بقلم حميد دباشي
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
في صباحٍ ثقيلٍ على المنطقة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة أطلقت هجوماً واسعاً على إيران، بينما سارع جيش الاحتلال إلى تأكيد أن العملية الأميركية المشتركة معه استهدفت “عشرات المواقع العسكرية” داخل الأراضي الإيرانية.
لقد قال ترامب إن الهدف من الهجوم هو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وإنهاء برنامج إيران النووي، وتهيئة الظروف لتغيير النظام الحاكم.
أما في طهران، فقد دوّت انفجارات ضخمة، وتصاعدت أعمدة الدخان من أحياء يُعتقد أنها تضم مقارّ لمسؤولين كبار، فيما راح ملايين المدنيين يحاولون استيعاب مشهدٍ ينذر بانفجار إقليمي واسع.
وفي الوقت الذي يستيقظ فيه العالم على وقع هذه التطورات، وتتسابق منصات الدعاية إلى إعادة صياغة الحدث كلٌ بما يخدم سرديته، يمكن رصد أربعة عوامل متداخلة ترسم ملامح هذه المواجهة، فيما يقف أكثر من تسعين مليون إنسان، هم تعداد سكان إيران، على حافة مصير مجهول.
عدوان منفلت
يتمثل العامل الأول في القوة العسكرية الأميركية المنفلتة، بقيادة رئيسٍ يواجه أزمات داخلية وخارجية متراكمة، فترامب، رئيس متهور يسعى إلى صرف الأنظار عن إخفاقاته في الداخل، وعن مغامراته الإقليمية، وتعثراته في مواجهة القوى الكبرى، لقد روّج لمفاوضات زائفة مع طهران لكسب الوقت واستكمال الحشد العسكري قبل توجيه الضربة.
أما في الداخل الأميركي، فالحرب على إيران لا تحظى بشعبية واسعة، صحيح أن وسائل الإعلام الكبرى تقوم بتسويقها باعتبارها “حرباً استباقية”، غير أن هذا التوصيف لن ينجح في إخفاء حقيقة ما يجري.
أزمة الداخل الإيراني
العامل الثاني هو الجمهورية الإسلامية نفسها، التي واجهت احتجاجات واسعة في ديسمبر/كانون الأول ومطلع يناير/كانون الثاني، على خلفية أزمة اقتصادية عميقة ومزمنة.
هذه الأزمة هي نتاج عاملين متكاملين: فساد داخلي وسوء إدارة، من جهة، وعقوبات أميركية قاسية خنقت الاقتصاد الإيراني، من جهة أخرى، غير أن الثمن الحقيقي لا يُقاس بصراعات النخب، بل بحياة الملايين من المدنيين المحاصرين داخل وطنهم.
ووفق هذا السيناريو، فإن إيران مهددة بالتحول إلى ساحة حرب أهلية وتفكك عرقي، على غرار ما شهدته سوريا وليبيا، وعليه فقد بات الخليج وما حوله مسرحاً لعدوانٍ يفتقر إلى أي عقلانية سياسية.
دولة الاحتلال… حسابات التوسّع
العامل الثالث يتمثل في دولة الاحتلال التي أصبحت “آلة قتل” في المنطقة، فقد خرجت لتوّها من حرب دامية على الفلسطينيين، وشنّت ضربات عسكرية على لبنان وسوريا واليمن وإيران خلال العام الماضي.
تسعى دولة الاحتلال من خلال هذا التصعيد إلى تحقيق جملة أهداف أهمها تحويل الأنظار عن الإدانات الدولية لجرائمها في فلسطين، وترسيخ مشروعها التوسعي، وتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي، وقد منحها السفير الأميركي لدى تل أبيب، مايك هاكابي ضوءاً أخضر لمزيد من الهيمنة.
لكن ما يلفت النظر هو أن تفكيك إيران إلى كيانات عرقية متناحرة يحتل موقعاً متقدماً في حسابات دولة الاحتلال، وهو ينذر بأن لا يتوقف المشروع عند حدود إيران، بل قد يمتد إلى تركيا وباكستان.
وهم العودة إلى العرش
العامل الرابع هو بقايا السلالة البهلوية، بزعامة رضا بهلوي، التي تحلم بالعودة إلى السلطة بعد نحو نصف قرن على إسقاطها.
تفتقر هذه المجموعة إلى قاعدة شعبية حقيقية داخل إيران، ويشكل تحالفها مع دولة الاحتلال وخطابها المتشدد جزءاً من مشهدٍ يسعى إلى إعادة تشكيل إيران على مقاس قوى خارجية.
ماكينة الدعاية… والرهان على الوعي
ستتنافس هذه العوامل الأربع الهيمنة على الرواية وتقديم نفسها بوصفها صاحبة القضية العادلة، وستتحول وسائل الإعلام الكبرى إلى منصات لترويج الرواية الأميركية–الإسرائيلية، بينما تمتلئ الفضاءات الرقمية بجيوش إلكترونية تسعى إلى توجيه الرأي العام.
في هذا المناخ المشحون علينا أن لا نثق بأي خطاب يصدر عن هذه الآلات الدعائية بل علينا بدلاً من ذلك إعادة تركيز الاهتمام على حياة أكثر من تسعين مليون إنسان، ورثة حضارة عريقة، يجدون أنفسهم اليوم تحت رحمة صراع تتجاوز حساباته حدود إيران.
وعلينا أن ندرك أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران ليست مشروعاً لتحرير الشعب الإيراني، بل محاولة لإخضاعه لشروط الهيمنة الإقليمية وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية استعمارية.
وفي هذا السياق، تبدو بعض القوى الداخلية مستعدة للعب دور الأداة في هذا المشروع، أما الهدف الأبعد، فهو دفع البلاد نحو حرب أهلية، وتكرار سيناريوهات التفكك التي عصفت بدول أخرى، مع ما يرافق ذلك من موجات نزوح جماعي ومحوٍ لخرائط ثقافية وتاريخية عمرها قرون.
قد لا يمتلك ترامب النفس الطويل لحربٍ ممتدة، بينما تمتلك دولة الاحتلال استراتيجية بعيدة المدى لتحقيق مشروعها الإقليمي، وأمام هذا الضجيج الدعائي، فإن علينا تجاوز الانقسامات الأيديولوجية، والتركيز على مصير البشر الذين يجدون أنفسهم عالقين في شبكة من العنف والخداع.
لعل إرادة الشعوب الحرة حول العالم تشكل طوق نجاة لإيران وشعبها، في لحظة تبدو فيها المنطقة على شفا منعطف تاريخي بالغ الخطورة.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







