تبرئة كريم خان تختبر استقلال المحكمة الجنائية الدولية وسط تحذيرات من تسييس القرار

دعا محامون بارزون وخبراء قانونيون المكتب الحاكم في المحكمة الجنائية الدولية إلى الالتزام بنتائج هيئة قضائية مستقلة برّأت المدعي العام للمحكمة كريم خان من مزاعم سوء السلوك، محذرين من أن أي تسييس للقرار سيقوّض مصداقية المؤسسة القضائية الدولية.

ومن المقرر أن يعقد المكتب، المؤلف من 21 عضواً ضمن جمعية الدول الأطراف، اجتماعاً جديداً اليوم الاثنين للمرة الثالثة لبحث كيفية التعامل مع تقرير أعدّه ثلاثة قضاة كبار، وتحديد الخطوات التالية في قضية استمرت لأشهر وأدت إلى تنحية خان مؤقتاً منذ دخوله في إجازة مفتوحة في مايو/أيار 2025.

وقالت محامية الدفاع الرئيسية عن خان، ساريتا أشراف، في تصريحات لـ”ميدل إيست آي”، إن الإجراءات التي اتبعها محققو الأمم المتحدة والقضاة كانت “مراعية للنوع الاجتماعي”، وذلك رداً على دعوات من بعض منظمات المجتمع المدني لرفض نتائج اللجنة القضائية.

كما عبّر خبراء قانونيون آخرون عن ثقتهم في كفاءة وخبرة هيئة القضاة الثلاثة التي تعاملت مع قضية وصفوها بأنها “شديدة الحساسية والتعقيد”.

وكان موقع “ميدل إيست آي” قد كشف حصرياً أن اللجنة القضائية المعيّنة من قبل المحكمة خلصت إلى أن تحقيق مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة لم يثبت وقوع أي “سوء سلوك أو إخلال بالواجب” من جانب خان، رغم المزاعم المتعلقة بسوء سلوك جنسي.

وجاء هذا التحقيق ضمن مسار منفصل ومتزامن مع جهود مكتب المدعي العام لملاحقة جرائم حرب تتعلق بالحرب على غزة، بما يشمل مسؤولين في دولة الاحتلال وحركة حماس.

تحقيق مطوّل ومعايير صارمة

بدأ التحقيق في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بعد تقارير إعلامية أفادت بأن إحدى موظفات مكتب خان اتهمته بالاعتداء الجنسي، في وقت رفضت فيه المشتكية التعاون مع آلية التحقيق الداخلية للمحكمة، ما دفع إلى إنشاء مسار تحقيق مستقل.

ورغم ذلك، تعاون الطرفان، المشتكية وخان الذي نفى بشدة جميع الاتهامات، مع التحقيق الخارجي.

وعلى مدار أكثر من عام، جمع محققو الأمم المتحدة الأدلة وقيّموها، قبل أن تُحال إلى هيئة من القضاة للنظر فيها وفق معيار الإثبات الأعلى في القانون الجنائي، وهو “ما وراء الشك المعقول”.

وفي 9 مارس/آذار، خلص القضاة بالإجماع إلى أن الوقائع التي توصل إليها التحقيق “لا تثبت سوء سلوك أو خرقاً للواجب ضمن الإطار القانوني المعمول به”.

وضمّت اللجنة القضائية كلاً من القاضية ليونا ثيرون من جنوب أفريقيا، والقاضي بول ليمينس من بلجيكا، والقاضي سيمور بانتون من جامايكا.

وقال البروفيسور إيريك بيورغه: “القضاة الثلاثة الذين اختارهم المكتب يتمتعون بمكانة مرموقة للغاية”، مشيراً إلى خبراتهم الواسعة في القضاء الدولي.

وأضاف أن مثل هذه القضايا “لا ينبغي أن تُسيّس أو تُخضع للمساومات الدبلوماسية، بل يجب أن تُحسم من قبل قضاة مستقلين غير سياسيين”.

تحذيرات من تسييس العدالة

وفي ردود فعل على التقرير، دعا عدد من خبراء القانون في الأمم المتحدة إلى احترام نتائج اللجنة، من بينهم المقررة الخاصة المعنية بفلسطين فرانشيسكا ألبانيزي، والمقرر الخاص المعني بالحق في السكن بالاكريشنان راجاجوبال.

كما وجّه رئيس نقابة المحامين في باريس، لويس ديغوس، رسالة باسم 37 ألف محامٍ أعرب فيها عن قلقه من احتمال تجاهل نتائج القضاة، محذراً من أن ذلك قد يفتح الباب لتقييم “السياسات القضائية” للمدعي العام بدلاً من التركيز على القضية التأديبية نفسها.

وأشارت الرسالة إلى أن المحكمة تواجه بالفعل “محاولات متعددة لزعزعة استقرارها”، ما يجعل الحفاظ على استقلاليتها أمراً بالغ الأهمية.

بدورها، حذّرت نقابة المحامين الأفارقة من أن أي انحراف عن الاستنتاجات القضائية “قد يضعف الثقة بسيادة القانون ويقوض مصداقية المحكمة”.

جدل حول معيار الإثبات

ورغم ذلك، تسعى أقلية داخل المكتب الحاكم إلى إعادة تقييم نتائج التحقيق، وسط ضغوط من بعض منظمات المجتمع المدني التي تطالب بتجاهل تقرير القضاة، معتبرة أن معيار “ما وراء الشك المعقول” مرتفع أكثر من اللازم في مثل هذه القضايا غير الجنائية.

غير أن خبراء قانونيين أكدوا أن هذا المعيار هو نفسه المعتمد في جميع قضايا سوء السلوك داخل المحكمة، وأن تغييره في هذه الحالة تحديداً سيشكل خرقاً لقواعد المحكمة.

وقالت أشراف إن الدعوة إلى خفض معيار الإثبات بعد صدور القرار “تمثل مفهوماً مقلقاً للعدالة”، مضيفة أن أي مراجعة للمعايير كان يجب أن تتم قبل بدء العملية، وليس بعد انتهائها.

مستقبل المحكمة على المحك

ومن المقرر أن يقدم المكتب تقييماً أولياً للتقرير بحلول 8 أبريل/نيسان، على أن يُمنح المدعي العام 30 يوماً للرد، ثم يصدر القرار النهائي خلال 30 يوماً إضافية.

وفي حال اعتماد التقرير، سيتمكن خان من استئناف مهامه.

غير أن القضية تتجاوز مصير شخص واحد، إذ يرى مراقبون أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصداقية المحكمة الجنائية الدولية نفسها، في ظل ضغوط سياسية متزايدة.

وكان خان قد تقدم في مايو/أيار 2024 بطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، ما أثار حملة ضغط شرسة من قبل دولة الاحتلال وحلفائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

ومنذ فبراير/شباط 2025، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات مالية وقيود تأشيرات على خان وعدد من القضاة ومسؤولين أمميين ومنظمات فلسطينية، على خلفية التحقيق في جرائم الحرب المرتبطة بالحرب على غزة.

في هذا السياق، لم تعد القضية مجرد نزاع قانوني داخلي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لاستقلال القضاء الدولي في مواجهة الضغوط السياسية.

مقالات ذات صلة