“تحرير النساء” تحت القنابل… كيف تُستخدم النسوية الإسرائيلية لتبرير الحروب؟

بقلم لبنى مصاروة ومها الحسيني 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

كانت أربع قائدات للطائرات الحربية يقفن أمام المقاتلات التي يقدنها، خوذاتهن منخفضة وأذرعهن متقاطعة في وضعية تستحضر مشهداً كلاسيكياً من أفلام “توب غَن” التي تمجد القوة العسكرية، غير أن الصورة تحمل مفارقة لافتة، فالطيارات الأربع كن من النساء، وكانت خصلات شعورهن الطويلة تنساب من تحت الخوذات على الأكتاف.

عادت هذه الصورة المتداولة منذ سنوات لتتصدر مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الأولى من الهجوم الأميركي المشترك مع الاحتلال على إيران.

وأصبحت مشاركة الطيارات في العمليات العسكرية الجارية مصدر فخر داخل المؤسسة العسكرية في دولة الاحتلال، كما تحولت إلى نقطة اعتزاز لدى كثير من الإسرائيليين الذين يرون في هذا المشهد دليلاً على “التقدم” و”المساواة”.

وقد نشر جيش الاحتلال على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين: “تشارك نحو 30 امرأة من أفراد الطواقم الجوية بين طيارات وملاحات، في تنفيذ الضربات في الأجواء الإيرانية ضمن عملية الأسد الزائر”.

وسرعان ما تلقف الرسالة سياسيون في دولة الاحتلال من بينهم يائير غولان، زعيم حزب “الديمقراطيين” اليساري، الذي أعاد نشر صورة الطيارات على حساباته.

وكتب غولان: “مشاركة عشرات من أفراد الطواقم الجوية النساء في الضربات المعقدة في إيران ضمن عملية زئير الأسد دليل قاطع على أن الجرأة والاحترافية والوطنية ليست مرتبطة بالجنس”.

وبالنسبة للكثيرين الذين يجدون أنفسهم مجدداً في حالة حرب في دولة الاحتلال، تحمل هذه التصريحات رسالة واضحة عن القيم التي يتخيلون أنهم يمثلونها، قيم ليبرالية ونسوية، كما تحمل الكثير عن القيم التي يدّعون أنهم يحاربونها.

تأطير مضلل

وتشير استطلاعات حديثة أجراها “معهد الديمقراطية الإسرائيلي”، وهو مركز أبحاث مستقل، إلى أن أكثر من 90% من الإسرائيليين اليهود، من مختلف الاتجاهات السياسية، من اليسار والليبراليين إلى قواعد اليمين المتطرف في الحكومة، يدعمون الهجوم العسكري على إيران.

وفي مقابلات الشارع ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والمناظرات التلفزيونية، تكرر نساء من دولة الاحتلال الرسالة نفسها: إنهن مستعدات لتحمل القصف إذا كان ذلك سيساعد الإيرانيين، وخاصة النساء الإيرانيات، على تحقيق الحرية.

وكتبت ياسمين صايغ، وهي إسرائيلية من أصول إيرانية، في منشور تداولته مجموعة نسوية إسرائيلية على فيسبوك: “أكتب إليكم من داخل الملاجئ، فيما تذكرني أصداء الانفجارات في الخارج في كل لحظة بالعلاقة المصيرية بين حريتنا هنا وحرية شعب إيران”.

لكن مثل هذه التصريحات تبدو جوفاء بشكل صارخ عند مقارنتها بحصيلة القتل المتصاعدة والعنف اليومي الذي يطال النساء والفتيات في أنحاء الشرق الأوسط بفعل آلة حرب الاحتلال.

ففي يوم الأحد، الذي صادف اليوم العالمي للمرأة، استغلت القيادات العسكرية والسياسية في دولة الاحتلال المناسبة لتكريس هذه الرسالة.

وجاء في منشور على صفحة جيش الاحتلال في فيسبوك مرفق بفيديو يحتفي بالطيارات والملاحات المشاركات في الهجمات على إيران: “في هذا اليوم العالمي للمرأة، نحتفي بالنساء اللواتي يجعلن كل مهمة ممكنة”.

كما كشف جيش الاحتلال أن النساء يشكلن الآن أكثر من 21% من المقاتلين، مقارنة بنحو 7% فقط عام 2015.

وأضاف الجيش: “تخدم النساء في الجيش منذ تأسيسه، ويشكلن مساهمة كبيرة في تحقيق أهدافه، وحتى اليوم، في عملية زئير الأسد، فإنهن يشكلن جزءاً لا يتجزأ من النشاط العملياتي للجيش، سواء على خطوط المواجهة أو في الجبهة الداخلية”.

وفي اليوم ذاته، نشر زعيم المعارضة في دولة الاحتلال بيني غانتس صورة رمزية لمقتلة طيّارة تحلق فوق أفق مشتعل، بينما تظهر في المقدمة نساء متظاهرات، إحداهن تخلع حجابها وترفعه في الهواء، وأخرى تحمل لافتة كتب عليها: “المرأة، الحياة، الحرية”.

وكتب غانتس: “في اليوم العالمي للمرأة، نكرّم النساء في كل أنحاء العالم اللواتي يدافعن عن الحرية ويناضلن من أجلها”.

وكثيراً ما يقدم قادة دولة الاحتلال صراعهم مع طهران باعتباره مواجهة مع النظام الإيراني لا مع الشعب الإيراني نفسه، ويربطون هذه الرواية بفكرة “تحرير الإيرانيين”، وخاصة النساء، من القمع.

قبل أكثر من عام، وجّه رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو خطاباً إلى الإيرانيين استحضر فيه شعار الحركة الاحتجاجية النسوية التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني، قائلاً:
“المرأة، الحياة، الحرية هو مستقبل إيران”، داعياً الإيرانيين، وخاصة النساء، إلى الانتفاض ضد حكامهم.

وفي هذا السياق، عاد إلى الواجهة تيار مألوف من “النسوية العسكرية الإسرائيلية” الذي يدفع باتجاه إشراك النساء في آلة الحرب، ويحتفي بمشاركتهن باعتبارها دليلاً على المساواة.

ولطالما تباهت المؤسسة العسكرية في دولة الاحتلال بما تصفه بـ “أوراق اعتمادها النسوية”، فالخدمة العسكرية إلزامية للنساء كما للرجال، وتشير التقارير إلى أن النساء يشكلن نحو خُمس الجنود المقاتلين.

وغالباً ما تسلط منشورات جيش الاحتلال على وسائل التواصل الضوء على دور المجندات في الحروب التي يشنها على غزة وغيرها.

فقد احتفت وسائل الإعلام في دولة الاحتلال بإنجازات طاقم دبابات نسائي بالكامل قيل إنه “دهس عشرات من مقاتلي حماس” خلال هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما أعلن الجيش الشهر الماضي عن تشكيل سرية قتالية نسائية جديدة متمركزة على الحدود اللبنانية.

“كتفاً إلى كتف”

وعقب انتقادات طالت قائدة مشاة في تقرير لقناة 14، نشر المتحدث باسم جيش الاحتلال، العميد إيفي دفرين، صورة تجمعه بابنته وهي ضابطة في بحرية الاحتلال على وسائل التواصل الاجتماعي، وكتب: “مساهمة النساء في القتال ليست شعاراً بل حقيقة عملياتية مثبتة”.

وأضاف: “على مر السنوات، وخاصة منذ السابع من أكتوبر، تحملت المقاتلات عبء القتال كتفاً إلى كتف، إنهن يعملن على خطوط التماس، ويعبرن خطوط العدو، ويقُدن عمليات هجومية، ويقاتلن في غزة وسوريا والضفة الغربية ولبنان، كما يعملن بعيداً عن حدود الدولة مع مخاطرة شخصية وإنقاذ للأرواح”.

غير أن هذه التصريحات تبدو فارغة أمام الحصيلة الثقيلة من الضحايا والعنف الذي تتعرض له النساء والفتيات في الشرق الأوسط بفعل آلة الحرب التابعة لدولة الاحتلال.

ففي غزة، استشهدت 33 ألف امرأة وفتاة وأصيبت أكثر من 75 ألفاً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقد دفعت هذه الأرقام المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، ريم السالم، إلى اتهام دولة الاحتلال في يوليو/تموز 2025 بشن “إبادة نسوية” ضد الفلسطينيين.

وقالت السالم: “ما يحدث للنساء والفتيات الفلسطينيات ليس ضرراً جانبياً للحرب، إنه التدمير المتعمد لحياتهن وأجسادهن، لأنهن فلسطينيات ولأنهن نساء”، واليوم تعيش أكثر من مليون امرأة وفتاة في خيام أو بين الأنقاض، محرومات من الغذاء والدواء.

لقد أصبحت النساء اللواتي كنّ يتقاسمن مسؤوليات المنزل يقضين ساعات طويلة يومياً في طوابير المطابخ الخيرية، ويحملن أوعية المياه الثقيلة عبر الأحياء المدمرة، ويجمعن الحطب وبقايا المواد لإشعال النار، ويبحثن عن الإمدادات النادرة، ويعتنين فوق ذلك كله بأطفال مصدومين ومسنين منهكين.

نمط من العنف

وقد كشفت العديد من الأسيرات الفلسطينيات في سجون دولة الاحتلال عن أنماط من العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل مراكز الاحتجاز.

فقد تحدث بعضهن عن تعرضهن للتعذيب أو الاعتداء الجنسي بسبب صلات عائلية مزعومة مع أشخاص متهمين بالانتماء إلى مجموعات مسلحة، وأخريات تحدثن عن تهديدات بالاغتصاب استخدمت كأدوات ترهيب وإكراه ضدهن وضد عائلاتهن.

كما أفاد معتقلون فلسطينيون بأن محققي جيش الاحتلال هددوهم باغتصاب زوجاتهم أو بناتهم كوسيلة للتعذيب النفسي، في توظيف مباشر لأجساد النساء كأدوات ضغط وإذلال.

ووثقت الحرب في غزة أيضاً نمطاً صادماً آخر، إذ اقتحم جنود من جيش الاحتلال منازل فلسطينية وعرضوا ملابس داخلية لنساء بطريقة مهينة، بينما جرى تداول الصور والفيديوهات على الإنترنت.

ولا تهدف هذه الأفعال إلى السخرية فحسب، بل إلى تجريد النساء من كرامتهن وانتهاك الحدود الاجتماعية والثقافية العميقة، وتحويل الفضاءات الخاصة إلى مشاهد للإذلال العلني.

إن الذين يقولون إنهم “يحررون النساء” لا يستخدمون النساء أدوات للابتزاز أو الإكراه أو التعذيب النفسي

لكن بينما كانت النساء الفلسطينيات يعانين كل هذه المآسي، كان مشرّعو دولة الاحتلال منشغلين بضمان راحة مجنداتهم.

ففي يوليو/تموز 2025، وخلال الحرب على غزة، طالب أعضاء لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بتوفير زي عسكري ومعدات واقية مصممة خصيصاً لأجساد النساء، كي تتمكن المجندات من أداء مهامهن القتالية براحة وكفاءة.

في المقابل، كانت نساء غزة يتعرضن لاعتداء مباشر على أبسط احتياجاتهن الإنسانية، فلسنوات طويلة، منعت سلطات الاحتلال بشكل كامل أو قيدت بشدة دخول الفوط الصحية للنساء في القطاع.

وأُجبرت كثير من النساء والفتيات الفلسطينيات على استخدام قطع قماش أو حتى أجزاء من حفاضات الأطفال للتعامل مع الدورة الشهرية، في ظل حرمانهن من أبسط مستلزمات النظافة الشخصية.

أما بالنسبة للحوامل والمواليد الجدد، فقد كانت العواقب كارثية، حيث دمر عدوان الاحتلال النظام الصحي في غزة، إذ قُصفت المستشفيات وأجنحة الولادة، وقُتل العاملون في المجال الصحي، ومنعت الإمدادات الطبية والإنسانية من دخول القطاع.

ونتيجة لذلك، تعرضت 2600 امرأة حامل للإجهاض، بينما عانت أخريات بعد الولادة من عجز عن إرضاع أطفالهن بسبب سوء التغذية الحاد.

حرب تمتد إلى ما وراء غزة

وفي لبنان، حذرت منظمة “أكشن إيد” الإنسانية من أن النساء الحوامل والفتيات الصغيرات والمواليد الجدد هم من بين عشرات الآلاف الذين اضطروا إلى النزوح بسبب الحرب المتصاعدة التي تشنها دولة الاحتلال ضد حزب الله في جنوب البلاد.

وقالت ماريان سماحة، ممثلة منظمة “بسمة وزيتونة”: “النساء والفتيات لديهن احتياجات خاصة، وكثير من النساء حوامل، وكثيرات يرضعن أطفالهن، وقد فررن مع مواليدهن وأطفالهن، إنهن بحاجة إلى أماكن آمنة للإقامة، وبحاجة ماسة إلى حقائب النظافة والفوط الصحية”.

أما في إيران، حيث كانت الطيارات الحربيات في دولة الاحتلال ينفذن غاراتهن هذا الأسبوع فقد تجاوز عدد الضحايا ألف شخص، من بينهم 165 طفلاً معظمهم فتيات تتراوح أعمارهن بين 7-12 سنة، قضين في قصف مدرسة بمدينة ميناب جنوب البلاد.

لم تعترف الولايات المتحدة ولا دولة الاحتلال بالمسؤولية عن الهجوم، رغم أن صحيفة نيويورك تايمز ذكرت أن الغارة وقعت في منطقة كانت القوات الأميركية تعمل فيها.

لكن السؤال يبقى: كيف يمكن الحديث عن “تحرير النساء الإيرانيات” بينما تحصد الحرب أرواح هذا العدد الكبير من الفتيات؟ لقد قضي على حياتهن في العملية ذاتها التي يجري تقديمها على أنها عمل من أعمال التحرير.

وحين تحتفل النساء في دولة الاحتلال بمشاركتهن في أدوار قتالية، يتوقف النقاش عند حدود “المساواة”، أما الآثار السياسية لتلك المساواة والأهداف التي تُقصف والدمار الذي يحدث، والمدنيون تحت القنابل فتختفي من المشهد.

لقد أصبحت “النسوية الإسرائيلية” جزءاً من تطبيع الحرب الإبادية ضد الفلسطينيين، والدمار الذي يلحق بلبنان وإيران، حيث تتحول النساء والفتيات في الوقت نفسه إلى موضوع خطاب التحرير وضحايا القنابل المتساقطة.

وبالنظر إلى التشابه في الخطاب المستخدم لتبرير الحربين على غزة وإيران، وكذلك في الأساليب العسكرية التي دمرت المنطقتين، يمكن تخيل سيناريو تصبح فيه إيران “غزة أخرى”.

وإذا حدث ذلك، فإن نساء غزة يعشن بالفعل المستقبل الذي قد تواجهه النساء الإيرانيات، وقد لخّصت امرأة فلسطينية هذه الحقيقة بمرارة قائلة: “لقد أعادونا مئة عام إلى الوراء”.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة