بعد الطاقة… مخاوف في الخليج من نقص المياه وارتفاع أسعار الغذاء

لقد توقفت دول الخليج بالفعل عن إنتاج النفط والغاز نتيجة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ولكن التهديد لم يقتصر على البنية التحتية للطاقة، بل أصبح الغذاء والماء في الخليج مهدداً أيضاً.

توجد أكثر من 400 محطة لتحلية المياه على طول الخليج العربي، حيث يتم استخدامها للحفاظ على استمرارية الصناعة والحفاظ على ملاعب الجولف خضراء، والأهم من ذلك، إرواء عطش سكان المنطقة.

في حديثه لميدل إيست آي، أكد رئيس قسم الشرق الأوسط في معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، محمد محمود: “سوف نشهد أمراً مدمراً للغاية لو بدأت إيران في مهاجمة تلك المنشآت، فهذه البنية التحتية تمثل نقطة ضعف كبيرة منتشرة على طول الساحل”.

تعتمد دول الخليج على النقل الجوي في معظم وارداتها الغذائية، حيث يشير بعض المعلقين إلى أن دول الخليج طورت قطاعات زراعية قوية،  فعلى سبيل المثال، تعد الإمارات والسعودية من المراكز الإقليمية الرئيسية لمنتجات الألبان، لكن أبقارهم تعتمد على المواد الأولية المستوردة، فالإمارات مستهلك كبير للبرسيم من ولاية أريزونا

تجدر الإشارة أنه كان لدى بعض دول الخليج، مثل السعودية، كميات كبيرة من المياه العذبة تحت الأرض، لكنها استنفدت مع تحول اقتصاداتها من المجتمعات البدوية والتجارية الصغيرة إلى الاقتصادات العالمية الكبرى ووجهات المغتربين، ولذلك بدأت محطات تحلية المياه في الظهور في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وازدهرت منذ ذلك الحين.

وتمثل منطقة الخليج نحو 60% من القدرة العالمية على تحلية المياه، لكن الأرقام تكون أكثر وضوحاً عندما يتم فحص الدول بشكل فردي، ففي الإمارات، يأتي 42% من مياه الشرب من محطات تحلية المياه وفي الكويت تصل إلى 90% وفي عمان 86% وفي السعودية 70%.

في حديثه لميدل إيست آي، أوضح أحد المحللين الخليجيين، الذي يعمل على التقاطع بين الجغرافيا السياسية والأمن الغذائي في المنطقة، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، بأن بعض الدول قامت ببناء مخزونات استراتيجية، لكن في الدول الصغيرة مثل قطر والبحرين، يمكن استنفاد هذه المخزونات في غضون أيام إذا تم تدمير محطات تحلية المياه لديها.

وقال المحلل: “لا يمكنك أن تتخيل مدى استهلاك هذه الاقتصادات للمياه بكثافة، خاصة مع دخول فصلي الربيع والصيف، فهم ليس لديهم خطة إذا تم استهداف تلك المنشآت”.

صناعة خليجية “تستهلك كميات كبيرة من المياه”

في برقية مسربة عام 2008، ورد فيها نقلاً عن السفارة الأمريكية في السعودية، بأن محطة تحلية المياه في الجبيل وحدها تزود الرياض بأكثر من 90% من احتياجاتها من مياه الشرب، فرغم تنوع منطقة الخليج من خلال بناء المزيد من المصانع على مدى السنوات العشرين الماضية، إلا أنها لا تزال تعتمد على تلك المرافق. 

“يتم استيراد ما يصل إلى 80% إلى 90% من المواد الغذائية في بعض دول الخليج، حيث يعتمد نموذجها الاقتصادي بأكمله على الواردات، وسوف يؤدي إغلاق ممرات الشحن والموانئ إلى تعطيل ذلك” – كريستيان هندرسون- الباحث في الاقتصاد السياسي والأمن الغذائي في الشرق الأوسط من جامعة ليدن

من جهة أخرى، تتطلب مصافي البتروكيماويات ومنشآت الإنتاج في دول الخليج كميات هائلة من المياه العذبة، حيث قال محمود لموقع ميدل إيست آي: “أهم استخدام المياه هو للاستهلاك البشري، أي مياه الشرب، ومع ذلك يظل هذا الاستخدام الأصغر مقارنة بالاستخدام الصناعي والزراعي، فالصناعات في منطقة الخليج تستهلك كميات كبيرة من المياه”.

ويؤكد الخبراء أن حقيقة عدم استهداف محطات تحلية المياه في الخليج تظهر أن الجمهورية الإسلامية تعمل بضبط النفس، فمع تقدم الحرب، أصبح من الواضح أن إيران عملت على استهداف متطور منشآت الرادار الأمريكية والمجمعات الدبلوماسية والبنية التحتية للطاقة.

في حديثه لميدل إيست آي، أوضح الباحث في الاقتصاد السياسي والأمن الغذائي في الشرق الأوسط من جامعة ليدن، كريستيان هندرسون: “في الوقت الحالي، يبدو أن استراتيجية إيران تستهدف البنية التحتية للطاقة في الخليج من أجل فرض تكاليف اقتصادية، فإذا أرادت إيران قصف محطات تحلية المياه هذه، فيمكنها القيام بذلك بسهولة، لكن ذلك سوف يكون خياراً تصعيدياً خطيراً”.

وفي الأيام الأخيرة، تراجع الحديث عن انضمام دول الخليج مباشرة إلى الهجوم الأمريكي، وقد يكون ضعفهم المائي أحد الأسباب التي تجعلهم مترددين في التصعيد.

من جانب آخر، فقد أرسلت إيران رسائل متناقضة فيما يتعلق بمضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي تعتمد عليه البحرين والكويت وقطر والإمارات لتصدير الطاقة واستيراد السلع والمواد الغذائية، فالحقيقة هي أن المضيق يواجه إغلاقاً فعلياً مع رفض مجموعات التأمين الغربية توفير تغطية مخاطر الحرب.

ويعد إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب التعطيل الشديد للسفر الجوي، عاملان على أن الخليج معرض أيضاً لنقص الغذاء، فقال هندرسون: “يتم استيراد ما يصل إلى 80% إلى 90% من المواد الغذائية في بعض دول الخليج، حيث يعتمد نموذجها الاقتصادي بأكمله على الواردات، وسوف يؤدي إغلاق ممرات الشحن والموانئ إلى تعطيل ذلك”.

وأضاف هندرسون: “تعمل الحكومات على منع ذلك، لكن حتماً سيكون هناك شراء بدافع الذعر، ومع ذلك، فقد قامت دول الخليج بإعداد وتخزين السلع الأساسية لمدة تصل إلى 3-6  أشهر”.

وتعتمد دول الخليج على النقل الجوي في معظم وارداتها الغذائية، حيث يشير بعض المعلقين إلى أن دول الخليج طورت قطاعات زراعية قوية،  فعلى سبيل المثال، تعد الإمارات والسعودية من المراكز الإقليمية الرئيسية لمنتجات الألبان، لكن أبقارهم تعتمد على المواد الأولية المستوردة، فالإمارات مستهلك كبير للبرسيم من ولاية أريزونا.

ويؤكد الخبراء بأنه حتى مع تحرك الإمارات لإعادة فتح مطار دبي الدولي، تظل المجالات الجوية الإقليمية الأخرى مغلقة، وقد تتعطل رحلات الشحن، كما أن إغلاق مضيق هرمز يعني أنه سوف يتعين على المواد الغذائية دخول البحرين والإمارات وقطر عبر موانئ الدخول في السعودية وعمان التي كانت أقل تأثراً.

في إشارة إلى الموانئ العمانية والسعودية، أوضح هندرسون بأن “زيادة تكاليف الشحن والتأمين سوف تتجلى في تضخم أسعار الغذاء، وسوف تكون هناك حاجة إلى إعادة تنظيم كبيرة إذا أعادوا توجيه كل شيء عبر موانئ صحار وجدة”. 

من جهة أخرى، برزت بعض دول الخليج، وخاصة الإمارات، كمراكز رئيسية لإعادة الشحن وتجهيز الأغذية في آسيا وأفريقيا، فحتى لو لم تستهدفهم إيران على وجه التحديد، فإن الحرب قد تقلب نماذج أعمالهم رأساً على عقب. 

على سبيل المثال، تمتلك شركة الخليج للسكر ومقرها دبي أكبر مصفاة سكر في العالم في الميناء، حيث تستورد 1.6 مليون طن من السكر الخام سنوياً وتصدر حوالي 1.3 مليون طن من السكر المكرر سنوياً، وقد صرحت شركة الخليج للسكر لرويترز بأنها مفتوحة وتعمل بشكل طبيعي ولديها مخزون خام يكفي عامين.

مقالات ذات صلة