الملف النووي ذريعة… كيف تقود حرب إيران إلى فوضى إقليمية؟

بقلم عبد القادر عبد الرحمن
ترجمة وتحرير نجاح خاطر

أشعل الهجوم المشترك الذي شنّته الولايات المتحدة ودولة الاحتلال على إيران حالة من الفوضى وعدم الاستقرار لن تتمكن واشنطن ولا تل أبيب من السيطرة عليها، ففي تحدٍ واضح للقانون الدولي، ومع تقديم مصالحهما الخاصة على مصالح شعوب المنطقة، تزعم الدولتان أن دافعهما وراء هذه الحرب هو ضرورة وقف البرنامج النووي الإيراني.

لكن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، ذلك أن من شأن امتلاك إيران لقدرة نووية أن يشكّل توازناً مع الهيمنة العسكرية الأميركية وهيمنة الاحتلال في المنطقة، وأن يمنح دول الجنوب العالمي صوتاً أقوى داخل الأمم المتحدة، وهو احتمال لا يمكن لواشنطن وتل أبيب قبوله.

لقد انهار المبرر الذي سيق لتبرير الهجوم المشترك على إيران بسرعة كبيرة، فقد أكد وسطاء عُمان أن إيران كانت مستعدة لقبول قيود صارمة للغاية على برنامجها النووي، إلى درجة أنها لن تمتلك أبداً ما يكفي من المواد اللازمة لصنع قنبلة نووية.

وقال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في مقابلة مع شبكة سي بي إس نيوز إن مخزونات إيران الحالية من اليورانيوم المخصّب كانت ستُخفّض إلى “أدنى مستوى ممكن”، ثم تُحوّل إلى وقود نووي في خطوة ستكون “غير قابلة للعكس”.

كما كانت إيران مستعدة لمنح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية “وصولاً كاملاً” إلى منشآتها النووية للتحقق من تنفيذ الاتفاق، بحسب ما قاله البوسعيدي.

“خطأ تاريخي”

ومن الجدير بالذكر أن الاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015 بين طهران والقوى العالمية كان يهدف أساساً إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحب من هذا الاتفاق بشكل أحادي عام 2018.

ويرجح أن يكون رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد لعب دوراً أساسياً في إقناع ترامب باتخاذ هذا القرار، إذ كان قد وصف الاتفاق النووي آنذاك بأنه “خطأ تاريخي”.

ومن المهم أيضاً النظر إلى الدوافع الأخرى التي تقف وراء الصراع الحالي وعلى رأسها حقيقة أن واشنطن لطالما أرادت أن تكون إيران إحدى الدول التابعة لها في الشرق الأوسط.

ففي عام 1953، دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا انقلاباً أطاح برئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدق، الذي اعتُبر قريباً أكثر من اللازم من الاتحاد السوفييتي. 

وقد أدى هذا الانقلاب إلى ترسيخ حكم الشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من الغرب، والذي استمر في السلطة حتى الثورة الإيرانية عام 1979.

كان الشاه حليفاً مثالياً للولايات المتحدة ودولة الاحتلال: مطيعاً وحامياً للمصالح الغربية في المنطقة، غير أن فرضه على البلاد أدى إلى تراكم غضب عميق لدى الشعب الإيراني، وهو ما انفجر لاحقاً في الثورة قبل 47 عاماً.

وقد أدت الثورة إلى انقلاب جذري في السياسة الخارجية الإيرانية، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقتها مع واشنطن وتل أبيب.

ولا شك أن الهجوم الدراماتيكي على السفارة الأميركية في طهران في نوفمبر/تشرين الثاني 1979، واحتجاز عشرات الأميركيين رهائن حتى إطلاق سراحهم في يناير/كانون الثاني 1981، ما يزال حاضراً في أذهان ترامب ومستشاريه اليوم، إذ يبدو أنهم يسعون إلى الانتقام من تلك الإهانة التي تعود إلى عقود مضت.

وبعيداً عن عدائهم العميق للقيادة الإيرانية الحالية، هناك دافع آخر رئيسي للصراع يتمثل في احتياطيات إيران النفطية الهائلة، ثالث أكبر احتياطي في العالم. 

فالسيطرة على هذه الموارد ستتيح أيضاً لمحور الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تقليص دور الصين بشكل متزايد في المنطقة.

الحلقة الأضعف

في الواقع، تمثل الصين وروسيا عاملين أساسيين آخرين في الحملة الجارية ضد إيران، فمع كوريا الشمالية، تشكّل هذه الدول ما تصفه واشنطن وحلفاؤها بـ “محور الشر” الجديد الذي ينبغي تفكيكه.

تتعاون الصين بشكل وثيق مع إيران، إذ أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، كما زودت طهران بطائرات مسيّرة هجومية، وفق ما أفاد به موقع ميدل إيست آي.

ومن جانبها، زودت إيران روسيا بطائرات مسيّرة في حربها الجارية في أوكرانيا، وهو أمر يثير قلقاً بالغاً لدى الدول الغربية.

لكن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال تدركان أن مهاجمة الصين أو روسيا مباشرة سيكون أمراً بالغ الخطورة ومزعزعاً للاستقرار، ولذلك اختارتا استهداف هذا المحور عبر حلقته الأضعف وهي إيران بما يسمح بإضعاف هذا التحالف الثلاثي بتكلفة مالية وعسكرية أقل.

وفي سياق مشابه، وقبل اختطاف القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كانت بكين أحد أكبر المشترين للنفط الفنزويلي.

لكن الصين استُبعدت لاحقاً من هذه المعادلة بعد أن أجبر ترامب كاراكاس على التقارب مع واشنطن، وتسير خطة ترامب لوقف صادرات النفط الإيراني إلى الصين على النهج نفسه.

أما بالنسبة لدولة الاحتلال، فإن إضعاف إيران وتحقيق تغيير في نظام الحكم فيها يشكلان محوراً أساسياً في استراتيجيتها الرامية إلى البقاء القوة العسكرية الإقليمية الوحيدة في المنطقة.

كما يتضمن هذا المخطط الحفاظ على دول الخليج العربية كشركاء مقربين إن لم يكونوا حلفاء مباشرين.

ومرة أخرى، تسعى دولة الاحتلال والولايات المتحدة إلى فرض هيمنة جيوسياسية واقتصادية على حساب شعوب المنطقة

ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية قصيرة النظر، القائمة على الانتقام وسوء التقدير، لا يمكن أن تقود إلا إلى كارثة أكبر لإيران وللمنطقة بأسرها.

ويقدّم العراق مثالاً واضحاً على ذلك، فبعد أكثر من عقدين على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، ما يزال البلد يعاني من عدم الاستقرار، وما يزال شعبه يحاول التعافي من جراح عميقة وطويلة الأمد.

أما فيما يتعلق بإيران، فإن التاريخ يثبت أن الاعتقاد بأن حضارة تمتد لآلاف السنين ستخضع إلى الأبد للضغوط الخارجية هو خطأ فادح، فردة الفعل ستكون مؤلمة، وسيكون الثمن الذي سيدفعه الجيل القادم باهظاً.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة