بقلم أورلي نوي
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
ارتبط رئيس وزراء دولة الاحتلال الأسبق إيهود باراك بعلاقات ممتدة مع جيفري إبستين، المدان بجرائم الاتجار الجنسي بالقاصرات، وهي علاقات استمرت حتى بعد إدانته الجنائية.
وفي ضوء ذلك، لم يكن أحد يتوقع أن تتناول التسجيلات الصوتية التي كُشف عنها ضمن ما بات يُعرف بـ “ملفات إبستين” موضوعات فاضلة من قبيل مكافحة التمييز ضد النساء أو إنهاء العبودية الحديثة للأطفال.
غير أن ما خرج إلى العلن تجاوز كل التوقعات، ذلك أن التسجيلات بدت أقرب إلى مخطط هندسة عرقية لمستقبل الدولة.
ففي تسجيل صوتي يمتد لأكثر من ثلاث ساعات، يُعتقد أنه يعود إلى منتصف العقد الماضي، كان باراك قد أبدى هواجس عميقة بشأن المستقبل الديمغرافي لدولة الاحتلال، محذراً من تحوّلها إلى دولة ثنائية القومية، بل وإلى كيان ذي “أغلبية عربية” في نهاية المطاف.
وفي حديث باراك، السياسي المخضرم المنتمي لحزب العمل، لا تبدو فكرة الأغلبية العربية أو حتى مجرد وجود دولة الاحتلال داخل فضاء عربي واضح المعالم مجرد مصدر قلق سياسي، بل تثير في داخله قدراً من الازدراء والنفور.
غير أن هذا الموقف ليس مفاجئاً تماماً، فباراك هو من صاغ تعبير “فيلا في الغابة” لوصف موقع دولة الاحتلال في الشرق الأوسط، مستخدماً العبارة في خطاب عام 1996 عندما كان يشغل منصب وزير الخارجية.
ومن السهل استنتاج نظرته إلى الإقليم، فإذا كان الشرق الأوسط “غابة”، فإنه يمكن النظر إلى سكانه من غير اليهود، بل وحتى كثير من اليهود المنتمين إلى بيئته باعتبارهم أدنى مرتبة مقارنةً بأصحاب “الفيلا”.
والواقع أن تسجيلات باراك ليست سوى خلاصة مركّزة لهذا التصور، فهو يرى أن مؤسسي الدولة وقادتها الأوائل من اليهود الأشكناز ذوي الخلفية الأوروبية اضطروا إلى استيعاب يهود البلدان العربية من أجل “إنقاذهم”.
أما اليوم، فيرى باراك أنه بات بالإمكان أن تكون الدولة أكثر انتقائية، وأن “تتحكم في الجودة بصورة أكثر فاعلية بكثير مما فعل الآباء المؤسسون”.
ولتحقيق ذلك، يقترح باراك سحب احتكار المؤسسة الدينية الأرثوذكسية لملف التحوّل الديني، وفتح الباب أمام عمليات تحويل جماعية لكن للفئات “المناسبة” أي عملياً للفئات البيضاء.
معادلة التوازن الديمغرافي
ولكن السؤال هو كيف يُترجم ذلك عملياً؟ ببساطة، عبر استيعاب مليون مهاجر روسي إضافي، بما يغيّر التوازن الديمغرافي بصورة دائمة، فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتقل نحو مليون مهاجر من دول الكتلة الشرقية إلى دولة الاحتلال خلال تسعينيات القرن الماضي.
أما “المكافأة الإضافية”، وفق ما جاء في التسجيلات المنسوبة لصديق إبستين، فتتمثل كما قال في وجود “عدد كبير من الفتيات الشابات الجميلات” ضمن هؤلاء المهاجرين.
وأمام هذا الحديث، يصعب ألا نتذكر اعتذار باراك العلني عام 1997، باسم حزب العمل، لأبناء المجتمعات المزراحية أي اليهود الذين هاجروا من بلدان الشرق الأوسط عما لحق بهم من مظالم في السنوات الأولى من قيام الدولة.
لكن التسجيلات تكشف أن باراك، في أعماقه، يرى أن المظلوم الحقيقي لم يكن هؤلاء، بل مؤسسو الدولة أنفسهم، الذين “اضطروا” إلى استيعاب يهود من “الغابة” المحيطة.
غير أن باراك وقع في خطأ مزدوج، فأولاً، لم تكن دولة الاحتلال استجابةً لتدهور أوضاع اليهود المزراحيم في بلدانهم الأصلية بقدر ما كانت في حالات كثيرة عاملاً ساهم في تسريع ذلك التدهور.
وثانياً، لم يستقبل الآباء المؤسسون ولا التيار الأيديولوجي الذي ينتمي إليه باراك اليهود القادمين من البلدان العربية والمسلمة بأذرع مفتوحة، فقد خضع بعضهم لاختبارات فرز قبل قبولهم، لتحديد مدى “استحقاقهم” للهجرة.
وقد وثق الشاعر العبري الشهير ناتان ألترمان جانباً من هذه المعاناة في قصيدته “ركضة المهاجر دانينو”، التي تروي قصة مهاجر من المغرب أُجبر على الجري خلال فحص طبي لإثبات لياقته البدنية قبل السماح له بالدخول، وربما يعرف باراك هذه القصة من الأداء الغنائي المؤثر لفرقة “هابريرا هاطيفعيت”.
غضب انتقائي
لم تكن تصريحات باراك وحدها ما أثار الجدل، بل أيضاً الحماسة التي أبدتها شخصيات في اليمين داخل دولة الاحتلال لالتقاط التسجيلات باعتبارها “غنيمة سياسية”.
فقد سارعت القناة 14 إلى بث التسريبات تحت عنوان: “عنصرية مقززة: أرشيف إبستين يكشف تسجيلات صادمة لإيهود باراك”.
كما شنّ أعضاء من حزب “شاس”، الحليف المركزي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، هجوماً لاذعاً على باراك، ووصف عضو الكنيست يعقوب مارغي باراك بأنه “عنصري حقير”.
أما زعيم الحزب أرييه درعي، فاستغل التسجيلات لمهاجمة “الكابلانيين” أي المتظاهرين اليساريين المناهضين للحكومة، وللتقرب من نتنياهو في تغريدة واحدة، قال فيها إن باراك كشف “خطته العنصرية لتغيير التركيبة الديمغرافية”.
غير أن هذا الغضب يبدو انتقائياً، فقد التزم درعي الصمت عام 2020 عندما نُشرت تسجيلات لمستشار مقرّب من نتنياهو، ناتان إيشل، وُصفت بأنها تنطوي على تصريحات تمييزية بحق المزراحيم.
كما لم يُسجَّل له موقف علني عام 2016 بعد أن كسب أحد العاملين السابقين في منزل سارة نتنياهو دعوى قضائية، قال فيها إنها أطلقت تعليقات مهينة بشأن أصوله المغربية.
وفي عام 2017، اضطر نتنياهو للاعتذار بعد أن ألمح، في رده على انتقادات وزير ماليته ذي الأصول الليبية، إلى أن “الجين المزراحي لديه تحرك”، وهي عبارة وُصفت بأنها عنصرية.
الدفاع عن “الفيلا”
في الواقع، فإن أكثر من تبنّى استعارة “الفيلا في الغابة” بحماسة منذ أن صاغها باراك، كان نتنياهو نفسه، فخلال جولة على الحدود الأردنية عام 2016، عرض رؤيته لإقامة جدار فاصل، قائلاً: “سيقولون لي هل هذا ما تريد فعله، الدفاع عن الفيلا؟ والجواب نعم، دون تردد، في البيئة التي نعيش فيها، علينا أن نحمي أنفسنا من الوحوش”.
ورغم الخلافات السياسية بين نتنياهو وباراك، فإنهما يشتركان في أمر أعمق وهو ازدراء الفضاء العربي الذي تعيش فيه دولة الاحتلال، واحتقار كثير من سكانه.
بالنسبة لباراك ومن يشاركه توجهه، أدى هذا النفور إلى إقصاء المزراحيم من مراكز القوة والثروة، أما نتنياهو وحلفاؤه، فقد عملوا على استثمار الصورة النمطية العنيفة والبدائية ذاتها لتحقيق مكاسب سياسية، وفي المحصلة، بقي المزراحيم “أهل الغابة” في نظر المعسكرين معاً.
وإذا كان المزراحيم في دولة الاحتلال يقدّرون الحياة، حياةً ذات معنى وكرامة، فعليهم أن يستوعبوا هذه الحقيقة.
فاليوم، يقود اليمين الديني القومي المتطرف، بطابعه المسياني والكاهاني، الدولة إلى أعماق فاشية، ويسعى إلى جعل المزراحيم واجهتها العنيفة.
يُقدَّم هذا التحول بلغة قانونية منمّقة، لكن الناشطين الشعبويين سيمنحونه الغطاء الجماهيري المطلوب، عبر تعبئة ما يُسمى “الموارد المزراحية”.
لحظة فاصلة
إن حقيقة انخراط شرائح واسعة من المزراحيم بحماسة في مشروع يهدف إلى تدعيم جدران “الفيلا في الغابة”، وهي فيلا سيبقون داخلها في مرتبة دونية، هو مأساة تثير الحزن والغضب معاً.
فالذين لقّنوا الشباب المزراحيين هتافات “الموت للعرب”، بل ودفعوهم إلى ترجمتها فعلاً باسم الوطنية، هم أنفسهم من يحتقرون جذور هؤلاء المزراحيين التي عاشت في الفضاء العربي كجزء أصيل منه.
ومن سيكون منفذو أحكام الإعدام إذا أقرّ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، إن لم يكونوا هؤلاء الشباب أنفسهم؟
هذه هي اللحظة للعودة إلى تسجيلات باراك، إلى تبجحات نتنياهو، إلى حبل المشنقة المثبّت على صدر بن غفير، واتخاذ القرار، وقد لا تتكرر هذه اللحظة.
إن تحصين جدران فيلا متخيَّلة لم يكن يوماً، ولن يكون، في مصلحة المزراحيم، فلا نقطة واحدة على الطيف الصهيوني تخلو من امتهان لهويتهم كأبناء هذه المنطقة.
وقد أدرك رواد النضال المزراحي، مثل “الفهود السود الإسرائيليين” ومتمردي وادي صليب، هذه الحقيقة بحدس مبكر.
لقد كانت مصلحتنا وما تزال، في تحالف مع إخوتنا وأخواتنا الفلسطينيين، في نضال مشترك لهدم البنية الاستعمارية وبناء فضاء مدني لا تُداس فيه هويتنا ولا تُستغل لصالح من يحتقرون وجودنا.
ومنذ بدء الإبادة الجماعية في غزة، انتقلت الصهيونية من مرحلتها المشوهة إلى طور أكثر افتراساً، والدور الذي يُراد للمزراحيم أن يؤدوه اليوم هو الأشد فداحة في تاريخهم الحديث، إنها لحظة الاختيار.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







