حين تتحول الحرب إلى استعراض… عقلية القوة في إدارة ترامب

بقلم سميّة الغنوشي

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

خلف المكتب الرئاسي الشهير في المكتب البيضاوي، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجلس ممسكًا بنموذج لقاذفة من طراز B-2، يقلبها بين يديه بفرح ظاهر، ويقول مبتسمًا: “دعوني فقط أحتضن هذه الصغيرة”.

أخذ يتأمل الطائرة النموذج ويثني على حجمها، ويُبدي إعجابه بقدرتها التدميرية، ثم يتباهى بأن نظيرتها الحقيقية، حين أُرسلت إلى سماء الليل، “أسقطت كل قنبلة بدقة تامة في هدفها”.

إنه لا يتحدث بجدية رجل يقود حربًا، بل بنشوة طفل يتعامل مع لعبة ثمينة، هذا ليس موقف رجل دولة، بل رجل يعيش حالة من الاستمتاع البارد بعرضٍ دموي، وهنا يكمن ما يثير القلق حقًا، فترامب لا يتحدث عن الحرب بوصفها مأساة أو ضرورة، بل كعرضٍ واستعراضٍ وهيمنةٍ ومتعة.

ومرارًا يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك “أقوى جيش في العالم بفارق كبير”، وأنه “لا توجد دولة تقترب حتى من قدراتنا”، وأن هذا الجيش “أكثر رعبًا من غيره، وليس هناك مقارنة أصلًا”.

يتوقف طويلًا عند صورة القنابل وهي تسقط بدقة، “مباشرة في المسار الصحيح”، ويتلذذ بالحديث عن “أكبر الانفجارات التي سمع بها أي أحد”.

وقبل أيام، تحدث إلى شبكة NBC عن جزيرة خرج الإيرانية، متفاخرًا بأنها دُمّرت، وأضاف أن الولايات المتحدة قد تستهدفها مجددًا “لمجرد المتعة”، أجل لمجرد المتعة، وهنا لا تصبح الحرب اضطرارًا، بل رغبة، لا عبئًا، بل شهوة، لا ضرورة، بل لعبة.

“قرن غربي جديد”

من المكتب البيضاوي إلى البنتاغون، لا يتغير الخطاب كثيرًا، فهناك تحدث وزير الدفاع بيت هيغسيث بحماسة مقلقة قائلًا: “قاذفات B-2 وB-52 وB-1، وطائرات بريداتور، إنه موت ودمار من السماء طوال اليوم”، وأضاف أن قواعد الاشتباك صُممت “لإطلاق القوة الأمريكية، لا كي تقيدها”.

والواقع أن هذا ليس مجرد انزلاق في اللغة، بل عقيدة متكاملة، لا تقوم فقط على القوة، بل على الأفكار التي تبررها، ففي مؤتمر ميونيخ للأمن، صوّر وزير الخارجية ماركو روبيو اللحظة باعتبارها تتطلب من الغرب إعادة تجميع صفوفه واستعادة هيمنته.

لقد دعا روبيو أوروبا للالتفاف حول “حضارة غربية” مشتركة، والعمل على بناء “قرن غربي جديد”، مع التقليل من شأن الخطاب المناهض للاستعمار واعتباره ضعفًا.

والحقيقة أن هؤلاء ليسوا أشخاصًا على الهامش، بل صناع قرار يمتلكون الأساطيل والقنابل، ويتحدثون بعقلية عصابة: تباهٍ، واستفزاز، ونشوة بالقوة.

تكشف هذه الأصوات مجتمعة عن إدارة لا تعترف إلا بمبدأ واحد: القوة، إنها إدارة لا تكترث بالقانون الدولي، ولا تعبأ بالمعاهدات، وتزدري المؤسسات، حتى تلك التي أسستها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

انظر إلى من أوكلت إليهم إدارة الحرب: وزير دفاع تلاحقه اتهامات بسوء السلوك، ويُروى عن زملائه أنه كان يصرخ في ليالٍ مخمورة “اقتلوا كل المسلمين”، فيما وصفته والدته ذاتها بأنه “مسيء للنساء”.

حتى الرموز التي نقشها على جسده تعكس هذا التوجه: صليب القدس، وعبارة “Deus Vult” (هكذا أراد الله)، وكلمة “كافر” بالعربية، في اختزال فج لدين كامل في صورة عدو، وكشف لهوسٍ بتأطير الصراع باعتباره حرباً حضارية ضد المسلمين.

هذه ليست مجرد وشوم، بل شظايا رؤية فكرية يعرضها في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية”، حيث تتحول السياسة إلى صراع ديني-حضاري، ويُعاد تصوير العالم كساحة معركة بين الغرب وأعدائه، وفي مقدمتهم الإسلام، وهنا يذوب الشخصي في السياسي عبر شعور بالضغينة، وعدوانية، وقسوة استعراضية تتحول إلى سياسة.

المحسوبية بدل الحنكة

ثم هناك من لا يحيطون بالسلطة فقط، بل يوجهونها مثل جاريد كوشنر، صهر ترامب، وصديقه رجل الأعمال ستيف ويتكوف.

والواقع أن أياً منهما لا يمتلك أي خبرة دبلوماسية، ولا تأهيلًا للتعامل مع تعقيدات المفاوضات النووية، ومع ذلك وُضعا في قلب أحد أخطر الملفات الجيوسياسية في العصر الحديث.

هذا ليس خروجًا عن المألوف، بل نمط بنيوي: حيث تحل القرابة محل الكفاءة، والولاء محل الخبرة، والمحسوبية محل الدولة.

لكن المشكلة أعمق من ذلك، فقد وصف أحد الدبلوماسيين المفاوضين مع إيران بأنهم كانوا يعملون فعليًا كأصول مرتبطة بدولة الاحتلال، وهو توصيف صادم، لكنه كاشف.

بل إن تقارير “معهد كوينسي” ذهبت أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن الرئيس لم يُستشر فقط، بل تم تضليله، عبر تقديم صورة مشوهة للمفاوضات ساهمت في دفع الأمور نحو الحرب.

كما جرى التشكيك في بعض الادعاءات التي استُخدمت لتبرير التصعيد، مثل مزاعم امتلاك إيران مواد لعدة أسلحة نووية، والتي قال دبلوماسيون إنها حُرّفت عن سياقها الحقيقي.

ولم يقتصر القلق على المراقبين الخارجيين، ففي رسالة استقالته، أكد المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب أنه لا يستطيع دعم حرب “غير ضرورية”، مشيرًا بوضوح إلى دور الضغوط القادمة من دولة الاحتلال ولوبياتها في دفع الولايات المتحدة نحو الصراع.

في خدمة دولة الاحتلال

لا يكتفي ويتكوف وكوشنر بالانسجام مع سياسات دولة الاحتلال، بل ينتميان إلى شبكات مرتبطة بأكثر تياراتها تطرفًا.

فقد تحدث ويتكوف علنًا عن قربه من المليارديرة الداعمة لدولة الاحتلال ميريام أديلسون، بل أقر بحمله جهاز “بيجر” أهداه له مسؤولون في الموساد، احتفاءً بعملية فجرت آلاف الأجهزة في لبنان، وأوقعت ضحايا مدنيين، بينهم أطفال.

أما كوشنر، فإن ارتباطاته ماليًا وسياسيًا وشخصيًا مع قيادة دولة الاحتلال أكثر عمقاً، ما يجعله في صلب صناعة السياسة في الشرق الأوسط دون أي مسافة أو حياد.

لقد أوكلت مهمة دبلوماسية إلى هؤلاء وهم معدومو الخبرة محدودو الكفاءة منحازون أيديولوجيًا، رغم أنهم أقرب إلى تبني أولويات حكومة بنيامين نتنياهو من منع الحرب أو حماية المصالح الأمريكية والإقليمية.

وقد بدأت الحقائق تتكشف، فقد كشف وزير الخارجية العماني، الذي توسط في المفاوضات، أن اتفاقًا كان وشيكًا ويلبي شروط ترامب نفسه، لكنه لم يُرفض، بل جرى التخلي عنه.

وقد توصل المستشار الأمني البريطاني إلى النتيجة ذاتها حين أقر بأنه لم يكن هناك تهديد إيراني وشيك، وكان اتفاق ملائم في المتناول، لولا أن المسار الدبلوماسي قُطع عمدًا.

أما الحكم الأكثر إدانة، فجاء من داخل تلك الدوائر، حيث نقلت صحيفة “الغارديان” عن مصدر خليجي مطلع قوله: “كنا نرى ويتكوف وكوشنر كأدوات لدولة الاحتلال، جرّا رئيسًا إلى حرب يريد الخروج منها”.

هنا يصبح النمط واضحًا: السلطة لم تعد أمانة عامة، بل ملكية شخصية تُوزع على العائلة والأصدقاء، صهر يدير الدبلوماسية، وصديق يتولى المفاوضات النووية، لا بسبب الكفاءة، بل بسبب القرب، إنها المحسوبية، لا كاستثناء، بل كنظام حكم.

نشوة القوة

وفي هذا الفراغ المؤسسي، يتعزز الانسجام مع أجندة حكومة يمينية متطرفة في دولة الاحتلال، بحيث تبدأ أولوياتها بتوجيه مسار القوة الأمريكية.

فعبر شخصيات مثل كوشنر وويتكوف، لم تعد الدبلوماسية وسيطًا، بل ناقلًا، ولم تعد السياسة تُصاغ، بل تُمرر، وباتت الآلة الأمريكية تسخّر أساطيلها، قاذفاتها، عقوباتها، ونفوذها العالمي لخدمة أهداف دولة أخرى، هذا ليس تحالفًا، بل ارتهان.

وقد حذر وزير الخارجية العماني في حديث لـ”الإيكونوميست”: “هناك طرفان في هذه الحرب لا مكسب لهما منها، وهذه حقيقة غير مريحة، لأنها تكشف إلى أي حد فقدت أمريكا السيطرة على سياستها الخارجية”.

لقد باتت السياسة الأمريكية تُدار بمنطق أكثر فجاجة: ثقافة عنيفة، ثملة بالقوة، لا تعرف إلا لغة الهيمنة، وما كان يومًا على الهامش، النزعة العسكرية، الغطرسة الحضارية، الخيال الصليبي، أصبح اليوم في قلب السلطة.

وهؤلاء ليسوا هامشيين، بل قادة يمتلكون القوة ويتحدثون بعقلية عصابة، وحتى الآن، لا يتغير الخطاب، فقد كتب ترامب متسائلًا: “ماذا لو أنهينا ما تبقى من الدولة الإرهابية الإيرانية؟”، متعاملًا مع التصعيد كخيار ترفيهي، ومهددًا الحلفاء الذين يرفضون الانخراط في الحرب.

هذا ليس تخطيطًا استراتيجيًا، بل انتقام، ليس ضد إيران فقط، بل ضد كل من يرفض الاصطفاف، ترامب يبدو كـ”نيرون” العصر الحديث، والنيران تتصاعد من خلفه، بينما يقف العالم مشدوهًا أمام المشهد.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة