بقلم غادة عقيل
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في أواخر الشهر الماضي، استشهد سبعة فلسطينيين من عائلة واحدة حرقاً، بعدما استهدف صاروخ أطلقته قوات الاحتلال خيمةً كانوا ينامون بداخلها في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة.
كان أكبر الشهداء وهو ربحـي أبو حديد يبلغ من العمر 69 عاماً، أما أصغرهم، وهي حفيدته ليا، فقد كانت تبلغ من العمر خمسة أعوام.
وعند استشهادهم، كان ربحـي يستعد للتوجه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، بينما كان شقيقه محمد قد سبقه إلى هناك، وعندما دوّى الانفجار، هرع محمد عائداً ليرى مشهداً من المجزرة، لقد رأى اثنين من أبناء ربحـي، وزوجة أحدهما، وقد ارتقوا شهداء أيضاً، إلى جانب حفيدين آخرين، هما شام (7 أعوام) وجبريل (8 أعوام).
وفي واقع الأمر، لم تكن هذه المأساة الأولى للعائلة، فقد استشهد عدد من أقاربهم في هجوم سابق شنّته قوات الاحتلال في يوليو/تموز الماضي.
وقعت مجزرة عائلة أبو حديد في يوم دموي آخر من أيام الإبادة المتواصلة في غزة، حيث استُشهد ما لا يقل عن 31 فلسطينياً، على الرغم من “وقف إطلاق النار” الذي قيل إنه بدأ قبل أشهر وتحديداً في 10 أكتوبر/تشرين الأول.
بدأ ذلك اليوم الدموي قرابة الساعة الرابعة فجراً من يوم 31 يناير/كانون الثاني، حين استهدفت طائرات الاحتلال مبنى سكنياً يؤوي عائلة الأطبش غرب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة أطفال هم زينة، ومريم، ومنى، بأعمار سبع وخمس وثلاث سنوات، إضافة إلى عمتهم إسلام (24 عاماً) وجدّتهم ألفت (69 عاماً).
ومن بين الشهداء في اليوم ذاته أيضاً الطفل محمد رزق (7 أعوام) وجدّته، وقد كانا يقيمان قرب عيادة تابعة للأونروا في مدينة غزة.
وفي الوقت نفسه تقريباً، هاجمت قوات الاحتلال مركز شرطة الشيخ رضوان القريب من المكان، ما أسفر عن استشهاد 15 شخصاً، بينهم ستة زوار وتسعة من العاملين.
وخلال الفترة الممتدة بين 31 يناير/كانون الثاني و4 فبراير/شباط (خمسة أيام فقط)، استشهد نحو 60 فلسطينياً في غزة، أي بمعدل يقارب 12 شهيداً يومياً، ما يعني أن روحاً فلسطينية تُزهق كل ساعتين تقريباً، خلال فترة يُفترض أنها فترة “وقف لإطلاق النار”.
هذه الأرقام لا تُجسّد وحدها حجم الفقد الإنساني، لكنها تكشف الإيقاع الوحشي والمتواصل لتدمير الحياة الفلسطينية، على نحو تعجز الكلمات المجردة عن الإحاطة به.
لحظة مفصلية
قبل أقل من أسبوعين على هذه المجازر، كان رئيس وزراء كندا، مارك كارني، قد تصدّر عناوين الأخبار العالمية، بعد إلقائه خطاباً قوياً في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تناول فيه ما سماه “النظام العالمي القديم” و”النظام العالمي الجديد”.
وفي لحظة وصفها كثيرون بالمفصلية، وأمام جمهور عالمي يرزح تحت وطأة حروب ممتدة، وفي ظل أزمة عميقة تضرب منظومات حماية المدنيين وتآكل متسارع لقواعد القانون الدولي، قدّم كارني تشخيصاً بدا وكأنه يجمع بين الوضوح التحليلي والنبرة الأخلاقية الحازمة.
لكن عندما كانت أرواح الفلسطينيين على المحك، أدار كارني ظهره، ليس مرة واحدة، بل ما لا يقل عن 1450 مرة.
وقال كارني في دافوس: “كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت جزئياً زائفة، وأن الأقوياء يعفون أنفسهم عند الحاجة، وكنا نعلم أن القانون الدولي يُطبّق بصرامة متفاوتة، تبعاً لهوية المتهم أو الضحية”.
وأضاف أن كندا، وإن لم تكن قوة عظمى، إلا أنها تمتلك ما لا يقل أهمية وهو “القدرة على التوقف عن التظاهر، وعلى تسمية الواقع كما هو، وبناء قوتنا في الداخل، والعمل معاً”، “هذا هو طريق كندا”، قالها بوضوح: “نختاره علناً وبثقة”.
وبعد أيام قليلة من خطابه في دافوس، أصدر كارني بياناً بمناسبة ذكرى تحرير معسكر أوشفيتز-بيركيناو عام 1945، قال فيه إن “غضّ الطرف ليس فعلاً سلبياً، بل خيانة نشطة”.
غير أن هذه الكلمات النبيلة وُضعت موضع الاختبار في غزة يوم 31 يناير/كانون الثاني، وفشلت كندا فشلاً ذريعاً، فعندما كانت الأرواح الفلسطينية تُزهق، كان كارني ينظر إلى جهة أخرى، 1450 مرة على الأقل هو عدد خروقات “وقف إطلاق النار” التي ارتكبتها دولة الاحتلال بين 10 أكتوبر/تشرين الأول و31 يناير/كانون الثاني، وفق التقارير المتاحة.
خيانة غزة
تشمل هذه الخروقات 487 حادثة إطلاق نار على مدنيين، و71 اقتحاماً لمناطق سكنية خارج “الخط الأصفر”، و211 عملية هدم ممتلكات، و679 حالة قصف جوي ومدفعي، إضافة إلى ذلك، جرى اعتقال عشرات الفلسطينيين من قطاع غزة.
ولا تشمل هذه المعطيات القصف المتواصل الذي تشنه دولة الاحتلال على لبنان، ولا اعتداءاتها المستمرة في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.
وفي الوقت الذي تُقصف فيه التجمعات السكنية الفلسطينية بلا هوادة، تواصل دولة الاحتلال عرقلة إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، فعلى الرغم من أن خطة الإدارة الأميركية السابقة ذات النقاط العشرين نصت على تعهد بأن “تُرسل المساعدات كاملة وفوراً إلى قطاع غزة”، إلا أن الشحنات الحيوية ما زالت تُمنع أو تُقيّد.
وحتى الآن، لم يدخل القطاع سوى نحو 25 ألف شاحنة من أصل 60 ألفاً مطلوبة، بحسب مسؤولين في الحكومة المحلية.
أمام هذا السجل المتراكم من الانتهاكات، يصبح صمت كارني مشاركة فعلية في خذلان سكان غزة المنكوبين، وكما قال أليكس نيف، الأمين العام السابق لمنظمة العفو الدولية في كندا، فإن المشكلة لا تكمن في الصمت وحده، بل في ما يدعمه هذا الصمت عملياً.
لقد قال نيف أن “القصف المتجدد على غزة يحظى بدعم مباشر من خلال تدفق مستمر لمنظومات سلاح ومكونات وتكنولوجيا عسكرية مصدرها كندا”.
أما كارني، فقد أشار في خطابه إلى أنه “لن ينوح على موت النظام العالمي القديم” وسكان غزة، كما في السودان ولبنان، يدركون جيداً أن القانون الدولي لم يكن يوماً حياً بما يكفي لحمايتهم، لكن كندا، في ظل قيادة كارني، لا تزال تتحمل مسؤولية أخلاقية، إن لم تكن قانونية، لضمان حق هؤلاء في العيش بكرامة وسلام.
الدول متوسطة القوة لا تفقد نفوذها عندما تدافع عن هذه المبادئ، بل تفقد مصداقيتها عندما تتخلى عنها، بعد أيام فقط من الاعتراف العلني بفشل النظام القائم، وإذا كان الطريق الحقيقي لكندا هو “تسمية الواقع”، فإن هذا الطريق يجب أن يبدأ من غزة.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







