيدة، بل نموذجها التطبيقي، وقد أوضح ترامب أن المسار لن يتوقف هناك، مع تلميحات صريحة إلى كوبا والمكسيك كأهداف محتملة لاحقاً.

يتجلى ذلك بوضوح في الخطة المفروضة على كاراكاس: سيطرة أميركية “غير محددة زمنياً” على مبيعات النفط الفنزويلي، إدارة العائدات عبر حسابات تخضع للولايات المتحدة، واستخدامها كأداة لفرض مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي.

لن يُسمح لفنزويلا حتى بحرية التجارة، إذ تُجبر على شراء السلع الأميركية حصراً، بغض النظر عن الكلفة أو توفر بدائل أفضل، هذا ليس دعماً، بل مصادرة.

ولم تنشأ هذه الخطة في فراغ فمنذ عام 2005، تخضع فنزويلا لعقوبات أميركية، تصاعدت بشكل حاد في 2017 خلال ولاية ترامب الأولى، لتتحول فعلياً إلى ما يشبه الحصار.

والنتيجة كانت تدميراً اقتصادياً ونزوح ما يقارب ثمانية ملايين شخص من بلد يملك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، وهذا الانهيار لم يكن صدفة، بل سياسة مدروسة، والخطة الحالية ليست انحرافاً عنها، بل ذروتها.

مقبرة القانون الدولي

إن تشابه حالة فنزويلا مع العراق صارخ، فهناك أيضاً، جرى تسليح العقوبات، وأُعيد توصيف الكارثة الإنسانية كخيار سياسي، وجاء برنامج “النفط مقابل الغذاء” التابع للأمم المتحدة بعد أن قتلت العقوبات بالفعل أكثر من نصف مليون طفل بسبب الجوع والمرض.

أما ما يُفرض اليوم على فنزويلا، فهو أكثر فجاجة: لا إشراف أممي، لا إطار متعدد الأطراف، ولا أي حرية للتجارة، والولايات المتحدة وحدها تتحكم بالنفط والعائدات وشروط البقاء.

ويمتد هذا السياق التاريخي إلى أعمق من ذلك، فما يُفرض على فنزويلا يعكس ممارسات استعمارية قديمة، من تدمير بريطانيا المنهجي لصناعة النسيج في الهند، إلى حروب الأفيون التي حوّلت الصين إلى سوق أسيرة تحت تهديد السلاح.

وحتى إمبراطوريات القرن التاسع عشر كانت تتظاهر بلغة “التمدين والتقدم”، أما ترامب فلا يبحث حتى عن هذا الغطاء، فعنده الهيمنة مبرَّرة بالقوة وحدها.

ويعلّمنا التاريخ أيضاً أن العنف الإمبراطوري في الخارج لا يظل محصوراً هناك، بل يعود إلى الداخل، فقد بدد مقتل رينيه نيكول غود برصاص أحد عناصر الهجرة والجمارك الأميركية، ثم حرمانها من العلاج، الوهم بأن هذا النظام يستهدف شعوباً بعيدة فقط.

إن تشابه هذه السلوكيات مع ممارسات جيش الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يخطئه النظر: قوة خارج القانون، إفلات كامل من العقاب، واستخدام الرعب لفرض الطاعة. 

تتشارك الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تقنيات المراقبة، وبرامج التدريب، وأدوات القمع، إلى حد بات فيه الخط الفاصل بين الاحتلال وتطبيق “القانون” الداخلي باهتاً.

ما جرى اختباره على الفلسطينيين يجري اليوم التعايش معه في أماكن أخرى، فغزة أصبحت مقبرة القانون الدولي، لا لأن القانون كان هشاً، بل لأنه دُفن عمداً: خطوة خطوة، جسداً بعد جسد، وعلى الملأ، من دون أي مساءلة.

القانون الدولي لم يمت فجأة، بل جرى تفكيكه قطعة قطعة، والذين يندبون موته اليوم هم أنفسهم من صنعوا نهايته، مثل فرانكشتاين الذي يرتعد خوفاً من الوحش الذي ركّبه بيديه، أجل هذا هو عصر العربدة المفتوحة.

كلمات، سمية الغنوشي، الولايات المتحدة، غزة، فنزويلا، النظام الدولي

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة