ترجمة وتحرير موقع بالعربية
قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعالم درسًا صادمًا في فن “إبرام الصفقات”، تهديد بالإبادة في لحظة، ثم تراجع أمام مطالب الخصم في اللحظة التالية، هذا درس قد يُدرّس يومًا في كتب الدبلوماسية.
واليوم، لدى الإيرانيين أسباب وجيهة للنزول إلى الشوارع ورفع أعلامهم، حيث تدخل إيران مفاوضات تمتد لأسبوعين وهي تحمل سجلًا لافتًا من المكاسب الاستراتيجية، بغضّ النظر عن توصيف البنود العشرة في خطة وقف إطلاق النار.
فبينما وصف ترامب هذه البنود بأنها “أساس قابل للتطبيق”، اعتبرتها إيران وباكستان مجرد ضمانات لهدنة مؤقتة.
وبموجب هذه الشروط، ستواصل إيران تخصيب اليورانيوم، وحتى لو وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، فإن ذلك لا يُعد تنازلًا كبيرًا، إذ سبق أن عرضته خلال مفاوضات بوساطة عُمان قبل الهجوم الأميركي المشترك مع الاحتلال..
كما ستستمر إيران في السيطرة على مضيق هرمز، مع السماح بمرور محدود للسفن خلال فترة الهدنة، إلى جانب استمرارها في فرض رسوم عبور بالتعاون مع عُمان.
وقد أعاد ترامب نشر تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن المرور الآمن في المضيق سيكون ممكنًا “بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية”، ما يعني اعترافًا أميركيًا فعليًا بسيادة طهران عليه.
لكن ثمن “السلام” لا يقتصر على ذلك، بل يشمل تعهدًا ملزمًا بعدم مهاجمة إيران مجددًا، ورفع جميع العقوبات الأساسية والثانوية ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.
ومن بين المطالب العشرة، يبدو مطلب انسحاب جميع القوات القتالية الأميركية من المنطقة الأكثر تعقيدًا، إذ طالبت به حكومات عراقية متعاقبة لسنوات دون تحقيقه.
نتنياهو الخاسر الأكبر
ومهما ستؤول إليه مفاوضات إسلام آباد، فإن تراجع ترامب المفاجئ عن حملة القصف المكثفة يمثل ضربة قاسية لمكانة بنيامين نتنياهو، الذي قاد واشنطن إلى هذه الحرب.
فإذا كانت حرب الإبادة في غزة قد أنهت ما تبقى من “الشرعية الأخلاقية” لدولة الاحتلال في أوروبا، فإن الحرب على إيران قد تُنهي احتكارها للتأثير على القرار الأميركي في الشرق الأوسط.
ومن هنا، فقد ثبت فشل جميع التوقعات التي قدمها نتنياهو لترامب خلال اجتماع مطوّل في البيت الأبيض في 11 فبراير/شباط والتي تشمل زعمه أنه يمكن تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني خلال أسابيع،والواقع أن الصواريخ استمرت حتى الأسبوع السادس.
كما فشل نتنياهو في ادعائه بأن إيران لن تتمكن من خنق مضيق هرمز، إذ لم تمر أي سفينة دون إذنها عبره.
وأخفق نتنياهو في تقليله من قدرة إيران على ضرب المصالح الأميركية، رغم استهدافها المتواصل لها في الخليج، وكذلك فشل في رهانه على اندلاع احتجاجات داخلية تُسقط النظام، بينما أدى القصف إلى تعزيز الدعم للحرس الثوري.
لا خلاف على أن نتنياهو هو من دفع ترامب إلى الحرب، وإذا انتهت بفشل، فسيكون هو أول من يتحمل اللوم داخل المؤسسة السياسية الأميركية، سواء بين الجمهوريين أو الديمقراطيين.
أما ترامب، فقد أدت تصريحاته المتقلبة إلى تصاعد دعوات مساءلته، بينما تراقب قاعدته الجمهورية بصمت مسار الأزمة، خاصة مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية.
لقد ربط ترامب مصيره السياسي بنتنياهو، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبيتهما معًا، حيث أظهر استطلاع لمركز “بيو” أن 60% من الأميركيين لديهم نظرة سلبية تجاه دولة الاحتلال، وأن غالبية من هم دون الخمسين لا يثقون بنتنياهو.
واستنادًا إلى تجارب سابقة، فإنه ليس من المستبعد أن يتهم ترامب إيران بعدم الالتزام ويستأنف الحرب، وهو سيناريو قد يسعى نتنياهو إلى دفعه إليه، حتى عبر استمرار قصف لبنان، لكن السؤال الأهم: ماذا تبقى لدى ترامب ليستخدمه ضد إيران؟ ماذا يمكنه أن يفعل أكثر مما فعل؟
في المقابل، تمتلك إيران أوراقًا عديدة، إذ يمكنها إغلاق مضيق هرمز مجددًا، أو تهديد الملاحة في قناة السويس ومضيق باب المندب عبر حلفائها، مثل الحوثيين في اليمن، الذين يمتلكون صواريخ قادرة على استهداف السفن، وعليه فإن أي تصعيد جديد سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والسلع عالميًا.
أميركا أضعف… والعالم يتغير
وعلى خلاف حروب الخليج السابقة، لا يحظى ترامب بدعم أوروبي، وقد يهدد بالانسحاب من الناتو، لكنه لا يمتلك القوة السياسية للاستمرار في حرب لا تحظى بتأييد حلفائه ولا حزبه.
الحرب الحالية جمعت أخطاء الإدارات الأميركية السابقة: من جورج بوش الأب في العراق، إلى جورج بوش الابن في أفغانستان والعراق، مرورًا بأوباما في ليبيا وسوريا، وصولًا إلى بايدن في غزة.
تحولت حملة ترامب إلى خطاب مليء بالشتائم والنزعة الاستعمارية، بلغ ذروته بتهديده بــ “محو 3000 عام من الحضارة الإيرانية”
وفي النظام العالمي الذي يتشكل اليوم، تبدو هذه اللغة دليل ضعف لا قوة، حيث فقدت الولايات المتحدة كما يرى كثيرون فهمها لكيفية استخدام القوة، وهو تحول خطير بالنسبة لأقوى جيش في العالم.
وقد التقطت الصين وروسيا هذه الإشارات بوضوح، فهما لم يكتفيا بالامتناع عن التصويت على قرار في مجلس الأمن بشأن مضيق هرمز، بل استخدمتا حق النقض ضده، معتبرتين أنه “غير متوازن” ويلقي اللوم على إيران فقط.
ويبقى مصير الهدنة مرهونًا بعاملين رئيسيين هما ما سيحدث في مضيق هرمز، وما إذا كان يمكن التوصل إلى آلية عبور مقبولة لإيران وعُمان، إضافة إلى تطورات الساحة اللبنانية.
فإيران اشترطت أن يشمل وقف إطلاق النار جميع الجبهات، خاصة لبنان، لكن نتنياهو أعلن استمرار العمليات هناك، متجاهلًا تصريحات الوسيط الباكستاني شهباز شريف التي أكدت شمول لبنان بالاتفاق.
ويبقى السؤال: هل ستقبل إيران استمرار قصف لبنان دون رد؟ والواقع أن أحد مسؤولي حزب الله أشار إلى أنها لن تقبل بذلك، لكنها “تمنح فرصة” للوسطاء لإلزام دولة الاحتلال بالاتفاق.
ومع ذلك، فقد أخذت الهدنة تتداعى بالفعل، حيث شنّ جيش الاحتلال غارات مكثفة على لبنان استهدفت نحو 100 موقع خلال دقائق، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، بالتزامن مع استهداف إيران لخط أنابيب نفطي سعودي.
في النهاية، سيحدد مضيق هرمز ولبنان ما إذا كانت الحرب ستندلع مجددًا، لكن ترامب ونتنياهو يدركان جيدًا كلفة العودة إلى التصعيد.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







