بقلم براء ميكائيل
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
يشكل سقوط نظام الأسد لحظة محورية بالنسبة لسوريا، فهو يبشر بعصر من الفرص التي يعتري عدم اليقين تحققها، حيث استقبل السوريون نهاية الحكم الاستبدادي الذي دام عقوداً من الزمن بارتياح واحتفال، ولكن الطريق أمامنا مليء بالمخاطر التي قد تزعزع استقرار البلاد والمنطقة على نطاق أوسع.
فبدءاً من الانقسامات الطائفية الداخلية وهيمنة الميليشيات، وصولاً إلى التحالفات الإقليمية المتغيرة وأدوار اللاعبين العالميين مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا، تتطلب تحديات انتقال الحكم في سوريا اهتماماً عاجلاً وحكيماً.
صحيح أن سقوط الرئيس السابق بشار الأسد يجلب الأمل للمجتمع السوري المجزأ، إلا أنه يحمل في ذات الوقت مخاطر هائلة حيث تشكل التوترات الطائفية مصدر قلق رئيسي رغم أنها قد لا تتحقق بالضرورة، حيث يجب على هيئة تحرير الشام، التي أطاحت بالأسد بالشراكة مع قوات مدعومة من تركيا مثل الجيش الوطني السوري، أن تحكم الآن مجتمعاً متعدد الطوائف.
ويزيد المشهد العسكري المجزأ في سوريا من تعقيد الاستقرار، بعدما أدت سنوات من الصراع وغارات الاحتلال إلى إضعاف الجيش السوري، فيما يعتمد جزء كبير من السكان على الميليشيات المحلية من الفصائل الدرزية في السويداء إلى القوات الكردية في روجافا والتي تسيطر على مناطق شاسعة، لكن كلاً منها يسعى إلى تحقيق أجندة خاصة به.
إن وجود مجموعات مدعومة من تركيا والولايات المتحدة يزيد من التعقيد، فهو يضعف وبشكل كبير إمكانية إعادة تأسيس جيش وطني موحد، كما أدت غارات الاحتلال المستمرة إلى تدهور القدرة العسكرية السورية، بما يتماشى مع الهدف الاستراتيجي لتل أبيب المتمثل في نزع سلاح سوريا ما بعد الأسد، وأعاقت الهدوء على المدى الطويل.
التنافس على النفوذ
قد يبدو نظام الحكم الفيدرالي على المستوى الوطني، مع توزيع السلطة بين المجتمعات الدينية والعرقية، قابلاً للتطبيق، لكن هناك العديد من التحديات التي تواجهه، فالحكم الذاتي الكردي في الشمال يقدم نموذجاً، ولكن توسيعه ليشمل مجموعات أخرى مثل الدروز، أو العلويين، أو المسيحيين يثير تحديات مهمة عندما يتعلق الأمر بالتعايش وتقاسم الموارد بشكل عادل.
وفي غياب أطر قوية لتقاسم السلطة، فإن الفيدرالية من شأنها أن تخاطر بتعزيز إنشاء جيوب طائفية، مما يزيد من تفتت البلاد، ويرفع المخاطرة بأن يتم تحديد مسار سوريا من قبل قوى خارجية وليس من قبل شعبها
سوف يتشكل مستقبل سوريا أيضاً من قبل جهات فاعلة داخلية وخارجية، إذ أن تركيا والولايات المتحدة وروسيا تتنافس على النفوذ، ولكل منها أهداف متضاربة هناك، فدعم تركيا للميليشيات ومعارضتها للطموحات الكردية يعيق التماسك، أما انحسار الدور الإيراني وتراجع النفوذ الروسي فيخلقان فراغاً يمكن لقوى أخرى أن تشغله.
وفي الوقت نفسه، يسلط صعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة الضوء على تحديات الحكم التي ستسود في سوريا ما بعد الأسد، لقد قوبل سقوط النظام باحتفاء واسع النطاق في البلاد، ولكن هيئة تحرير الشام يجب أن تثبت الآن قدرتها على اتخاذ موقف مسؤول وقيادة شاملة.
ومن المرجح أن تعكس الانتخابات، إذا ما عقدت، الانقسامات الطائفية والمذهبية العميقة في سوريا، وقد تعمل الحكومة التمثيلية على استقرار البلاد، لكن هذه النتيجة أصبحت غير مؤكدة للغاية بسبب وجود أجندات طائفية.
التحالفات المتغيرة
ستؤثر التحالفات المتغيرة أيضًا على مسار سوريا، ومن المرجح أن تعزز القيادة الجديدة للبلاد علاقاتها مع تركيا وقطر، وهما داعمان منذ فترة طويلة لمجموعات ذات ميول أيديولوجية مماثلة لجماعة الإخوان المسلمين، وإن كان ذلك مع بعض الفروق الدقيقة.
ومع ذلك، لا يستبعد هذا التحالف إمكانية تعامل القيادة السورية الجديدة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، على الرغم من مواقفهما المناهضة للإخوان المسلمين، إن إيجاد التوازن الصحيح بين هذه العلاقات المتنافسة سيكون أمرًا بالغ الأهمية لإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي.
وتشكل علاقة سوريا بإسرائيل قضية أخرى مهمة وحساسة، والآن بعد أن نأت دمشق بنفسها عن “محور المقاومة” الذي تقوده إيران وتدعمه روسيا، فمن المرجح أن تواجه ضغوطاً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل في الأمد البعيد، ولكن النتيجة سوف تعتمد على ديناميكيات جيوسياسية أوسع نطاقاً، بما في ذلك أدوار الولايات المتحدة وروسيا، وأولويات القوى الإقليمية.
أما رد الاتحاد الأوروبي على سقوط الأسد فيكشف عن كفاحه الذي لا ينتهي للعمل كلاعب جيوسياسي موحد وقوي، فقد أدان بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي أدوار روسيا وإيران، في حين افتقرت بيانات الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى التأثير العملي.
لقد سعى جوزيب بوريل رئيس السياسة الخارجية السابق للاتحاد الأوروبي في الماضي إلى تضخيم صوت الكتلة الأوروبية، لكن التنفيذ غالباً ما كان عاجزاً، والآن تملك المفوضية الأوروبية القادمة فرصة لتغيير المسار، لكنها لا تزال غير متأكدة من مدى أهمية تقدمها.
سياسات غير كافية
ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يجد طرقاً إيجابية للمشاركة في أمور مثل قضية اللاجئين السوريين، ولكن العديد من الدول الأعضاء فرضت بالفعل قيودًا على الوافدين الجدد، أو تفكر في إعادتهم إلى أوطانهم، على الرغم من عدم الاستقرار المستمر في سوريا ومخاطر المزيد من النزوح.
ويتناقض هذا الموقف بوضوح مع مبادئ التضامن وحقوق الإنسان المعلنة من قبل الاتحاد الأوروبي، مما يضر بمصداقيته في المنطقة، وعلى النقيض من ذلك، فإن سياسة اللاجئين المبدئية، جنبًا إلى جنب مع استراتيجية الاستثمار لإعادة الإعمار، من شأنها أن تساعد الاتحاد الأوروبي على ترسيخ نفسه كجهة فاعلة موثوقة في تعافي سوريا ومستقبلها.
وفي الوقت نفسه، تواجه فرنسا، التي كانت ذات يوم مؤيدة قوية لقوى المعارضة السورية، عواقب سياساتها الضيقة في الماضي، ففي عهد فرانسوا هولاند، اختارت فرنسا دعم كل من القوات الكردية وبعض جماعات المعارضة التي تضم عناصر متطرفة، لكن هذه الاستراتيجية لم تخدم نفوذها.
ولم يكن للخطاب القوي الأخير للرئيس إيمانويل ماكرون ضد نظام الأسد المخلوع تأثير يذكر، حيث طغت على فرنسا جهات فاعلة أكثر هيمنة، مثل الولايات المتحدة وتركيا.
وإذا أرادت فرنسا استعادة مكانتها، فلابد وأن تنسق جهودها الدبلوماسية مع المساهمات الواضحة في مجالات مثل إعادة الإعمار، والمساعدات الإنسانية، أو حتى الوساطة، وحتى مع مثل هذه الجهود، فمن غير المرجح أن تكون لاعباً محورياً في تشكيل مستقبل سوريا، بسبب تراجع مكانتها في المنطقة وخارجها.
يواجه كل من الاتحاد الأوروبي وفرنسا لحظة حرجة، ولكن لا يزال من غير الواضح كيف سيستجيبان، حيث يواجهان احتمال أن يصبحا غير ذوي مكانه بالنسبة لسوريا واحتياجاتها للتعافي والاستقرار الإقليمي، ومن شأن الاستراتيجية المنسقة التي تجمع بين المبادئ والسياسات المناسبة والعمل البراغماتي أن تفيدهما بشكل كبير، وبدون مثل هذه الجهود، فإن القوى الإقليمية والعالمية المتنافسة سوف تعزز قبضتها على مستقبل سوريا.
بالمحصلة، فإن سقوط الأسد يقدم لحظة من الأمل والخطر، وسوف تحدد الخيارات التي يتخذها قادة سوريا وشعبها والمجتمع الدولي الآن ما إذا كان هذا التحول الهش سيؤدي إلى الوحدة والتعافي، أو سيعمق الانقسامات التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، ولا يمكن للمخاطر أن تكون أعلى من ذلك.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)