ترامب أمام إيران: بين استعراض القوة وكوابيس الفوضى

بقلم ماركو كارنيلوس

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

لم تُفضِ الاضطرابات الأخيرة في إيران إلى تغيير النظام، ولم تهيّئ المسرح لانقلاب على طريقة فنزويلا، فقد لجأت الأجهزة الأمنية الإيرانية إلى أساليب قمعية مشددة، شملت قطع الإنترنت وتقييد التغطية الإعلامية المباشرة للاحتجاجات، في محاولة لمنع توسّع الحراك الشعبي وإجهاض أي تعبئة إضافية.

وفي ذات السياق، تمكنت إيران من تحييد الآلاف من منظومات “ستارلينك” المرتبطة بالأقمار الصناعية، والتي جرى تهريبها إلى داخل البلاد، على الأرجح بواسطة الولايات المتحدة ودولة الاحتلال عبر شبكاتهما وعناصرهما على الأرض.

أما ما جرى فعليًا في الشارع الإيراني، وأسبابه الحقيقية، وعدد القتلى من المحتجين ومن أفراد الأجهزة الأمنية، فهي مسائل لا تزال رهن روايات متضاربة، غير أن الافتراض المنطقي يشير إلى أن الأرقام كانت صادمة، ولا سيما في صفوف المحتجين، ومن المرجح أن تتضح الصورة بشكل أكبر خلال الأسابيع المقبلة.

وعلى الرغم من إلحاح دولة الاحتلال المتكرر، لم تُقدِم الولايات المتحدة على تنفيذ ضربة عسكرية تستهدف القيادة العليا في طهران. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التردد ناتجًا عن نقص في الأصول العسكرية الأميركية في المنطقة، أم عن عجز المؤسسة العسكرية عن ضمان “نصر سريع وحاسم” للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو النوع من الانتصارات الذي يفضّله ويبحث عنه.

ولا ينبغي أيضاً إغفال أن ترامب ينظر إلى نتائج الصراعات الإقليمية من خلال عدسة مشوّهة إلى حد بعيد، فبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تفاخر بأنه “فتح باب السلام في المنطقة بعد ثلاثة آلاف عام من الصراع”.

وبطبيعة الحال، لا يمكن وصف ذلك إلا بالخيال، إلا إذا سلّمنا بفكرة مفادها أن قصف دولة الاحتلال المكثف للمنطقة يعني سلامًا، بينما يُعدّ الأمر ذاته حربًا إذا قامت به أي دولة أخرى. 

وربما كانت المؤسسة العسكرية الأميركية من بين الجهات التي اعترضت على التحرك بناءً على مثل هذا التصور غير الواقعي.

ومن الافتراضات المعقولة أيضًا أن ترامب أصغى لتحذيرات حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل قطر والسعودية وتركيا، الذين دعوا إلى توخي الحذر في ظل سيناريوهات مزعزعة للاستقرار وغير قابلة للسيطرة، قد تنتج عن أي ضربة أميركية ضد إيران.

سيناريو الكابوس

وفي هذا الوقت بالتحديد، يفترض أن يكون الجميع قد أدرك أن الشيء الوحيد المؤكد في عهد ترامب هو غياب اليقين الدائم، فالأيام الصاخبة في دافوس، وما رافقها من تهديدات تتعلق بجزيرة غرينلاند، تعكس هذه الحقيقة بوضوح. 

واليوم، وبعد تردد ترامب الأولي، تتجه أصول عسكرية أميركية ضخمة نحو إيران، وبعبارة أخرى، قد تكون الضربة الأميركية– الإسرائيلية قد أُرجئت لا أُلغيت.

وفي هذا السياق، ساهمت مؤسسات الاتحاد الأوروبي في صبّ الزيت على نار التصعيد، حين أدرجت الحرس الثوري الإيراني على قائمة “المنظمات الإرهابية”، من دون إدراك كامل لحجم السوابق الخطيرة التي كرّستها بهذا القرار.

وثمة أمر يبدو مؤكدًا وهو إن الدولة الإيرانية المنهارة التي يحلم بها بعض الصقور في واشنطن ودولة الاحتلال في أكثر تصوراتهم تهورًا، تمثل خطرًا أعظم بكثير على استقرار المنطقة مقارنة بالنظام القائم حاليًا، رغم طابعه السلطوي الصارم، فالفوضى التي ستعقب انهيار الدولة ستجعل من مستنقع العراق تجربة بسيطة بالمقارنة معها.

أما الحديث عن “تغيير ناعم” للنظام وحتى لو افترضنا واقعيته وإمكانية تحقيقه سواء عبر إحياء سلالة ملكية استُنفدت قبل نصف قرن، أو عبر قوى معارضة غير موجودة فعليًا، فهو قفزة في المجهول قد تنتهي بسهولة إلى سيناريو الانهيار الكارثي ذاته.

أوهام تغيير النظام

يزيد من تعقيد الحلم الأميركي المشترك مع دولة الاحتلال بتغيير النظام في إيران حقيقة أساسية مفادها أن العثور، داخل بنية السلطة والأجهزة الأمنية الإيرانية، على شخصيات مستعدة “لبيع” المرشد الأعلى علي خامنئي، يبدو أمرًا بالغ الصعوبة.

وهذا بالتأكيد مخالف لما جرى في فنزويلا، حيث تخلّى أقرب مساعدي الرئيس نيكولاس مادورو عنه في كراكاس قبل أسابيع.

وفوق ذلك، من غير المرجح أن تُخدع القيادة الإيرانية مجددًا كما حدث في يونيو/حزيران الماضي، حين كان من المقرر عقد محادثات أميركية–إيرانية في سلطنة عُمان قبل أيام فقط من هجوم شنّته دولة الاحتلال. 

وقد حققت دولة الاحتلال آنذاك هدفها التاريخي المتمثل في جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مع إيران، قبل أن يزعم ترامب لاحقًا أنه “دمّر البرنامج النووي الإيراني بالكامل”.

واليوم، يحمل احتمال تجدّد العدوان الأميركي المشترك مع دولة الاحتلال على القيادة الإيرانية دلالتين أساسيتين.

الأولى أن الضربات التي نُفذت في يونيو/حزيران الماضي لم تكن حاسمة، كما كان يُشتبه منذ البداية. 

ففي نقاشات خاصة مع مصادر في دولة الاحتلال طرحتُ سؤالًا مباشرًا حول ما إذا كانت الضربات الأميركية قد دمّرت البرنامج النووي الإيراني، وقد تهرّب المحاورون من الإجابة، مكتفين بالقول إن “النتيجة الأهم” تمثلت في الصدمة النفسية التي تلقّتها القيادة الإيرانية. 

والترجمة العملية لذلك أنه ليس هناك أي دليل يدعم مزاعم ترامب الصاخبة حول القضاء على القدرات النووية الإيرانية.

أما الدلالة الثانية، والأكثر إثارة للقلق، فهي أن قادة دولة الاحتلال وحلفاءهم في واشنطن باتوا يعتقدون الآن أن اللحظة مواتية للمضي قدمًا حتى النهاية، والسعي إلى تغيير النظام في طهران مهما كانت الكلفة.

البقاء السياسي

بعد فنزويلا، والتفاهم الضبابي الذي جرى التوصل إليه في دافوس بشأن غرينلاند، قد يكون دونالد ترامب خلص إلى قناعة مفادها أن تحقيق “نصر خاطف” جديد ضد دولة كانت خصمًا للولايات المتحدة على مدى نصف قرن، قد يساعده على تفادي ما يُقلقه فعليًا ويحرمه النوم.

إنه احتمال الخسارة في أحد مجلسَي الكونغرس أو كليهما في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

صحيح أن تغيير النظام في طهران قد يضعه، من منظور أميركي–غربي، في سجلات التاريخ بوصفه أول رئيس يحقق “اختراقًا” في هذا الملف منذ عقود، غير أن هذا الاحتمال لا يضمن، بأي حال، ترجمة ذلك إلى مكسب داخلي جديد، لا سيما في ظل التراجع الحاد في معدلات تأييده داخل الولايات المتحدة.

وهنا تبرز متغيرات حساسة لا يمكن تجاهلها، أولها، كما أسلفنا، الشكوك الجدية بشأن إمكانية نجاح تغيير سريع، غير دموي، فعّال و”صديق” للنظام في طهران، وفق المعايير الأميركية ومعايير دولة الاحتلال

فعبر التاريخ، ظل الإيرانيون شديدو الحساسية تجاه أي نفوذ أو هيمنة خارجية، وأي محاولة لفرض تغيير من الخارج قد تنقلب بسهولة على أصحابها، ولا بد في هذا السياق من استحضار الدروس القاسية التي خلّفها الغزو في العراق.

أما المتغير الثاني، فيتصل بمستويات النزعة القومية المرتفعة داخل المجتمع الإيراني، وحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلًا من وجهة نظر واشنطن وتل أبيب، هل من مصلحة الولايات المتحدة ودولة الاحتلال وحلفائهما العرب الدفع بدولة تضم نحو 90 مليون نسمة وتمتلك قوة بشرية عالية الكفاءة واحتياطيات هائلة من النفط والغاز نحو التحول إلى اقتصاد نابض بالحياة، ثم إلى ديمقراطية فاعلة بالمعنى الحقيقي للكلمة؟

وماذا لو قررت إيران “الجديدة”، بسيادتها الكاملة، الاستمرار في تطوير برنامج نووي خاص بها، وبناء مجال نفوذ إقليمي مستقل، على غرار ما تفعله دول غربية مثل الولايات المتحدة ودولة الاحتلال وبريطانيا وفرنسا؟ 

ولماذا يُفترض بدولة إيرانية ديمقراطية أن تقف مكتوفة الأيدي، في حين تعمل قوى إقليمية مثل تركيا والسعودية والإمارات على توسيع مجالات نفوذها الإقليمية؟

أما هواجس ترامب المتعلقة ببقائه السياسي بعد نوفمبر/تشرين الثاني، فربما تكون مرتبطة بتعزيز فرصه على نحو أوضح إذا أقدم على كبح جماح ميليشيا الهجرة والجمارك (ICE) التي أطلقها في شوارع المدن الأميركية، وأشعلت موجة احتجاجات واسعة، شملت حتى قطاعات من أنصاره التقليديين في حركة “ماغا”.

إن من شأن خطوة من هذا النوع أن يكون لها تأثير أكبر بكثير على نتائج الانتخابات النصفية من أي “انتصارات خاطفة” يسعى إليها في الخارج.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة