بقلم محمد المصري
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
تبدو المبالغة في توصيف حجم المغامرة التي خاضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حربه على إيران شديدة الصعوبة، فعلى خلاف ما يروّج له، لم تُفضِ قراراته إلى نصر أو حتى توازن، بل أنتجت كارثة مكتملة الأركان.
ففي لحظة واحدة، قوّض ترامب صورته السياسية التي طالما بناها، وعزّز صلابة الموقف الإيراني، وخلق انقساماً داخل قاعدته الشعبية، ودفع الاقتصاد العالمي نحو حافة أزمة خطيرة.
ولعلّ أكثر ما كشفته الأسابيع الماضية إثارة للدهشة، أن رئيساً طالما قدّم نفسه بوصفه زعيماً قوياً يتبنى شعار “أميركا أولاً”، بات يسمح لدولة صغيرة نسبياً كدولة الاحتلال بتوجيه ملامح أساسية من السياسة الخارجية الأميركية.
وغالباً ما جرى التعامل مع الحديث عن نفوذ دولة الاحتلال في السياسة الأميركية باعتباره من قبيل المبالغات أو نظريات المؤامرة، لكن مجريات الحرب على إيران جعلت هذا التأثير أكثر وضوحاً وجعلت إنكاره أكثر صعوبة.
ففي اليوم الثالث من الحرب، أقرّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بما كان محلّ ترجيح لدى كثير من المحللين بأن دولة الاحتلال هي التي دفعت واشنطن نحو المواجهة.
وكان قرار الدخول في حرب هجومية واسعة دون تفويض من مجلس الأمن الدولي أو حتى موافقة الكونغرس الأميركي، محفوفاً بالمخاطر منذ البداية، غير أن الأخطر تمثّل في أن هذا القرار جاء في سابقة لافتة تحت ضغط دولة أصغر جغرافياً من معظم الولايات الأميركية.
ولم يقتصر دور دولة الاحتلال على الدفع نحو الحرب، بل بدا أنها تملي أيضاً سياسات إدارتها وتوجهاتها، فبالنسبة لرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، شكّلت الحرب على إيران حلماً قديماً، حرباً كبرى يمكن أن تفتح الطريق أمام هيمنة إقليمية، وهو الذي أمضى سنوات طويلة يضغط على الإدارات الأميركية المتعاقبة لخوض هذه الحرب نيابة عنه.
ويبدو أن ترامب كان أول رئيس يقع في الفخ الذي حاول نتنياهو نصبه مراراً، حين لوّح بإمكانية شن هجوم على إيران سواء بدعم أميركي أو بدونه، مع تحذير ضمني من أن أي رد إيراني سيستهدف المصالح الأميركية في المنطقة.
وفي 18 مارس/آذار، شنّت دولة الاحتلال هجوماً على حقل جنوب فارس للغاز، ما استدعى رداً إيرانياً متوقعاً استهدف بنية الطاقة في الخليج، لتدخل أسواق الطاقة العالمية في حالة اضطراب حاد.
وقد ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات أعلى بعد هذا التصعيد، وهي التي كانت قد زادت أساساً بنسبة 40% منذ بداية الحرب.
انقسام داخلي
لم يكن مفاجئاً أن يؤدي انخراط ترامب في الحرب خلف نتنياهو إلى انقسام داخل قاعدته السياسية، ذلك أن شخصيات بارزة من التيار المؤيد له، مثل تاكر كارلسون وكانديس أوينز ومارجوري تايلور غرين وميغين كيلي ومات والش ونيك فوينتس وغيرهم، وجّهوا انتقادات علنية لقراره خوض الحرب، وهو ما قد يهدد فرص الجمهوريين في الانتخابات المقبلة.
ورغم أن نحو 80% من الجمهوريين يؤيدون الحرب، فإن هذه النسبة تبقى أقل من نسب التأييد التي حظيت بها حروب سابقة قادها رؤساء جمهوريون، ما يعكس تراجع الحماسة.
إلى جانب ذلك، يواجه ترامب أزمة صورة حقيقية، فقد بدت إدارته خلال الحرب مرتبكة وغير مستعدة، وقدّمت تفسيرات متضاربة ومتعددة لسبب خوض الحرب، بل إن ترامب نفسه قال في لحظة لافتة: “ربما لا ينبغي أن نكون هناك أصلاً”، ما أثار انتقادات إضافية.
وفي 14 مارس/آذار، وبعد استهداف جزيرة خرج الإيرانية الغنية بالنفط، أثار ترامب موجة غضب جديدة عندما لمح إلى إمكانية ضرب الجزيرة مجدداً “لمجرد التسلية”.
لكن المشكلة لم تقتصر على التصريحات، إذ بدا ترامب أيضاً غير مدرك لتبعات الحرب أو حتى لما يجري على الأرض، فقد أبدى دهشته من استهداف إيران للبنية التحتية للطاقة في الخليج، قائلاً إن أحداً لم يتوقع ذلك، رغم أن خبراء كثر حذّروا منه مسبقاً، وهذا القصور في فهم أساسيات الصراع عزّز الانطباع بعدم كفاءته.
وتزداد أزمة ترامب تعقيداً حين توضع مواقفه الحالية في سياق خطابه السابق، فقد دأب لسنوات على تقديم نفسه كرئيس سلام، منتقداً الحروب الأميركية السابقة، وواصفاً حرب العراق بأنها “خطأ كبير”، ومندداً بما أنفقته الولايات المتحدة من تريليونات الدولارات في الشرق الأوسط بدلاً من الاستثمار في الداخل.
وخلال حملته الانتخابية الأخيرة، قدّم نفسه مرشحاً مناهضاً للحروب، وتعهد بإنهاء النزاعات لا إشعالها، لكن الحرب الحالية لا تمثل مجرد خرق لوعد انتخابي، بل تكشف عن تناقض جوهري بين خطاب ترامب وممارساته.
تراجع أمريكي وهيمنة إيرانية
في المقابل، بدا ترامب ضعيفاً أمام إغلاق إيران لمضيق هرمز، الشريان الحيوي للتجارة العالمية، حيث طالب حلفاءَ واشنطن في حلف شمال الأطلسي والصين بالمساعدة في تأمين الممر، ولوّح بعواقب وخيمة في حال رفضوا، لكن الردود جاءت سلبية.
وفي خطاب متخبّط، جمع ترامب بين الشكوى من غياب الدعم والتأكيد على أن بلاده لا تحتاج إلى أحد، ثم صعّد بإصدار إنذار لإيران بفتح المضيق خلال 48 ساعة، مهدداً بضرب منشآت الطاقة، قبل أن يتراجع لاحقاً تحت وطأة التهديد بالرد الإيراني.
ورغم ادعائه وجود تواصل مع طهران، نفت القيادة الإيرانية ذلك، ما أظهره بمظهر الساعي للخروج من أزمة صنعها بنفسه.
واليوم، يبدو أن قرار الحرب ارتدّ على ترامب، الذي يبحث عن مخرج، غير أن الوقت لا يعمل لصالحه، إذ تسعى إيران إلى إطالة أمد الصراع لإلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر، بما يردع أي هجوم مستقبلي.
وحتى لو انسحب ترامب من المعركة الآن، فلن يكون من السهل إقناع أحد بأنه حقق نصراً، خاصة أن النظام الإيراني ما زال قائماً وأكثر صلابة.
أما إذا استمر في القتال، فإنه يخاطر بتحول الحرب إلى مستنقع أعمق، فالحرب خلّفت بالفعل آلاف الضحايا، ودماراً واسعاً، وأزمة اقتصادية متفاقمة، مع مخاطر أكبر إذا طال أمدها.
وقد تكبّدت دول الخليج خسائر فادحة، إذ أعلنت قطر وحدها عن فقدان 20 مليار دولار سنوياً نتيجة استهداف منشآتها للغاز، بينما لحقت أضرار مماثلة بدول أخرى.
كما تعرّض لبنان لدمار كبير، بعد انخراط “حزب الله” في الحرب دعماً لإيران، في وقت استغل فيه جيش الاحتلال التصعيد لتوسيع نفوذه، ضمن مشاريع أوسع في المنطقة.
وعلى نحو مفارق، يبدو أن الحرب زادت من حدة المشكلة التي يفترض أنها جاءت لمعالجتها، إذ باتت إيران أكثر اقتناعاً بضرورة تعزيز قدراتها الردعية، وربما السعي لامتلاك سلاح نووي.
كما تضررت علاقات طهران مع دول الخليج بشكل عميق، في وقت باتت فيه الولايات المتحدة عاجزة عن إقناع حلفائها بأن وجودها العسكري يوفر الأمن لا الخطر.
في السابق، وصف ترامب حروب الشرق الأوسط بأنها “جنون”، لكن حربه على إيران قد تكون الأكثر جنوناً بينها جميعاً.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







