بين الركام والدموع… قصة غزة التي تبحث عن موتاها بيدٍ عارية

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

بمجرد أن سمع محمد البنا بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي قد انسحبت من شرق مدينة غزة في أوائل أغسطس الماضي، توجه إلى هناك حيث شوهد والده، جهاد البنا، آخر مرة وهو متوجه نحو منزلهم في حي الشجاعية.

لقد تم تصنيف الحي على أنه منطقة خطرة، بعد أن قامت قوات الاحتلال بطرد السكان بالقوة وقصف أي شيء يتحرك فيها، ثم قرر الوالد جهاد، الذي كان يتخذ مأوىً مؤقتاً في مكان آخر في مدينة غزة، العودة إلى المنطقة في 3 يوليو الماضي، وكانت هذه آخر مرة رأته العائلة فيها.

في حديثه لميدل إيست آي، قال محمد: “رغم محاولاتنا لمنعه، إلا أنه أصر على الذهاب لتفقد منزلنا فغادر ولم يعد أبداً”.

حاول محمد الاتصال بوالده مراراً وتكراراً، لكنه لم يتلق أي رد، ثم جاءت مكالمة من أحد الجيران في المنطقة لتخبره بأن المنزل تعرض للقصف، ويتذكر محمد قائلاً: “عندها بدأت أشعر بالخوف الشديد على والدي، فقد شعرت بأنه كان داخل المنزل عندما تعرض للقصف”. 

“وجدت والدي مرمياً بقوة الانفجار داخل منزل الجيران، رأيته وجسده العزيز قد تحول إلى أشلاء، وكان جسده متحللاً لم يبق منه سوى ملابسه وحذائه، هو أبي الحبيب ومعلمنا وصديقنا وسندنا، بقي جثمانه هنا وحيداً لأكثر من شهر” – محمد البنا- مراهق من غزة عثر على أنقاض والده

طلبت العائلة وصول الدفاع المدني والصليب الأحمر إلى المنطقة، لكن تم منعهم من الوصول، فقامت العائلة بنشر المناشدات عبر الإنترنت وانتظار أي كلمة، لكن لم يصل شيء، ويقول محمد: “قضيت أنا وعائلتي أياماً طويلة نتساءل عن مصير والدي المجهول، منتظرين أي اتصال قد يمنحنا بصيص أمل بأنه لا يزال على قيد الحياة”.

وفي 3 أغسطس الماضي، انسحبت المركبات العسكرية الإسرائيلية من المنطقة، مما سمح للناس بالعودة للمرة الأولى منذ أسابيع، ووسط الدمار الهائل، تبخرت آمال معظم الذين فقدوا أحباءهم في العثور عليهم على قيد الحياة، ومع ذلك بدأوا رحلة مؤلمة لمعرفة مصيرهم.

يقول محمد: “على طول الطريق، كانت العديد من الجثث ملقاة في الشارع، فعلى ما يبدو، أولئك الذين وصلوا في وقت سابق وجدوهم في منتصف الشارع، وكل ما كان يمكنهم فعله هو نقلهم جانباً”.

“بحثت عن والدي بين الأنقاض”

عندما وصل محمد إلى منزله، صُدم عندما رآه وقد تحول إلى ركام، يقول: “بحثت عن والدي بين أنقاض منزلنا ولم أجد شيئاً”، ثم قام بتفتيش الشوارع المدمرة والمناطق المحيطة بها، لكنه لم يعثر على شيء.

بعد ذلك، وأثناء تفقده منزلاً مجاوراً مدمراً، مر محمد بـ “أحد أكثر المشاهد المفجعة التي شهدتها على الإطلاق، فقد وجدت والدي مرمياً بقوة الانفجار داخل منزل الجيران، رأيته وجسده العزيز قد تحول إلى أشلاء، وكان جسده متحللاً لم يبق منه سوى ملابسه وحذائه، هو أبي الحبيب ومعلمنا وصديقنا وسندنا، بقي جثمانه هنا وحيداً لأكثر من شهر”. 

رغم الألم، أشار محمد إلى شعوره ببعض الراحة عند العثور على الجثة ودفن والده والتأكد من مصيره، حيث أكد لميدل إيست آي بأن بعض جيران محمد لم يعثروا إلا على بقايا متناثرة لأحبائهم، وعلى بعد مئات الأمتار من منازلهم في بعض الأحيان، فيما أخبره آخرون أنه كان محظوظاً بالعثور على والده ودفنه، حيث لا يزال العديد من الأطفال محاصرين تحت الأنقاض.

يتفاقم حزن محمد بسبب فقدان أخته وعائلتها الذين ارتقوا في غارة إسرائيلية أيضاً، وقد استطاع الدفاع المدني انتشال جثتيهما، إلا أن ابن أخته الأكبر، وهو أقرب أصدقاء محمد، لا يزال مدفوناً تحت الأنقاض ولا يمكن الوصول إليه بدون آلات ثقيلة. 

“عملية انتشال الجثث كانت مأساوية ومعقدة، فنحن نتلقى العديد من المناشدات كل يوم من العائلات، لكن واقعنا الصعب ويمنعنا من القيام بعملنا” – محمود بصل- المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة

يقول محمد: “لم يكن مجرد ابن أختي، بل كان بمثابة الأخ، فقد تقاسمنا كل شيء، وهو الآن لا يزال تحت الأنقاض ولا أستطيع إخراجه أو دفنه”، وأضاف: “عمري 15 عاماً، لكني أشعر بأنني أكبر سناً بكثير، فقد اضطررت إلى تحمل أشياء صعبة للغاية والعيش فيها وحدي”.

رحلة تعافٍ بطيئة

وتشير تقديرات السلطات المحلية في غزة إلى أن هناك حوالي 10,000 شخص ما زالوا محاصرين تحت الأنقاض في أنحاء القطاع المدمر. 

كانت العديد من العائلات تأمل في أن يسمح لها وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه الشهر الماضي ببدء جهود انتشال جثث الشهداء، لكن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة والقيود المفروضة على دخول الآليات الثقيلة تركت الوضع دون تغيير.

في حديثه لميدل إيست آي، أكد  المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، بأن عملية انتشال الجثث كانت “مأساوية ومعقدة، فنحن نتلقى العديد من المناشدات كل يوم من العائلات، لكن واقعنا الصعب ويمنعنا من القيام بعملنا”، مشيراً إلى أن أطقم العمل تواجه عقبات هائلة من دمار هائل وكميات هائلة من الأنقاض، والأهم من ذلك، غياب المعدات الثقيلة، مما يجعل معظم أعمال استخراج الجثث مستحيلة.

بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد تم انتشال نحو 600 جثة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الشهر الماضي، وقد قدر تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هناك 61 مليون طن من الركام في أنحاء غزة، واصفاً ذلك بأنه تحدٍ غير مسبوق لأي جهود استخراج للجثث أو إعادة إعمار. 

مع تدمير العديد من المباني الشاهقة والمتعددة الطوابق، قال بصل: “نحن بحاجة إلى قدرات هائلة للتعامل مع الأعداد الكبيرة من المفقودين تحت الأنقاض”، مؤكداً أن الأزمة بدأت في نوفمبر عام 2023، عندما اضطر الدفاع المدني إلى تعليق عمليات انتشال الجثث، واقتصر عمله على إنقاذ الناجين أو انتشال الجثث التي كان من السهل الوصول إليها. 

أوضح بصل: “لقد منع القصف المكثف والمتواصل الطواقم من التعامل مع كافة الحالات، حتى اضطرت الفرق في كثير من الأحيان إلى الانسحاب من المواقع والاعتذار للعائلات التي لم تتمكن من مساعدتها”، مشيراً إلى أن أطقم العمل تعتمد حتى الآن على أدوات بدائية مثل المجارف والمعاول والعربات اليدوية وحتى الأيدي العارية.

من جهتها، حاولت العديد من العائلات انتشال الجثث بنفسها ضمن مشروع مشترك جديد مع الصليب الأحمر يتضمن حفاراً واحداً كجهد تجريبي لاختبار ما إذا كان من الممكن البدء في عملية انتشال أكثر تنظيماً.

أكد بصل: “كلما طال أمد الهدوء، قل عدد المفقودين”، ولكنه حذر من أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار سوف تعيق جهود التعافي، حيث قال: “في كل مرة يعود فيها التصعيد العسكري، يبقى العدد على حاله أو يزيد”.

للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة