بقلم: د. عمر عبد المنّان
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
مع انبلاج العام الجديد، وعلى نحو متوقع، اتجهت أنظار وسائل الإعلام البريطانية ع إلى مسرح السياسة الداخلية وتحديداً نحو سجال حول قرار وزيرة الخارجية فتح مراجعة عاجلة لما سُمّي بـ “إخفاقات معلوماتية” في قضية الناشط البريطاني–المصري علاء عبد الفتاح.
تدور فصول القضية حول ادعاء مفاده أن مسؤولين كباراً لم يكونوا على علم بمنشوراته القديمة على وسائل التواصل الاجتماعي، العائدة إلى عام 2010، قبل السماح له بالاستقرار في بريطانيا، وهذا الادعاء هو مادة مثالية لعناوين مألوفة من قبيل غضب من تغريدات قديمة، إحراج للنخب، وكواليس وستمنستر التي لا تنتهي.
وعند النظر إلى الأمر بمعزل عن سياقه الأوسع، فإنه قد يبدو مجرد مسرحية بيروقراطية، موظفون تفاجؤوا، وزراء في موقع دفاعي، وصحفيون يلاحقون سبقاً صحفياً.
لكن ما إن نوسّع زاوية الرؤية بعيداً عن العناوين الصاخبة ودورة الأخبار على مدار الساعة حتى يبدو المشهد مثالاً صارخاً لما وصفه نعوم تشومسكي بـ “صناعة القبول” أي تحويل انتباه الجمهور إلى تفاصيل إجرائية هامشية، فيما يجري التعتيم على عنف ومعاناة أشدّ اتساعاً وعمقاً.
فبينما تنشغل وسائل الإعلام البريطانية بالتغريدات القديمة والمذكرات الداخلية، تمضي دولة الاحتلال في خطوات أكثر خطورة، حظر أو تعليق عمل 37 منظمة إنسانية دولية كبرى من بينها منظمات عالمية معروفة مثل أطباء بلا حدود وأوكسفام وكير ووورلد فيجن والمجلس النرويجي للاجئين.
لقد شمل القرار منع جميع تلك الجهات وغيرها من العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة ما لم تمتثل لشروط جديدة بالغة التعقيد يرى فيها منتقدو القرار قواعد ستشلّ فعلياً وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وهي منطقة منهكة أصلاً بفعل سنوات من العدوان.
هذا ليس تعديلاً تقنياً أو إجراءً إدارياً عابراً، إنه قرار سياسي ذو تبعات إنسانية كارثية، ذلك أن الكثير من هذه المنظمات يقدّم خدمات أساسية من قبيل رعاية طبية، توزيع غذاء، دعم للمياه والصرف الصحي، في منطقة عانى سكانها أشهراً طويلة من القصف والحصار وانهيار البنية التحتية.
ومع أمطار الشتاء والبرد القارس، لا يعني قطع هذه الشرايين الإنسانية مجرد إزعاج عابر بل تهديد مباشر للحياة.
إدانة دولية وتجاهل إعلامي
إن المتطلبات الجديدة التي تفرضها دولة الاحتلال على المنظمات غير الحكومية، بما في ذلك الكشف الواسع عن بيانات العاملين، بالغة الصرامة إلى حدّ أن كثيراً من وكالات الإغاثة حذّرت من استحالة الالتزام بها من دون تعريض موظفيها للخطر أو انتهاك التزامات حماية البيانات.
ورغم الإدانات الدولية الواسعة الصادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ووزراء خارجية كُثر، والدعوات الصريحة إلى ضمان وصول إنساني غير مقيّد، ظلّ هذا التطور في الإعلام البريطاني هامشياً، بالكاد يُذكر في هوامش التغطية.
أوقفوا برامج النقاش التلفزيونية للحظة، وتأمّلوا ما يجري في غزة الآن، قطاع محطّم بفعل اعتداءات متكررة وحصار خانق، يواجه اليوم قيوداً متزايدة على المساعدات الإنسانية، في وقت تفاقم فيه العواصف الشتوية المعاناة، حيث انهارت أنظمة الصرف الصحي.
واليوم، تكتب القصة الحقيقية في المستشفيات المدمّرة، وقوافل الإغاثة المقطوعة، والملاجئ الغارقة بالمياه، والخيام المتجمّدة، وفي عيون العائلات التي تعرف معنى الحرب والجوع والفقد.
لقد بات أطفال نجوا من الحصار والقصف مهددين الآن بأمراض تنفسية وسوء تغذية وأوبئة، إنها أخطار قد تقتل ببطء أشد من القنابل، لكنها لا تقل وحشية عنها، وهناك عائلات تحاول الاحتماء من البرد في خيام بلا تدفئة، تعتمد على مساعدات تتناقص يوماً بعد يوم، وتشاهد المنظمات التي كانت سندها تُجبر على المغادرة.
في هذا السياق، هل حقاً تُعدّ قضية علاء عبد الفتاح “الخبر الأهم”؟ أم أنها رُفعت عن وعي أو غير وعي لتمتص الأكسجين العام الذي ينبغي أن يُكرّس للكشف عن كارثة إنسانية متواصلة تجري على مرأى العالم؟
هذا النمط مألوف، فلطالما عانت وسائل الإعلام الغربية من قصر نظر تحريري، إنها لا تُرتَّب الأولويات وفق حجم الضرر الإنساني، بل بحسب القرب الجغرافي، والمسرح السياسي، وسهولة صياغة رواية مريحة تُغذّي في كثير من الأحيان العداء للمسلمين الفارين من الاضطهاد.
إن الخوض في سجال وزاري حول تاريخ تغريدات ناشط هي لقمة سائغة مألوفة وقابلة للتداول حتى وإن كانت بلا صلة تُذكر بمعاناة بشرية جارية، في المقابل، يُزاح إخراج عمال الإغاثة من إحدى أشد الأزمات الإنسانية حدة في العالم إلى الهوامش، في بضعة فقرات يتيمة.
تحويل البوصلة
لا مجال للالتباس، فتعليق عمل هذه المنظمات ليس نزاعاً إدارياً مجرداً، إنه سياسة ستقلّص تدفّق الغذاء والدواء والمأوى والخدمات الأساسية إلى أناس فقدوا كل شيء تقريباً.
ويأتي هذا الحظر في سياق قيود أخرى من بينها تلك المفروضة على “الأونروا”، المزود الرئيسي للخدمات للاجئين الفلسطينيين ما أسهم مسبقاً في إضعاف بنى حيوية لا غنى عنها.
وفي وستمنستر، يستمر الجدل حول التسريبات والتغريدات ومن كان يعلم ماذا ومتى، وكأن ستاراً من الضباب يُسدل عمداً، لا على غزة فحسب، بل على الأسباب البنيوية التي أوصلتها إلى هذا الحال: عقود من الاحتلال والحصار والاعتداءات المتكررة التي دمّرت الحجر والبشر، في ظل نظام دولي بات يطبع مع الحرمان بدلاً من مواجهته.
المشكلة ليست في وجود قصة علاء عبد الفتاح بحد ذاتها، المشكلة أنها جرى تضخيمها على حساب التغطية الجادة، والتدقيق، والانخراط المستدام مع الكارثة الإنسانية المستمرة في غزة.
هكذا يُوجَّه الانتباه الجمعي نحو ما هو مريح ومحلي الإطار، بعيداً عما هو مزعج، ومعقّد، ومناقض لخيارات السياسات الغربية.
وغزة ليست قصة بعيدة عن عالمنا، إنها شهادة حيّة على ما يحدث حين تُترك القوة بلا مساءلة، وحين تُحجب كلفتها البشرية عن التغطية المستحقة.
إن تجاهل ما يجري في غزة يرقى إلى تواطؤ مع هذه الفظائع المتواصلة، التي تستحق أكثر بكثير من تغطية متقطعة تُزاحمها أحاديث وستمنستر الهامشية.
وإذا أرادت وسائل الإعلام الغربية أن تُخبر لا أن تُلهي، وأن تُحاسب لا أن تُرضي، وأن تشهد لا أن تكتفي بعرض المشهد، فعليها أن تعيد توجيه بوصلتها نحو الكارثة الواضحة التي تتكشف في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
القصة الحقيقية اليوم ليست في تغريدة قديمة، بل في مستشفيات محطّمة، وقوافل إغاثة مقطوعة، وملاجئ غارقة، وخيام متجمّدة، وعيون عائلات تعرف الحرب والجوع والفقد، تلك القصص أَولى بالانتباه، وأشد أثراً، من أي سجال حول منشورات منسية.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







