بين القانون والعقاب الجماعي: قراءة في تشريع الإعدام بحق الفلسطينيين

بقلم حسين أبو حسين

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

من المفترض أن يعكس القانون الحديث التزام المجتمعات المتحضرة بالمبادئ الأخلاقية الأساسية، وأن يجسد طموحاتها لتحقيق العدالة والمساواة بين أفرادها، فالقانون هو الإطار الذي يضع حدود المجتمع، ويرسم ما هو مباح وما هو محظور، ويبلور صورة عالم يحترم حقوق الإنسان.

غير أن الكنيست في دولة الاحتلال انقلب على هذه المبادئ بإقراره قانوناً يفرض عقوبة الإعدام على أي فلسطيني يُدان بالتسبب عمداً في مقتل شخص ضمن ما يُصنّف على أنه “عمل إرهابي”.

لقد تبنت دولة الاحتلال نهج وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، متخلية عن واجبها في حماية من يقع تحت سلطتها، سواء كانوا مواطنين أو خاضعين للاحتلال، وبذلك، شرعنت استخدام القانون كأداة من أدوات عنف الدولة.

وخلال العقود الأخيرة، ساد اتجاه عالمي واضح نحو تقليص عقوبة الإعدام وصولاً إلى إلغائها، فقد ألغت معظم الدول الديمقراطية هذه العقوبة، سواء قانونياً أو عملياً، انطلاقاً من إدراك أنها عقوبة قاسية لا رجعة فيها، وتتعارض مع جوهر حقوق الإنسان. 

وفي الوقت الذي تدفع فيه القوانين الدولية والمؤسسات العالمية الدول إلى التخلي عن هذه العقوبة، فإن إعادة العمل بها في دولة الاحتلال تمثل تراجعاً خطيراً عن المعايير المعتمدة في العالم الحديث.

وفي سياق تمرير هذا القانون، تجاهلت لجنة الأمن القومي في الكنيست أكثر من ألفي اعتراض قُدمت ضد مشروع القانون، بل إن بن غفير اعتبر أن المرحلة الراهنة تمثل “فرصة تاريخية وإنجازات كبرى”، في تصريح يكشف طبيعة التوجه السياسي الذي يقف خلف هذا التشريع.

انتهاك صارخ للقانون الدولي

وإذا كان الهدف المعلن من القانون هو تعزيز الردع ومنع الهجمات وتحقيق القصاص، فإن الأبحاث العالمية لم تجد أي دليل على أن عقوبة الإعدام تردع الجناة المحتملين أكثر من عقوبة السجن، كما لم تثبت أي علاقة بينها وبين انخفاض معدلات الجريمة، بل إن منفذي العمليات ذات الدوافع الأيديولوجية يكونون في كثير من الأحيان مستعدين للموت مسبقاً.

وينص القانون الجديد على فرض عقوبة الإعدام “إلزامياً” على الفلسطينيين الذين يُدانون بارتكاب أعمال قاتلة تُصنف كـ “إرهاب” أمام المحاكم العسكرية، مع إمكانية استبدالها بالسجن المؤبد فقط في ظروف ضيقة واستثنائية للغاية.

وعملياً، يخضع الفلسطينيون في الأراضي المحتلة لمحاكم عسكرية حصراً، بينما يُحاكم الإسرائيليون، بمن فيهم المستوطنون، أمام محاكم مدنية

وهذا التشريع يتعارض مع مبادئ القانون الدولي الراسخة، فالمادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تؤكد الحق في الحياة، وتنص على أنه ينبغي على الدول التي لم تلغِ عقوبة الإعدام أن تقتصر في تطبيقها على “أشد الجرائم خطورة”، كما أن البروتوكول الاختياري الثاني للعهد يهدف صراحة إلى إلغاء هذه العقوبة.

وعليه، فإن خطوة دولة الاحتلال تمثل تراجعاً واضحاً عن الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تعهدت بها الدول المتحضرة.

وفي المحاكم المدنية داخل دولة الاحتلال، ينص القانون على أن كل من يتسبب عمداً في مقتل شخص “بقصد إنكار وجود دولة الاحتلال” يُعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد. 

ورغم الصياغة الغامضة، فمن الواضح أن هذا التعريف سيُطبّق عملياً على الفلسطينيين فقط، سواء كانوا مواطنين داخل الخط الأخضر أو مقيمين في الأراضي المحتلة.

ويرجع ذلك إلى أنه لا يُنظر عادة إلى العنف الذي يمارسه مستوطنون يهود ضد الفلسطينيين على أنه يهدف إلى “إنكار وجود الدولة”، رغم أن الأمم المتحدة وثقت وقوع 2660 اعتداءً بين يناير/كانون الثاني 2024 وسبتمبر/أيلول 2025.

وبتحويل عقوبة الإعدام إلى خيار تقديري في المحاكم المدنية، يضمن المشرّعون أن اليهودي لن يُعدم بالضرورة حتى لو أُدين بارتكاب جريمة مشابهة.

تكريس هرمية عنصرية

بهذا الشكل، تصبح عقوبة الإعدام خياراً افتراضياً للفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، لتتحول إلى عقوبة ذات طابع عنصري قائم على الخلفية القومية والإثنية، بما يقوّض بشكل قاتل حقوق الفلسطينيين في الحياة والكرامة والمحاكمة العادلة والمساواة.

كما يكرّس القانون هرمية خطيرة، تُعتبر فيها النزعة القومية الفلسطينية أكثر خطورة من أي شكل آخر من أشكال العنف، بما في ذلك العنف القومي الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين.

إن التمييز بين عقوبة إلزامية في المحاكم العسكرية وأخرى تقديرية في المحاكم المدنية يشكل انتهاكاً واضحاً للمادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن جميع الناس “متساوون أمام القانون”.

كما أن إنشاء نظامين قضائيين مختلفين على أساس الأصل القومي أو الإثني يمثل انتهاكاً صارخاً لهذا المبدأ، وقد يرقى إلى مستوى الفصل العنصري.

ويتناقض القانون الجديد أيضاً مع أحد أهم مبادئ أي نظام قانوني محترم، وهو استقلال القضاء في تقدير العقوبات المناسبة. 

إذ يُلزم المحاكم العسكرية بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين، مع استثناءات محدودة للغاية، مما يحرم القضاة من النظر في الظروف المخففة أو الخصائص الفردية للمتهم، ويجعل العقوبة تعسفية وينتهك حقه في محاكمة عادلة.

إضافة إلى ذلك، لا يتيح القانون إمكانية طلب العفو بعد صدور حكم الإعدام عن محكمة عسكرية، في مخالفة صريحة للمادة 75 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص على حق المحكوم عليهم بالإعدام في التماس العفو أو تخفيف الحكم.

كما يكفي تصويت أغلبية بسيطة من هيئة المحكمة لإصدار حكم بالإعدام، بدلاً من الإجماع، ويمكن فرض العقوبة حتى في حال عدم طلب الادعاء العام لها.

منظومة تمييزية قاسية

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل ينص القانون على احتجاز المحكوم عليهم بالإعدام في مرافق منفصلة، ومنع زيارات العائلات، وفرض قيود على التواصل القانوني.

كما يُلزم بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً خلال 90 يوماً من صدوره، دون وجود أي ضرورة عاجلة تبرر هذا الإطار الزمني، ما يقيد بشدة حق الأسير في الإجراءات القانونية، بما في ذلك تقديم التماسات لإعادة المحاكمة، كما هو معمول به في الأنظمة القانونية الدولية.

إن مجرد احتمال إعدام شخص بريء واحد يجب أن يكون كافياً لرفض هذه العقوبة القاسية والنهائية، ويُضاف إلى ذلك أن النظام القضائي في دولة الاحتلال، وخاصة المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة، معروف بتاريخه في التمييز ضد الفلسطينيين.

وعلى الصعيد العالمي، تُفرض عقوبة الإعدام بشكل غير متناسب على الأقليات والفئات الضعيفة، وغالباً ما تستخدمها الأنظمة السلطوية كأداة لقمع المعارضين، ولهذا السبب، اختارت أكثر من ثلثي دول العالم إلغاء هذه العقوبة قانونياً أو عملياً.

ومن اللافت أن وزراء خارجية أستراليا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا أصدروا بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن “قلقهم العميق” إزاء هذا التشريع وانتهاكه للمبادئ الديمقراطية، إلا أن هذه المواقف تبدو بلا تأثير يُذكر على صناع القرار في دولة الاحتلال.

في المحصلة، لا يمثل هذا القانون مجرد تعديل تشريعي، بل يكشف عن تحول خطير في طبيعة النظام القانوني، من منظومة يُفترض أنها تحمي الحقوق، إلى أداة تُستخدم لترسيخ الهيمنة والعقاب الجماعي، في انتهاك صارخ لكل ما يفترض أن يقوم عليه القانون من عدالة وإنصاف.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة