بقلم شهير شهيد ثالث
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
يُعتبر الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق قرب إيران أضخم تعبئة إقليمية منذ غزو العراق عام 2003.
فحالياً، تشق حاملة الطائرات الأميركية “يو إس إس جيرالد آر فورد”، وهي الأكبر في العالم، طريقها في البحر الأبيض المتوسط للانضمام إلى الأسطول المحتشد، فإن المؤشر الأكثر إثارة للدهشة يتمثل في نشر ست طائرات إنذار مبكر وتحكم جوي من طراز E-3 Sentry أي ما يقارب 40% من إجمالي هذا الأسطول الأميركي.
توفر هذه “العيون في السماء” قدرات الرادار بعيدة المدى الضرورية لتنسيق الدفاعات الجوية في مواجهة أي ضربات انتقامية، حيث يوحي نشر هذا الحجم من القدرات بأن واشنطن تستعد لحملة عسكرية، وتتهيأ في الوقت ذاته لرد إيراني محتمل.
من الناحية العقائدية، عارض الرئيس الأميركي دونالد ترامب طويلاً التدخلات الخارجية، وهو موقف أعاد تأكيده في خطابه بالرياض في مايو/أيار 2025، ومن الناحية الاقتصادية، فإن حرباً شاملة مع إيران قد تقوّض أجندته الداخلية.
ويقدّر محللون أن أي صراع قد يدفع أسعار النفط إلى ما بين 90 و200 دولار للبرميل، فضلاً عن ذلك، فإن ضغط ترامب على رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لإنهاء الحرب في غزة يشير إلى رغبة في خفض التصعيد الإقليمي، لا في فتح جبهة جديدة غير قابلة للتنبؤ.
ورغم هذه العوامل الرادعة، قد تدفع دوافع أخرى ترامب نحو ضربة حاسمة، فقد يرى في تحييد النظام الإيراني الضربة الكبرى التي تعيد تشكيل المنطقة بالكامل، ومن خلال تفكيك “محور المقاومة”، قد يمهد الطريق لهندسة شرق أوسطية جديدة ترتكز على محور واشنطن – تل أبيب – الرياض.
ويمكن أن تشكل الانتكاسات الداخلية محفزاً إضافياً للهجوم، ففي يوم الجمعة، قضت المحكمة العليا بأغلبية 6 مقابل 3 بأن استخدام ترامب لقوانين الطوارئ لفرض تعريفات جمركية عالمية كان غير قانوني، ما شكل ضربة قاسية لأجندته الاقتصادية.
“أمور سيئة ستحدث”
وسعياً لتجاوز هذا الإخفاق، قد يتجه ترامب نحو إنجاز عسكري عالي المخاطر، وقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن وزير التجارة السابق ويلبر روس قوله إن الحكم القضائي المذكور قد يجعل هجوماً أميركياً على إيران أكثر ترجيحاً، مشيراً إلى أن ترامب، بعد هزيمة قضائية علنية، لا يستطيع أن يبدو وكأنه “يتراجع أمام إيران”.
ثمة أيضاً ما يُعرف بـ”فخ المصداقية”، فيوم الخميس الماضي، ووسط الحشد البحري، حذر ترامب طهران من أن أمامها 10 إلى 15 يوماً فقط للتوصل إلى “صفقة ذات مغزى وإلا ستحدث أشياء سيئة”.
هذا الخطاب وضع الإدارة في زاوية ضيقة، فإذا استمر جمود المفاوضات فإن التراجع سيقوض صورة ترامب كرجل قوي.
هذا التوتر محسوس بعمق في إيران، حيث يتذكر كثيرون منشوراته في يناير/كانون الثاني على منصة “تروث سوشال” التي دعا فيها المواطنين إلى “الاستيلاء على مؤسساتكم”، مع وعد أجوف بأن “المساعدة في الطريق”.
وعبر إقناعه لخصمه بأنه مستعد “لنسف كل شيء”، فإن ترامب يستطيع أن يجبر ذلك الخصم على التراجع لتفادي الدمار
وبعد أن أخفق سابقاً في اتخاذ خطوات مماثلة، قد يشعر ترامب الآن بأنه مضطر لاستخدام هذا الأسطول لإثبات أن كلماته ليست بلا ثمن.
في المقابل، يدرك المرشد الإيراني علي خامنئي ودائرته الضيقة خطورة الانزلاق إلى صراع، حيث تعيش القيادة في بلد يغلي بالسخط عقب قمع احتجاجات يناير/كانون الثاني الواسعة.
وبحسب منظمات حقوقية، فقد جرى اعتقال عشرات الآلاف من المتظاهرين ضمن حملات اعتقال جماعية متواصلة.
وتفاقمت الأمور بعدما حاولت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال استثمار الاحتجاجات، إذ شجع مسؤولون كبار في دولة الاحتلال علناً على التمرد ضد الدولة الإيرانية، رغم أن مثل هذه الدعوات أضعفت مصداقية الاحتجاجات الناتجة عنها.
وداخلياً أيضاً، فإن الاقتصاد المنهك أساساً بفعل العقوبات الأميركية، إضافة إلى الفساد وسوء الإدارة بات الآن في حالة انهيار.
وأكدت صحيفة اقتصادية ذات مصداقية داخل إيران الأسبوع الماضي أن أرقام التضخم في أسعار الغذاء تضاعفت ثلاث مرات.
وعلى عكس البيانات الرسمية، يشكل سعر الصرف في السوق الحرة مؤشراً مرئياً لهذه الأزمة، فقد أدى الانهيار الحاد للعملة إلى إشعال انتفاضة يناير/كانون الثاني، وبالنسبة لخامنئي، قد تكون الحرب الآن الشرارة الأخيرة لانهيار داخلي شامل.
هوية ثورية
في هذا السياق، يبدو منطقياً أن تميل الحكومة الإيرانية إلى التسوية لتفادي الحرب غير أن القيادة لا تزال تتبنى خطاباً متحدياً.
فخلال عطلة نهاية الأسبوع، قال المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، لشبكة فوكس نيوز إن ترامب “فضولي” بشأن موقف إيران، بعدما لوّح بضربة عسكرية محدودة في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج طهران النووي.
وأضاف ويتكوف: “لا أريد استخدام كلمة محبط، لأن ترامب يدرك أن لديه بدائل كثيرة، لكنه يتساءل لماذا لم يفعلوا؟ لا أريد استخدام كلمة استسلموا، لكن لماذا لم يستسلموا؟”.
بعد 37 عاماً في السلطة، تعتمد صلابة المرشد الأعلى على تماسك أيديولوجي لقاعدة صلبة ترى فيه حامل لواء العداء لأميركا في المنطقة، وهذا يعني أن الاستسلام لترامب سوف يقوض هذه الهوية الثورية، وربما يطلق تآكلاً في الولاء داخل صفوفه.
وفي حسابات خامنئي، قد تكون الكلفة السياسية للاستسلام أعلى من مخاطر المواجهة العسكرية، وفي حال غياب اتفاق، فإن من المرجح أن يدرس المخططون الأميركيون سيناريوهين متميزين للضربات.
السيناريو الأول يتماشى مع نفور ترامب المعلن من “الحروب الأبدية”، عقيدة تعتمد قوة ساحقة وجراحية لتحقيق أهداف فورية، يعقبها انسحاب سريع وإعلان نصر.
وكما قال بوب هاروارد، نائب الأدميرال المتقاعد والمسؤول السابق في القيادة المركزية الأميركية، لصحيفة جيروزاليم بوست مؤخراً، فإن الموجة الأولى من الهجوم ستركز على تحييد مواقع الصواريخ الاستراتيجية الإيرانية ومنصاتها والتي تعد التهديدات الأكثر إلحاحاً للأصول الأميركية.
وإذا نجحت هذه “الضربة القاطعة”، فستُجرَّد الجمهورية الإسلامية من ركائز ردعها الثلاث وهي شبكات الوكلاء، والرافعة النووية، ومدى الصواريخ.
ومن خلال تحويل الدولة الإيرانية إلى منظومة مستنزفة استراتيجياً، يمكن لترامب إعلان نصر حاسم والانفصال، بعدما حقق “خضوعاً استراتيجياً” من دون التورط في حرب برية.
أما السيناريو الثاني فيتضمن الانتقال من ضربات محدودة إلى حملة شاملة لتغيير النظام، وقد يحدث هذا التحول بتخطيط مسبق، أو نتيجة رد إيراني واسع وغير متوقع خاصة إذا فشلت القوات الأميركية في تحييد منظومات الصواريخ في المرحلة الأولى.
لكن إذا مضت واشنطن إلى أقصى حد، فستواجه المعضلة الجيوسياسية الكبرى وهي رهانات “اليوم التالي”.
رهانات هائلة
وسوف يتطلب تثبيت سلطة ما بعد الجمهورية الإسلامية وجوداً برياً ضخماً التزاماً بحرب أخرى “أبدية” طالما انتقدها ترامب طوال مسيرته، وحتى لو جرى نشر مثل هذه القوة، فإنها ستواجه تحدياً هائلاً يتمثل في مقاومة شبكة أيديولوجية متحمسة.
وكما تظهر تقارير حقوقية وثّقت عمليات قتل جماعي لآلاف المتظاهرين قبل أسابيع فقط، يبدو أن الموالين للنظام غير مكترثين جوهرياً بإمكانية قتل مدنيين.
ومن المرجح أن تشن الكوادر المسلحة تدريباً عالياً في إطار عقيدة “الدفاع الفسيفسائي” اللامركزي حرب مقاومة لا هوادة فيها ضد أي سلطة بديلة يُنظر إليها باعتبارها مدعومة من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.
في المحصلة، يفرض منطق العقلانية أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق لتفادي العواقب الكارثية لحرب شاملة، غير أن عالم السياسة، كما أشار الباحث روبرت جيرفس، يشهد اندلاع النزاعات أحياناً نتيجة سوء الحسابات لا المنطق.
وقد تفاجئنا التفاصيل النهائية لأي اتفاق محتمل، ففي ظل وطأة التداعيات وبعضها غير قابل للتنبؤ قد يتجه الطرفان إلى تراجع استراتيجي كان حتى وقت قريب يبدو مستحيلاً.
وفي مقابلة يوم الجمعة مع شبكة MS Now، أثار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الدهشة بقوله إن واشنطن لم تطالب بـ”صفر تخصيب”، وإن أياً من الطرفين لم يقترح تعليقاً للبرنامج، بل إن المفاوضات تركزت على ضمان أن يكون البرنامج النووي الإيراني “سلمياً وسيبقى سلمياً إلى الأبد”، وإذا صح ذلك، فإن هذا يغير جذرياً معالم الأزمة الراهنة.
وبالمثل، نقل موقع أكسيوس يوم الجمعة عن مسؤول أميركي رفيع أن إدارة ترامب “مستعدة للنظر في مقترح يسمح لإيران بتخصيب نووي رمزي، شريطة ألا يترك أي مسار محتمل لصنع قنبلة”.
وخلاصة القول، أعتقد أن احتمال التوصل إلى اتفاق لا يزال أرجح قليلاً من احتمال الحرب الشاملة، ذلك أن الرهانات ببساطة هائلة بالنسبة للطرفين.
في هذه المرحلة الختامية، يبدو أن ترامب استلهم من مقاربة “عقلانية اللامعقول” التي صاغها المنظّر الاستراتيجي توماس شيلينغ، مطبقاً ما يُعرف بنظرية “الرجل المجنون”.
تقوم أطروحة شيلينغ الأساسية على أن من العقلاني استراتيجياً أحياناً أن يبدو الزعيم غير قابل للتنبؤ أو “متهوراً” قليلاً.
فمن خلال إقناع الخصم بأنه مستعد “لنسف كل شيء”، يمكنه دفع ذلك الخصم إلى التراجع لتفادي الدمار.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







