حرب إيران: المعركة التي قد تعيد رسم مستقبل الخليج

بقلم نيلسون وونغ

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

في الوقت الذي يقف فيه الشرق الأوسط على حافة انفجار أوسع، تبدو العناوين اليومية التي تركز على الصواريخ والطائرات المسيّرة وأعداد القتلى وكأنها ترصد فصول المأساة الآنية، لكنها تُخفي خلفها قصة أعمق وأكثر خطورة. فالتصعيد الجاري بين إيران ودولة الاحتلال والولايات المتحدة ليس مجرد فصل جديد في صراع إقليمي ممتد لعقود، بل هو اختبار قاسٍ لمنظومة النظام الدولي برمتها، وامتحان حقيقي لفاعلية ميثاق الأمم المتحدة نفسه. أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن الرهانات تبدو أكثر وجودية.

ذلك أن المشكلة المركزية التي يطرحها هذا الصراع لا تقتصر على المخاطر الأمنية المباشرة الناتجة عن وقوع هذه الدول في قلب النيران المتقاطعة، بل تمتد إلى كلفة استراتيجية صامتة.

تتجلى هذه الكلفة في خسارة فرصة تاريخية لتحويل المنطقة إلى مركز دائم للبنية التحتية العالمية والتمويل والتكنولوجيا، ولنبدأ أولاً بالبُعد القانوني والمنهجي، لأنه الإطار الذي يحدد كل ما يليه.

حين أطلقت إيران ردها على العدوان، صرّح سفيرها لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، بأن بلاده ترد على حرب تُشن ضد ميثاق الأمم المتحدة ذاته.

ولم يكن هذا الطرح بلا أساس، فالميثاق، الذي وُضع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يقوم على مبدأ جوهري: حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول ذات السيادة.

وعندما تستهدف دولة ما مقار دبلوماسية لدولة أخرى كما فعلت دولة الاحتلال حين قصفت القنصلية الإيرانية في دمشق عام 2024 فإنها تقوّض الأساس الذي يقوم عليه النظام الدولي لما بعد عام 1945. وعندما يتبع ذلك بمزيد من العمليات العسكرية، فإن ركيزة الحوكمة العالمية تبدأ بالتآكل.

في جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي عُقدت عقب الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، دعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى خفض التصعيد، لكن كلماته بدت باهتة أمام دوي الانفجارات.

كان الانقسام واضحاً: الولايات المتحدة ودولة الاحتلال بررتا تحركاتهما باعتبارها ضرورة وجودية، في حين أدانت روسيا والصين انتهاكات السيادة، مع الحفاظ على غموض استراتيجي حال دون التدخل المباشر، رغم أن دعوات المبعوث الصيني لخفض التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات لاقت ترحيباً واضحاً لدى دول الخليج.

عالم بلا قواعد

ما نشهده اليوم ليس مجرد انهيار للقواعد، بل نقاش عميق حول ما إذا كانت هذه القواعد لا تزال قائمة أصلاً.

فهل نحن أمام مرحلة إعادة تشكيل تُعيد فيها القوى الكبرى صياغة قواعد الاشتباك؟ أم أننا نعيش مرحلة تآكل، حيث تتلاشى القواعد ليبقى فقط قانون القوة؟

بالنسبة للدول الأصغر، بما في ذلك دول الخليج رغم ثرائها ونفوذها، فإن هذا الغموض يمثل كابوساً حقيقياً، ففي عالم بلا قواعد، يفعل الأقوياء ما يشاؤون، بينما يتحمل الضعفاء ما يُفرض عليهم. ودول الخليج، رغم أنها ليست ضعيفة، إلا أنها مكشوفة بشكل بالغ الحساسية، فهي تتربع فوق أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، وتتحكم في أهم طرق التجارة العالمية، لكنها في الوقت نفسه عرضة لأي اضطراب.

وخلال العقد الماضي، شهد الخليج تحولاً جذرياً، إذ لم تعد مدن مثل دبي والرياض والدوحة مجرد محطات نفطية، بل تحولت إلى منصات عالمية متكاملة.

فقد بنت مراكز مالية تنافس لندن ونيويورك، وشيدت ممرات لوجستية تربط أوروبا بآسيا وأفريقيا، واستقطبت بنية تحتية رقمية متقدمة تشمل مراكز بيانات ضخمة، ومراكز أبحاث الذكاء الاصطناعي، وشبكات الألياف الضوئية التي ستقود الثورة الصناعية المقبلة.

وقد استثمرت شركات تكنولوجيا كبرى مليارات الدولارات في هذه الرؤية، حيث التزمت مايكروسوفت بضخ 15.2 مليار دولار في الإمارات، واستثمرت خدمات أمازون السحابية 5.3 مليار دولار في السعودية. 

هذه ليست رهانات مؤقتة، بل استثمارات طويلة الأمد تقوم على الاستقرار والقدرة على التنبؤ وسيادة القانون. لكن أي صراع عسكري طويل في الخليج لا يهدد ناقلات النفط فحسب، بل يهدد هذه الاستثمارات أيضاً. 

فمراكز البيانات أصول مادية تحتاج إلى طاقة مستقرة وسلاسل إمداد آمنة وثقة المستثمرين الذين لن يضعوا خوادمهم في منطقة حرب.

ومع ارتفاع تكاليف الشحن وفرض شركات النقل رسوماً إضافية تحت بند “مخاطر الحرب”، تصبح الرسالة واضحة لرأس المال العالمي: هذه المنطقة لم تعد خياراً آمناً.

وقد وثّق اتحاد غرف دول مجلس التعاون بالفعل اضطرابات كبيرة: فرضت شركات الشحن الجوي رسوماً طارئة، وأعادت شركات الشحن البحري توجيه مساراتها، فيما يسارع القطاع الخاص إلى تفعيل طرق برية بديلة وتسريع مشاريع طال انتظارها مثل سكة حديد الخليج.

لكن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، تعكس حقيقة خطيرة: البحر، شريان التجارة الحيوي، لم يعد آمناً.

استراتيجية الاستنزاف

ما يحدث ليس صدفة، بل هو جزء من استراتيجية، فقد تحول الصراع من مواجهة عسكرية تقليدية إلى ما يُعرف بـ”الاستنزاف التشغيلي التدريجي”، والهدف لم يعد احتلال الأراضي أو تدمير الجيوش، بل إحداث تعطيل مستمر.

لقد أظهرت إيران قدرتها على رفع كلفة المواجهة دون الدخول في مواجهة مباشرة، فالهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ والعمليات السيبرانية منخفضة التكلفة نسبياً، لكنها عالية التأثير.

ولا تستهدف هذه الهجمات القواعد العسكرية فقط، بل تستهدف ثلاثة من أعمدة الازدهار في الخليج: الطاقة، واللوجستيات، والاتصالات.

وكل هجوم على مطار مدني، وكل اضطراب في حركة الملاحة الجوية، وكل ارتفاع في أقساط التأمين، هو مؤشر جديد يقرأه المستثمرون. 

إنهم لا يسألون إن كان الهجوم ناجحاً عسكرياً، بل إن كان رأس المال آمناً، وعندما تصبح الإجابة غير واضحة، تبدأ الأموال بالرحيل، ويتبعها رأس المال البشري، وهكذا تُبنى بنية المستقبل في مكان آخر.

ولا يمكن استبعاد أن يكون هذا السيناريو متوقعاً منذ البداية لدى بعض الأطراف، فالتنافس الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين لا يُخاض فقط بالجغرافيا والقوة العسكرية، بل أيضاً بإعادة توجيه تدفقات رأس المال ومسارات البنية التحتية والنظم التكنولوجية.

إذ لا يمكن لمنطقة تغرق في الصراع أن تكون مركزاً للذكاء الاصطناعي، ومضيق مهدد بالألغام لا يمكن أن يكون شريان الطاقة العالمي، ودولة تعيش في حالة حرب دائمة لا يمكن أن تجذب العقول المبدعة.

وفي حال أصبح الخليج غير صالح لاحتضان صناعات المستقبل، فإن ذلك يُعد انتصاراً استراتيجياً لمن يسعون إلى تقليص دوره، سواء تحقق ذلك بالصواريخ أو بقوى السوق.

تحالفات مكلفة

وفي موقع دول الخليج تكمن مفارقة مؤلمة، فعلى مدى عقود، استندت استراتيجيتها الأمنية إلى معادلة بسيطة: التحالف مع الولايات المتحدة، ومن هنا أخذت القواعد العسكرية الأميركية، وصفقات السلاح، والضمانات الأمنية تُفترض أن توفر الردع والاستقرار.

لكن هذا التحالف نفسه أصبح مصدراً رئيسياً للمخاطر، فقد استهدفت إيران اللمنشآت الأميركية، ومعها بنى تحتية داخل دول الخليج، والرسالة واضحة: من يستضيف القوة الأميركية، يتحمل تبعاتها.

وعندما تقرر الولايات المتحدة التحرك، سواء دفاعاً عن دولة الاحتلال أو لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، فإنها لا تنتظر موافقة شركائها، بل يُفترض أن يتحمل هؤلاء الشركاء الكلفة.

وبالنسبة لقادة الخليج، الذين أكدوا مراراً أن “هذه ليست حربنا”، يبدو الوضع بالغ التعقيد، لقد أمضوا سنوات في بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، والحفاظ على قنوات مع طهران بالتوازي مع التعاون مع واشنطن، والسعي لتحصين اقتصاداتهم من عواصف السياسة.

غير أنهم اليوم يجدون أنفسهم رهائن لصراع لم يختاروه، تُحدد مساراته حسابات استراتيجية تُتخذ على بعد آلاف الأميال.

نافذة تضيق

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إلحاحاً: النافذة المتاحة أمام الخليج لترسيخ مكانته كمركز عالمي مفتوحة الآن، لكنها لن تبقى كذلك إلى الأبد.

فالاقتصاد العالمي يشهد تحولات كبرى: إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، تسارع التحول في الطاقة، وتصاعد المنافسة على الذكاء الاصطناعي، والدول التي ستنجح هي تلك التي توفر بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ وجاذبة للاستثمار.

كل أسبوع يستمر فيه هذا الصراع وكل تصعيد يهدد مضيق هرمز، وكل صاروخ يسقط قرب مطار مدني يرسل إشارة سلبية إلى العالم.

المستثمرون لا يتعاملون مع الأمل، بل مع المخاطر، وعندما ترتفع المخاطر، يبحثون عن بدائل: جنوب شرق آسيا، أميركا اللاتينية، أوروبا.

إنهم يبنون مراكز بياناتهم حيث الخطر الوحيد هو انقطاع الكهرباء، لا هجوم بطائرة مسيّرة، لذلك، فإن منع التصعيد واستعادة المسار الدبلوماسي ليس مجرد ضرورة سياسية، بل سياسة صناعية بامتياز، وشرط لحماية دور الخليج في الاقتصاد العالمي القادم.

لقد حققت دول الخليج تقدماً هائلاً في تنويع اقتصاداتها وبناء مستقبلها، وهي تمتلك الرؤية ورأس المال والإرادة، لكنها لا تستطيع بناء هذا المستقبل وحدها.

إنها بحاجة إلى ثقة العالم، والعالم لن يثق بمنطقة تعيش على وقع الحرب، لهذا، على جميع الأطراف في واشنطن وطهران وتل أبيب ودول الخليج أن تدرك حجم المخاطر.

هذه ليست لعبة محصلتها صفر، الحرب مع إيران ليست حرباً ينتصر فيها أحد، إنها حرب يخسر فيها الخليج شيئاً أثمن من أي مكسب ميداني ألا وهو مستقبله.

ينبغي للحظة خفض التصعيد أن لا تحل الأسبوع المقبل، ولا بعد جولة جديدة من الردود، بل الآن، لأن النافذة تضيق، وإذا أُغلقت، فلن تفتحها ثروات النفط ولا القوة العسكرية.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة