حرب إيران: النسخة الأخطر من كارثة العراق

بقلم ديفيد هيرست

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني، تتصاعد أصوات داخل دوائر الاستخبارات في الولايات المتحدة ودولة الاحتلال معلنة بشكل متزايد اعتراضها على المشروع برمّته.

ومع هذا التصدّع الداخلي، بدأت تتكشف تفاصيل جديدة حول قرار شن الهجوم في فبراير/شباط، وهو قرار لم يكن آنذاك كما هو اليوم مرتبطاً بأي مسار تفاوضي حقيقي مع طهران في مسقط أو جنيف.

ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يروّج لوجود اتصالات مع إيران، وهو ادعاء رفضه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف واعتبره “أخباراً كاذبة”، كانت بيانات حركة الطيران تكشف عن واقع مختلف تماماً.

لقد جرى نقل أعداد كبيرة من القوات الأميركية إلى دولة الاحتلال والأردن، في خطوة بدت تمهيداً لعملية برية وتوسيع رقعة الحرب.

ولم يكن العامل الحاسم في قرار الحرب دبلوماسياً، بل استخبارياً، وتحديداً استناداً إلى تقرير تبيّن لاحقاً أنه خاطئ بالكامل. 

هذا التقرير أعدّه مدير جهاز الموساد ديفيد برنياع، وقدّم فيه لرئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو تقديراً بالغ الثقة، مفاده أن الجهاز يمتلك نفوذاً واسعاً داخل إيران، يسمح له بتحفيز قوى المعارضة لإسقاط النظام بمجرد بدء الغارات الجوية.

ووفق التحليل، فإن هذه الثقة تعكس دوراً محتملاً للموساد في تحويل احتجاجات اقتصادية في طهران إلى تمرّد مسلح قُتل خلاله آلاف المتظاهرين. 

وقد شكّلت هذه الوعود حجر الأساس في إقناع نتنياهو للرئيس الأميركي بأن الجمهورية الإسلامية ضعيفة إلى حد الانهيار، وأن “دفعة أخيرة” كفيلة بإسقاطها.

ورغم أن أجهزة استخبارات منافسة داخل الولايات المتحدة ودولة الاحتلال شككت في هذه التقديرات، إلا أن ترامب تبنّاها، في قرار يعكس مرة أخرى خطورة الاعتماد على تقارير استخبارية مسيّسة.

لكن الواقع سرعان ما فرض نفسه، فقد بدأت إيران الرد بعد أقل من ساعة على الغارة الجوية الأولى التي أسفرت عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وإصابة نجله مجتبى، إضافة إلى إزهاق أرواح أكثر من أربعين من كبار القادة العسكريين، ولم يتوقف الرد منذ ذلك الحين.

حرب غير متكافئة لا تستثني أحداً

لقد أوفت إيران بوعودها، ووسّعت نطاق المواجهة لتشمل دولة الاحتلال، والقواعد الأميركية، وناقلات النفط، ومنشآت الطاقة، بل وسعت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى شللٍ طال نحو خُمس تجارة النفط والغاز في العالم.

وبعد أربعة أسابيع من القتال، لا تبدو إيران أقل قدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة مقارنة بالساعات الأولى للحرب، صحيح أنها تلقت ضربات قاسية، وفقدت أجزاءً من قواتها البحرية، ومراكز قيادتها، وقدراتها الجوية والدفاعية، لكن الدولة ككل ما تزال تقاتل وتدافع عن نفسها.

وكما وعدت طهران، جاء ردها “غير متكافئ”، ليس من حيث الوسائل فحسب، بل من حيث توسيع رقعة الحرب جغرافياً، بحيث لم يعد هناك طرف قادر على الوقوف متفرجاً أو البقاء خارج دائرة النار.

في هذا السياق، يجد ترامب ونتنياهو نفسيهما أمام حرب إقليمية مفتوحة، يصعب احتواؤها أو إنهاؤها، إذ تشير تقديرات أكاديمية إلى أن الحروب التي أعقبت قرارات الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق في مطلع الألفية أودت بحياة نحو 4.7 ملايين إنسان، بشكل مباشر وغير مباشر.

وإذا كانت هذه الأرقام مرعبة، فإن ما قد تؤول إليه الحرب على إيران، خصوصاً إذا تحولت إلى اجتياح بري، قد يكون أكثر اتساعاً وخطورة.

كل ذلك يعيد إلى الأذهان مشهداً مألوفاً وهو ما حدث حين قررت الولايات المتحدة وبريطانيا غزو العراق عام 2003، لكن هذه المرة، لا يبدو أن التاريخ يكرر نفسه فقط، بل يضخّم نتائجه ويضاعف كلفته.

ولفهم هذا التشابه، لا بد من العودة إلى أحد أبرز الشهود على تلك المرحلة، محمد البرادعي، الذي ترأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية لثلاث ولايات متتالية، وكان إلى جانب كبير مفتشي الأسلحة في الأمم المتحدة حينها هانس بليكس، قد عاشا عن قرب لحظة بناء ملف استخباري مضلل حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.

واليوم، يرى البرادعي أن ما يحدث في إيران يعكس تشابهاً مقلقاً مع تلك المرحلة، حيث يقول: “لقد مررنا بتجربة قاسية، حين شهدنا خداعاً كاملاً، كنا على الأرض، ولم نرَ أي برنامج نووي أو كيميائي أو بيولوجي في العراق، ومع ذلك، استمرت الإدارة الأميركية في تقديم عروض استعراضية أمام مجلس الأمن”.

ويضيف: “ذهبوا إلى الحرب، دمّروا بلداً، قُتل مئات الآلاف من المدنيين بسبب نقص الدواء والغذاء، ثم قالوا لاحقاً: لم يكن هناك شيء، وعندما أسمع اليوم حديث ترامب عن أن إيران على بعد أسبوعين من امتلاك سلاح نووي، أشعر بالإحباط لأنني أعرف ما يعنيه ذلك: مزيد من الضحايا الأبرياء”.

حين يُهمَّش القانون وتُعاد صياغة العالم بالقوة

لم يكن تحذير محمد البرادعي محصوراً في استعادة الماضي، بل امتد إلى قراءة الحاضر بكل ما يحمله من انزلاق خطير. 

فالرجل، الذي أمضى عقوداً في الدفاع عن منظومة القانون الدولي، يرى أن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد تكرار الأخطاء، إنه انهيار للمرجعيات التي حكمت العالم لعقود.

ورغم انتقاده الحاد، لم يخلُ موقفه من بعض المفارقات، فقد أبدى دعماً لتصريحات المدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الذي أشار إلى أن إيران قادرة على استئناف تخصيب اليورانيوم خلال أشهر، في تناقض مع رواية الرئيس الأميركي الذي ادعى تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل.

يقول البرادعي: “أن تكون موضوعياً في بيئة منحازة أمر بالغ الصعوبة، الجميع يريد قراءة الأدلة بما يخدم موقفه، غروسي لم يقل إن هناك برنامجاً منظماً لصناعة سلاح نووي، المشكلة ليست في الوكالة، بل في مجلس الأمن الذي أصبح مشلولاً بالكامل”.

ويستحضر البرادعي أيضاً علاقته بعلي لاريجاني، أحد أبرز المسؤولين الإيرانيين الذين قضوا في غارة لجيش الاحتلال هذا الشهر، قائلاً: “لقد كان من الأشخاص الجيدين، كان يفهم القضايا بعمق، ويدرك ما يريد الوصول إليه، لقد خسرنا وسيطاً مهماً”.

غير أن ما بعد غزة، بل وقبلها، جعل من اغتيال السياسيين والمفاوضين والمفكرين والصحفيين أمراً عادياً في منطق الحروب، لم تعد هذه الاستهدافات استثناءً، بل تحولت إلى أداة ضمن أدوات الحرب الحديثة، حيث يُعاد تعريف كل الخطوط الحمراء.

من كسر الدول إلى إعادة تشكيل الأقاليم

أخطر ما يطرحه البرادعي لا يتعلق فقط بتكرار التاريخ، بل بتضخيمه، فالإدارات الأميركية السابقة، رغم كل ما ارتكبته، كانت تحاول، ولو شكلياً، تغطية أفعالها بإطار من القانون الدولي، أما اليوم، فلا يبدو أن هناك أي محاولة حتى لاختلاق هذا الغطاء.

بالنسبة للرئيس الأميركي، لا وجود فعلياً للقانون الدولي، والأمم المتحدة ليست سوى منصة شكلية، تُستخدم أحياناً للسخرية أو الإحراج، لا لصياغة قرارات ملزمة.

وبالقوة المجردة، لم تعد الولايات المتحدة تسعى فقط إلى إسقاط دول وإعادة تشكيلها، بل إلى إعادة رسم خرائط إقليمية كاملة، متجاهلةً كل القواعد التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

يقول البرادعي: “تلقيت تعليمي وتدريبي في الغرب، وعشت أكثر من نصف حياتي هناك، وكنت أؤمن أن الديمقراطية الغربية، رغم عيوبها، تمثل الطريق الصحيح”.

لكن هذا الإيمان، بحسب قوله، يتآكل اليوم بشكل متسارع، فالدعم الغربي المستمر لدولة الاحتلال، رغم ما خلصت إليه محكمة العدل الدولية من وجود شبهة إبادة في غزة، ورغم مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة بارزين، يكشف عن أزمة عميقة في منظومة القيم الغربية.

ويضيف: “اسأل أي شخص في الجنوب العالمي اليوم سيقول لك إن التحالف الغربي خدعنا، وأن علينا الآن أن نعتمد على أنفسنا، أمنياً واقتصادياً وقيمياً، هل هذا مفيد للعالم؟ إطلاقاً”.

تفكيك النظام الدولي من الداخل

منذ مقابلته مع البرادعي في فيينا، تكشّفت معطيات جديدة تعزز هذا التشخيص القاتم، فقد تبين أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الذي أصدر مذكرات توقيف بحق قادة في دولة الاحتلال، جرى تبرئته من اتهامات سلوكية وُجهت إليه.

ومع ذلك، لا تزال محاولات من بعض الدول مستمرة لمنعه من استئناف عمله، عبر تعطيل التقارير القضائية أو إعادة تفسيرها سياسياً وهو ما يعكس بوضوح مدى الاستعداد لتقويض المؤسسات التي أنشأها الغرب نفسه.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، فالقوى التي صاغت مفهوم القانون الدولي الحديث، وأسست محاكمه بعد الحرب العالمية الثانية، باتت اليوم الأكثر حرصاً على إفراغه من مضمونه، حين يتعارض مع مصالحها.

ولا يقتصر هذا التراجع على العدالة الدولية، فالولايات المتحدة انسحبت من منظمة الصحة العالمية في لحظة كان العالم بأمسّ الحاجة إلى تنسيق دولي لمواجهة الأوبئة، كما تخلت عن اتفاقية باريس للمناخ، في وقت تتفاقم فيه أزمة التغير المناخي.

يقول البرادعي: “هم يحاربون العلم، وعندما تنظر إلى غزة وإيران وأوكرانيا تسأل نفسك: أين مجلس الأمن؟ الجواب ببساطة: غير موجود”.

عالم بلا قواعد وغضب بلا حدود

في شقته بفيينا، بدا الحزن واضحاً في عيني البرادعي وهو يتحدث عن عالم يتفكك أمامه، وراح يقول: “عندما تحطم كل القواعد والتوقعات، ثم تخاطب الناس وتقول لهم: أنتم إرهابيون، ماذا تتوقع؟ عندما يشعر الناس بالظلم والغضب، هل سيجلسون لشرب القهوة معك؟”.

لكن ورغم هذا القلق، يبقى البرادعي على قناعة بأن التغيير قادم، خصوصاً في العالم العربي، حيث قال بثقة: “الربيع العربي لم يمت، ماذا كان يطلب؟ العدالة، التنمية الاقتصادية، الحرية السياسية، هذه المطالب لا تزال غائبة في معظم الدول، صحيح أن زحف الربيع العربي بطيء، لكن أسبابه ما زالت قائمة، خاصة عندما يرى الناس أرضهم تُسلب، ويُعاملون بازدراء، وتطلق النار عليهم”.

بعد حرب العراق، استحضر البرادعي تصريحاً للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما قال فيه: “علينا أن نتعلم كيف نُحسن التصويب عندما نطلق النار”، وعلق عليه بالقول: “على الأقل كان أوباما صريحاً، لكن بعد فوات الأوان، لأن النتيجة كانت ظهور تنظيم الدولة”.

أما اليوم، فنحن أمام قيادة أميركية لا تكلف نفسها حتى عناء التشاور مع المجتمع الدولي قبل خوض الحروب، في ظل هذا النهج لم يعد القانون الدولي موجوداً، وكذلك المعاهدات، بينما تتحول المفاوضات إلى مجرد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من التصعيد.

ويبقى السؤال الأخطر: إلى من سنلجأ حين يطبق خصومنا علينا نفس قواعد الحرب التي نستخدمها اليوم؟ ماذا سنفعل عندما تُقصف مستشفياتنا، ويُغتال مفاوضونا وصحفيونا، ويُوصَفون بالإرهابيين؟

في خضم كل ذلك، تبدو أوروبا غائبة، فاقدة للتأثير، من غزة إلى لبنان، وصولاً إلى إيران، تراجعت إلى هامش الأحداث، في مشهد قد تدفع ثمنه لاحقاً.

فحين تتراجع القوة الأميركية يوماً ما، ستجد أوروبا نفسها في مواجهة عالم بلا قواعد، دون أن تمتلك الأدوات الصلبة لحماية نفسها.

إن السياسات الحالية هي أقرب ما تكون إلى إشعال النار من طرفي الشمعة، وعندما تنطفئ هذه المرحلة، لن يخرج أحد دون أن تترك النار آثارها عليه، والحرب بهذا المعنى لا تدمّر خصوماً فقط، بل تعيد تشكيل العالم كله، وغالباً بثمن يدفعه الأبرياء أولاً.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة