تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط… هل يبدأ هذه المرة من واشنطن وتل أبيب؟

بقلم جو غيل

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

غرقَت سماء طهران في نهاية الأسبوع الماضي بسحب كثيفة من الدخان الأسود المتصاعد من مستودعات النفط التي قصفتها دولة الاحتلال، فيما اشتعلت شوارع العاصمة الإيرانية بالنيران.

ولم يكن الدخان مجرد أثر بصري للحرب، بل حمل معه سحباً سامة علقت في صدور ملايين السكان، وأثقلت حناجرهم ورئاتهم.

ولا يمكن توفير تقييم دقيق للعواقب الصحية لمثل هذا القصف من أمراض تنفسية وسرطانات ووفيات مبكرة خلال السنوات المقبلة.

ذلك أن التجارب السابقة تذكّرنا بأن عدد الذين ماتوا بسبب السرطانات المرتبطة بالغبار بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر تجاوز لاحقاً عدد من قتلوا في الهجمات نفسها.

لقد بدت المشاهد وكأنها نهاية العالم، صور تستحضر ذكريات حرب الخليج الأولى قبل 35 عاماً، حين أشعلت قوات صدام حسين المنسحبة آبار النفط في الكويت، فحوّلت النهار إلى ليل فوق سماء الخليج. 

غير أن ذلك التدمير البيئي وقع في مناطق صحراوية، لا في قلب مدينة يسكنها عشرة ملايين إنسان.

إن الحرب التي تحمل اسم “عملية الغضب الملحمي” هي حرب اختيار لا ضرورة، فقد بدأت باغتيال رأس الدولة الإيرانية علي خامنئي، إلى جانب عشرات المسؤولين الكبار، ثم أعقبتها ضربة مزدوجة على مدرسة للبنات أدت إلى مقتل 165 طالبة.

لكن هذا النوع من الفظائع ليس جديداً في سجل الحروب الأمريكية، ففي حرب الخليج عام 1991 قصفت الولايات المتحدة ملجأً مدنياً في بغداد ما أدى إلى استشهاد نحو 400 طفل وذويهم.

واليوم تتكرر الصورة نفسها: حرب تستهدف المدن الكبرى والسكان المدنيين دون أن يخفي وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ذلك.

بل إنه تحدث بفخر عن غياب أي قواعد اشتباك، واصفاً المشهد بالقول إن القادة الإيرانيين “لن يروا في السماء” سوى القوة الجوية الأمريكية وقوة دولة الاحتلال.

وأضاف: “قاذفات B52 وB2 وB1 والطائرات المسيّرة، تختار الأهداف وترسل الموت والدمار من السماء طوال اليوم”.

في الوقت ذاته يشنّ جيش الاحتلال حرباً واسعة على السكان المدنيين في جنوب لبنان وفي العاصمة بيروت، أدت خلال أسبوع واحد فقط إلى تهجير نحو 700 ألف شخص واستشهاد قرابة 600 إنسان، بينهم 86 طفلاً.

ولو أن إيران أو حزب الله تسببوا بمثل هذا الدمار والقتل، لاهتزت وسائل الإعلام الغربية غضباً، لكن قصف دولة الاحتلال المتواصل يُقدَّم باعتباره مجرد “عمليات عسكرية”، تماماً كما جرى تبرير حرب الإبادة التي شنتها على غزة.

“سنربح أموالاً طائلة”

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أنه أنهى سبع حروب خلال عامه الأول في السلطة، وأسس ما أسماه “مجلس السلام” الذي قال إنه سيجلب السلام للعالم.

لكن الحقيقة مختلفة تماماً، فحرب الإبادة في غزة لم تتوقف في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كما أن الحرب على لبنان لم تنته مع وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

والآن انضم ترامب إلى رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو في حرب غير مبررة على إيران، وهي الحرب التي كان نتنياهو يخطط لها منذ عقود، وقد وجد أخيراً رئيساً أمريكياً مستعداً لتنفيذ ما يطلبه بالكامل.

ولعل كلمات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام تكشف بوضوح الدوافع الحقيقية للحرب، إذ قال هذا الأسبوع: “عندما يسقط هذا النظام سنحصل على شرق أوسط جديد، وسنجني أموالاً طائلة”. 

وأضاف: “فنزويلا وإيران تملكان 31% من احتياطي النفط العالمي، وسنقيم شراكة مع هذا الاحتياطي، سيكون ذلك كابوساً للصين، إنه استثمار رائع”.

تكشف هذه التصريحات أن اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، والحرب على إيران، جزء من استراتيجية تهدف إلى السيطرة على إمدادات النفط العالمية وحرمان الصين منها باعتبارها الخصم الأكبر لواشنطن.

إبستين 

السياق الداخلي الأمريكي الذي سبق اندلاع هذه الحرب يمكن تلخيصه بكلمة واحدة تلخص المشهد هي إبستين.

فاسم ترامب يتكرر كثيراً في ملفات رجل الأعمال جيفري إبستين، بحسب أعضاء في الكونغرس اطلعوا عليها.

وقد أطلق ترامب الحرب في الأسبوع نفسه الذي كُشفت فيه شهادات كانت محجوبة سابقاً لامرأة قالت إن ترامب وإبستين اعتديا عليها جنسياً عندما كانت قاصراً، وينفي ترامب جميع هذه الاتهامات.

لكن الواقع أن الرئيس الأمريكي يقود بلاده وهو مثقل بفضيحة تهدد مستقبله السياسي، وتُظهر استطلاعات الرأي تراجع شعبيته بصورة حادة.

وقد يدفع هذا الضعف ترامب إلى قرارات أكثر تهوراً، بلغت ذروتها في هذه الحرب التي تشبه في نظر كثيرين الغزو الروسي لأوكرانيا.

فكما كان هدف موسكو تغيير النظام في كييف، فإن هدف هذه الحرب أيضاً هو تغيير النظام في إيران، وهي خطوة أدت بالفعل إلى زعزعة النظام الدولي.

لكن ترامب، بخلاف فلاديمير بوتين، يواجه ضغوط الانتخابات النصفية المقبلة، ولا يستطيع تجاهل كلفة إرسال الجنود الأمريكيين إلى ساحات القتال.

وإذا نظرنا إلى خريطة العالم سنجد قوساً من الحروب يمتد من السودان على الساحل الشرقي لإفريقيا، مروراً بمضيق باب المندب واليمن، ثم دول الخليج وإيران، وصولاً إلى فلسطين المحتلة ولبنان وغزة، ثم شمالاً إلى البحر الأسود وروسيا وأوكرانيا.

وفي الشرق، أغرقت طوربيدات أمريكية سفينة إيرانية قبالة سواحل سريلانكا، على بعد آلاف الكيلومترات من ساحة الحرب. 

أما في نصف الكرة الغربي، فتخضع كوبا لحصار أمريكي خانق.

لقد توسعت الحروب التي خاضتها دولة الاحتلال والولايات المتحدة منذ السابع من أكتوبر 2023 لتشمل المنطقة والعالم، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت النفط والغاز في الخليج.

ورغم نفي روسيا تزويد إيران بمعلومات استخباراتية لدعم ضرباتها الصاروخية، فإن أوكرانيا ترسل خبراء إلى دول الخليج لمساعدتها على إسقاط طائرات “شاهد” الإيرانية المسيرة.

ويرى بعض المحللين مثل أستاذ جامعة كولومبيا جيفري ساكس أن هذا التصعيد قد يكون بداية مبكرة لحرب عالمية ثالثة.

لا مخرج واضح

كيف ستنتهي هذه الحرب؟ لا أحد يعرف، لكن المسؤولين الإيرانيين يبدون ثقة لافتة بأن الولايات المتحدة بدأت حرباً لن تستطيع إنهاءها.

فقد قال قادة في الجيش والحرس الثوري إنهم مستعدون لحرب استنزاف طويلة، مشيرين إلى امتلاكهم مخزونات كافية لقتال يمتد عشر سنوات.

وفي عام 2003 احتاج جورج بوش شهرين فقط ليعلن “إنجاز المهمة” في العراق، لكن ذلك الإعلان كان وهماً، إذ استمرت الحرب سنوات طويلة بعد اعتقال صدام حسين، مخلفة مئات آلاف القتلى.

واليوم يكرر ترامب الادعاء نفسه، قائلاً إن الحرب على إيران تقترب من نهايتها، وهو ادعاء لا يقل تضليلاً.

كما استغرقت حملة الناتو الجوية في ليبيا عام 2011 سبعة أشهر قبل مقتل معمر القذافي، ويومها قالت هيلاري كلينتون ساخرة: “جئنا، رأينا، مات”.

لكن ليبيا غرقت بعد ذلك في حرب أهلية وانقسام سياسي دام سنوات طويلة، ولم تبدأ شركات النفط الأمريكية والفرنسية في توقيع صفقات استخراج النفط بقيمة 20 مليار دولار إلا بعد خمسة عشر عاماً.

قد يحدث تغيير في النظام فعلاً، لكن لإنهاء هذا الصراع المتوسع، فإن الأنظمة التي ينبغي أن تسقط ليست في طهران، بل في واشنطن وتل أبيب.

فالجمهورية الإسلامية ليست عراق صدام حسين ولا ليبيا القذافي، وهما نظامان كانا يتمحوران حول عائلة حاكمة. 

أما إيران فهي دولة عميقة المؤسسات يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، ويمكنها الاستمرار رغم اغتيال قائدها الأعلى.

كان نتنياهو وترامب يعتقدان أن النظام الإيراني سينهار فور مقتل خامنئي، وأن الشعب سيخرج إلى الشوارع لإسقاط حكامه، كما رُوِّج قبل غزو العراق قبل 23 عاماً، لكن هذه الحسابات غالباً ما تكون أوهاماً.

فحروب تغيير الأنظمة غالباً ما تتحول إلى صراعات طويلة ووحشية تفجر التوترات العرقية والطائفية وتدمر مؤسسات الدولة.

وهذا بالضبط ما ترغب دولة الاحتلال في رؤيته داخل إيران، أما الولايات المتحدة فترغب أساساً في النفط.

أزمة داخلية في واشنطن

وهذا ترامب نفسه يواجه أزمة سياسية عميقة، فمن المتوقع أن يحقق الديمقراطيون المناهضون للحرب تقدماً في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني رغم أن الحزبين الرئيسيين لا يزالان يشكلان ما يشبه احتكاراً سياسياً مؤيداً للحروب.

ومع فضيحة إبستين وتداعيات هذه الحرب الكارثية، يبدو من الصعب تصور أن ترامب سيكمل ولايته الثانية.

لكن البديل المحتمل الرئيس جيه دي فانس ليس خياراً مطمئناً أيضاً.

أما في دولة الاحتلال، فإن الوضع مختلف تماماً، فنتنياهو يتمتع بدعم ثلاثة أرباع الإسرائيليين في حروبه ضد غزة ولبنان وإيران وربما جبهات أخرى.

لقد دخل المجتمع الإسرائيلي في حالة حمى حرب مسيانية.

إن السبيل الوحيد لوقف اندفاع دولة الاحتلال نحو الهيمنة الإقليمية هو قطع الدعم الأمريكي عنها، وهو أمر قد يحدث إذا تصاعد غضب الرأي العام الأمريكي من سيطرة ما يسميه البعض “نخبة إبستين المرتبطة بإسرائيل” على السياسة الأمريكية.

أو ربما يتوقف ذلك فقط إذا تعرضت دولة الاحتلال لهزيمة كارثية.

القائد الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، لديه دوافع شخصية قوية للانتقام، فقد قُتل والده وزوجته زهراء عادل ووالدته وابنه وشقيقته في الهجوم الأخير.

ولهذا لم تعد إيران تسعى لتجنب الصراع، بل أصبحت تهدف إلى توجيه ضربة حاسمة لخصومها.

كما قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: “يرى الكيان الصهيوني بقاءه الدنيء في استمرار دورة الحرب ثم التفاوض ثم وقف إطلاق النار ثم الحرب مجدداً لترسيخ هيمنته، ونحن سنكسر هذه الدورة”.

يبقى السؤال المفتوح: أي تغيير للنظام سيحدث أولاً؟ وكم من الدماء والثروات سيدفع ثمنه العالم قبل أن يتضح الجواب.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا )

مقالات ذات صلة