بقلم أندرو هاموند
ترجمة وتحرير موقع بالعربية
لسنوات عديدة، بقي الصراع السعودي-الإماراتي على اليمن يغلي على نار هادئة، لكن التحالف الآخذ في التشكل بين دولة الاحتلال والإمارات، وسياساتهما الهادفة إلى إضعاف القوى الإقليمية التقليدية الكبرى، هو ما دفع الرياض إلى اتخاذ موقف أكثر صلابة وحسماً على خلاف ما دأبت عليه.
قبل أكثر من عقد، وصف القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية، جيمس ماتيس، أبوظبي بأنها “إسبرطة الصغيرة”، في إشارة إلى دولة صغيرة الحجم لكنها تمارس نفوذاً عسكرياً يفوق وزنها.
ومن إيران مرورا بالحركات الإسلامية السياسية، إلى الاعتماد على الولايات المتحدة جمعت الهواجس المشتركة أبو ظبي مع تل أبيب ليتقاطع مسارهما في اتفاقيات أبراهام عام 2020، تحت رعاية إدارة دونالد ترامب الأولى.
بعد وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عام 2004، اتجهت الإمارات في مسار مغاير تماماً لنهجه الذي كان يقوم على الإجماع العربي والبحث عن التوافق.
وقد قاد هذا التحول نجله محمد بن زايد، الذي كان الحاكم الفعلي من خلف الستار في عهد والده قبل أن يتولى رسمياً رئاسة الدولة عام 2022.
ولم تكن العسكرة التي أشار إليها ماتيس على شاكلة القبضة الحديدية العارية التي يمارسها جيش الاحتلال، بل كانت عسكرة عبر الوكلاء، تُشترى بالثروة النفطية الهائلة، من دون اكتراث يُذكر بالرأي العام.
وقد ساهمت سياسة جعل المواطنين الإماراتيين لا يشكلون سوى نحو 10% من سكان البلاد، الذين يزيد عددهم على 11 مليون نسمة، في تحييد أي معارضة داخلية ذات وزن.
غير أن انتفاضات الربيع العربي بثّت القلق في أوساط الأسرة الحاكمة، إذ ظهرت حتى ضمن القاعدة الوطنية المحدودة أصوات تطالب بدور في الحكم.
واعتُبر مثقفون إسلاميون مرتبطون بجماعة الإخوان المسلمين، كانوا حاضرين في مؤسسات الدولة منذ الاستقلال عن بريطانيا، المحرّضين الرئيسيين الذين “أفسدوا” الناس بأفكار تتجاوز ما هو مسموح لهم به.
على إثر ذلك، دخلت الإمارات في شراكة وثيقة مع السعودية لمواجهة صعود القوى الإسلامية المنتخبة في المنطقة.
تمتد هذه القوى من مصر إلى ليبيا وحتى تركيا وقد حظيت جميعاً بأشكال مختلفة من الدعم من تركيا وقطر، إذا ما أُخذت بالاعتبار الشبهات التركية حول دور إماراتي في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
وبالنسبة لأبوظبي، كما بالنسبة لدولة الاحتلال، شكّلت حرب غزة فرصة مواتية لإنهاء نفوذ حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين.
وكما قال المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش في أكتوبر/تشرين الأول: “إن الرؤى المتشددة حول القضية الفلسطينية لم تعد صالحة”.
غير أن هذا الطرح يظل غامضاً، خصوصاً في ظل توافق حماس وفصائل فلسطينية رئيسية أخرى على حل الدولتين، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة “التنازلات” المطلوبة فعلياً.
التدخل العسكري
في اليمن، كانت السعودية هي من دعت الإمارات للمشاركة في التدخل العسكري لإزاحة حركة أنصار الله (الحوثيين) عن السلطة في صنعاء، بعد أن أطاحت الحركة بالحكومة المدعومة من مجلس التعاون الخليجي عام 2014.
وقد دفعت مخاوف الرياض من تحوّل الحوثيين إلى قوة شبيهة بـ “حزب الله” على حدودها، وبدعم إيراني، إلى مواصلة دعم حزب الإصلاح الإسلامي.
لم يكن أمام الرياض خيار كبير سوى الاستعانة بأبوظبي، بعدما رفضت مصر وباكستان ودول أخرى إرسال قوات إلى حرب توقع كثيرون أن تتحول إلى مستنقع، وافقت الإمارات، لكن سذاجة السعودية في تقدير نوايا شريكها كانت لافتة.
إذ سرعان ما تبيّن أن اهتمام أبوظبي لا ينصب على هزيمة الحوثيين بقدر ما يتركز على ترسيخ نفوذها في جنوب اليمن عبر شبكة من الوكلاء.
فبدعم إماراتي، تأسست “ألوية العمالقة” عام 2015، ثم “المجلس الانتقالي الجنوبي” عام 2017، ولاحقاً “قوات المقاومة الوطنية”، وقد منحت هذه الترتيبات أبوظبي نفوذاً مباشراً على موانئ حيوية وعلى مضيق باب المندب الاستراتيجي.
كما استعانت كل من الإمارات والسعودية بمقاتلين من قوات الدعم السريع السودانية، إلا أن أبوظبي مضت أبعد بكثير في هذه العلاقة، إلى حد اتهامها بدعم هذه القوات في حربها ضد الحكومة السودانية، رغم ما ارتكبته من فظائع موثقة.
وفي السياق ذاته، تعاونت الإمارات مع دولة الاحتلال في اليمن، عبر إنشاء قواعد عسكرية وأنظمة رادار وبنى تحتية للمراقبة على جزر استراتيجية مثل سقطرى وبريم وعبد الكوري وزقر،وهي ترتيبات موثقة جيداً، وإن كان من نادراً ما يُسلَّط عليها الضوء.
وقد جاء اعتراف دولة الاحتلال مؤخراً بـ “صوماليلاند”، جمهورية أرض الصومال، تتويجاً طبيعياً لهذا المسار، في ظل استثمار الإمارات في الإقليم الانفصالي عبر شق الطرق وبناء ميناء بربرة وتطوير مطار هرجيسا وإنشاء قاعدة عسكرية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على موقف رسمي داعم لحكومة مقديشو.
أما تركيا، الداعم الإقليمي الأبرز للحركات الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين، فهي تمتلك بدورها حضوراً عسكرياً وتجارياً في القرن الأفريقي، مع استثمارات كبيرة في الصومال والسودان وجيبوتي وإثيوبيا.
وفي جنوب اليمن، فقد نسجت أبوظبي “إمارتها غير المعلنة” بالطريقة ذاتها، مع إبقاء غطاء شكلي لدعم الجمهورية اليمنية وحكومتها المنفية.
تدعم الإمارات ثلاثة أعضاء على الأقل في مجلس القيادة الرئاسي وهم عيدروس الزبيدي وعبدالرحمن المحرمي وفرج البحسني، اثنان منهم قياديان في المجلس الانتقالي، ويُظهر هذا الدعم كيف أدى ذلك عملياً إلى شلّ المجلس.
الرياض تفقد زمام المبادرة
يعرف عيدروس الزبيدي جيداً نص السيناريو، فإذا أراد تحقيق انفصال الجنوب، فهو بحاجة إلى دعم الإمارات ودولة الاحتلال لتجاوز الشكوك الأميركية حيال تقسيم بلد يُنظر إليه أصلاً باعتباره عبئاً لا يستحق مزيداً من الاستثمار السياسي.
وخلال العام الماضي، روّج الزبيدي لفكرة أن اليمن لم يعد يضم سوى قوتين فعليتين: الحوثيون في الشمال والمجلس الانتقالي في الجنوب.
ويقدّم الاعتراف بالجنوب كطريق مختصر لتحقيق “الاستقرار” وفق المعايير الغربية، مع تعميق عزلة الحوثيين المدعومين من إيران، والذين تخشى واشنطن تقاربهم المتزايد مع الصين وروسيا.
وعلى هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، كان الزبيدي واضحاً حين أعلن أن المجلس الانتقالي يضع خططاً لانضمام دولته المستقبلية إلى اتفاقيات أبراهام.
ومنذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، باتت الرياض ترى في السلام مع الحوثيين الخيار الأمثل لحماية مصالحها، لا سيما في ظل مشاريع عملاقة بقيمة 1.25 تريليون دولار من المقرر إطلاقها خلال العقد المقبل، مع انتقال المملكة من العزلة المحافظة إلى اقتصاد السياحة والانفتاح.
وقد أتاح وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر/تشرين الأول للرياض استئناف محادثاتها بهدوء مع الحوثيين، بعد أن جُمّدت عقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وكان إفشال هذه المحادثات هدفاً رئيسياً لتحالف المجلس الانتقالي-الإمارات، لأن ما كان يُفترض أن يلي اتفاقاً سعودياً-حوثياً هو حوار يمني-يمني جديد حول تقاسم العائدات، بما في ذلك النفط والغاز في الجنوب.
وها قد تحرّك المجلس الانتقالي الآن، وهو يترقّب فرصته للسيطرة العسكرية على حضرموت والمهرة، خشية أن تؤدي مساعٍ سعودية-عُمانية لدعم نزعة انفصالية حضرمية ناشئة إلى تقويض مشروعه الجنوبي.
وقد عززت السعودية وجودها في المهرة عبر مليشيا “درع الوطن” خلال العام الماضي.
في المحصلة، يبدو أن الهدف الأوسع لأبوظبي هو العمل جنباً إلى جنب مع دولة الاحتلال لإضعاف القوى الإقليمية الكبرى مثل السعودية وتركيا وإيران وتفكيك النظام الإقليمي، باعتبار ذلك السبيل الأمثل لبقاء كيانين سياسيين متمرّدين على حالهما الراهن، ومقاومة أي ضغوط جدية للتغيير.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







