حين تُستهدف القدرة على الحياة: الإبادة الإنجابية كأداة حرب في غزة

بقلم أميرة نيمرواي
ترجمة وتحرير نجاح خاطر

في المرة الأولى التي أخبرني بها الرجل الذي أصبح زوجي لاحقاً إنه يحبني، كنت في طريقي إلى مخيم العروب للاجئين شمالي الخليل، لإسعاف أشخاص كانت قد هاجمتهم قوات الاحتلال للتو.

وكان في تلك اللحظة قد أرسل لي رسالة صوتية، ظللت أعيد تشغيلها مراراً بين الفوضى التي عمّت سيارة الإسعاف، محاوِلة التقاط ما إذا كان قد قال فعلاً كلمة “أحبك” في نهايتها.

وبينما كانت صفارات الإنذار تعلو فيما يناقش زملائي بقلق أي الطرق ما زالت مفتوحة، وهل سنتمكن من الوصول إلى المخيم، كنت منغمسة في تلك اللحظة الإنسانية الصغيرة والدافئة إلى أن باغتتني رائحة حارقة قبل أن أشعر فوراً بحرقة تخترق حلقي وعينيّ، إذ كنا قد تعرضنا لإطلاق الغاز المسيل للدموع.

فتحنا أبواب سيارة الإسعاف ونحن نتوقع حالة من الذعر، لكننا فوجئنا بنساء واقفات بهدوء، الدموع تنهمر من أعينهن بفعل الغاز، بلا صراخ ولا ذعر، فقط استسلام صامت، إذ لم يكن هذا جديداً عليهن، بل كان روتيناً يومياً.

في تلك اللحظة، تعلمت درساً لم أنسَه منذ ذلك الحين: في فلسطين، حتى أكثر اللحظات رومانسية لا يمكن أن توجد بمعزل عن عنف الاحتلال، فكل شيء يحدث في إطار هذا العنف، باعتباره حضوراً دائماً، لقد فهمت حينها كيف يمكن لما هو غير طبيعي أن يصبح مألوفاً، وكيف أنني نفسي، بينما كنت داخل سيارة إسعاف متجهة إلى موقع اعتداء، انجرفت للحظة إلى دفء الحياة العادية.

لم أستفق من هذا الوهم إلا حين اخترق الغاز رئتيّ، عندها تذكرت ما تعرفه النساء الفلسطينيات جيداً: في ظل الاحتلال، لا يكون اليوم عادياً أبداً.

رعاية مُعطّلة

منذ عام 2003، وأنا أزور الضفة الغربية بانتظام، إلا أن حادثة  وقعت خلال الانتفاضة الثانية لا تزال عالقة في ذاكرتي حين مُنعت سيارة إسعاف من العبور، ففي ذلك الوقت، كانت الطرق الرئيسية مغلقة بالكامل، وكنا مجموعة من النساء والأطفال وكبار السن عالقين خارج بيت لحم، ننتظر أي وسيلة نقل قد تأخذنا باتجاه الخليل.

ومن موقعنا، شاهدنا سيارة إسعاف تحاول عبور حاجز عسكري وعلى متنها امرأة بحاجة ماسة للعلاج، رفض الجنود السماح لها بالمرور، حيث توقفت السيارة للحظة تسألنا إن كانت هناك طرق مفتوحة أخرى، ثم انطلقت على أمل الوصول إلى مستشفى آخر، وبعد لحظات، اندفعت آلية عسكرية نحونا، وأمر الجنود الجميع بالتفرق سيراً على الأقدام في أراضٍ وعرة غير مُعلَّمة.

في تلك اللحظة، فهمت مدى خضوع الرعاية الصحية في فلسطين لسلطة الجيش، وكيف يمكن للحياة العادية أن تتحول إلى خطر داهم في أي وقت.

ومنذ عام 2018، ومن خلال عملي مع العيادات المتنقلة التابعة لجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، تنقلت بين قرى بات فيها الحصول على الرعاية الإنجابية مرهوناً بالحواجز العسكرية والإغلاقات المفاجئة، لا بالحاجة الطبية.

كما تعرضت للتحرش على الحواجز فقط لأنني أحاول إيصال الرعاية الصحية، وشاهدت زميلات لي يتعرضن لتفتيش مهين وعدواني، ففي تجمعات مثل خان الأحمر، رأيت نساءً يُعتدى عليهن أثناء عمليات الهدم، ويُمزق حجابهن، وشاهدت شابات فلسطينيات يتركن الدراسة أو العمل لأن المرور اليومي عبر مناطق عسكرية صار خطراً لا يُحتمل.

ثم هناك العنف الذي لا يُمارَس على أجساد النساء مباشرة، بل على أطفالهن، ففي الأسابيع الأولى من إقامتي في بيت لحم عام 2018، اقتحم جيش الاحتلال مخيم الدهيشة، وقتل بدم بارد فتى في الثالثة عشرة من عمره برصاصة وهو نائم في سريره.

في صباح اليوم التالي، شاهدت والدته تقود موكب الجنازة عبر شوارع المدينة، كان حزنها طاغياً، وقوتها تفوق الوصف، صورتها وهي تحمل جسد ابنها الصغير، محاطة بالجيران، محفورة في ذاكرتي، ففي حين أن الرصاصة لم تخترق جسدها، إلا أنها حطمت حياتها.

عنف ضد الأطفال

في غزة، بلغ هذا العنف مستوى لا يمكن تصوره، الطبيبة آلاء النجار فقدت تسعة من أطفالها العشرة في استهداف مباشر لمنزلها، فنجت هي، ولم ينجُ أطفالها

العنف الذي تتعرض له الأمهات الفلسطينيات لا يقتصر على القصف، فالاعتداء على الأطفال يتخذ أشكالاً متعددة: أثناء الذهاب إلى المدرسة، في السجون، على الحواجز، خلال الاقتحامات الليلية، أو وهم نائمون في أسرتهم.

تشير تقديرات الأمم المتحدة وبيانات جيش الاحتلال إلى أن ما بين 38 ألفاً و55 ألف طفل فلسطيني اعتُقلوا بموجب قوانين عسكرية منذ عام 1967، و قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان نحو 170 طفلاً رهن الاعتقال، لكن منذ ذلك الحين، اعتُقل أكثر من 1300 طفل تعسفياً، ولا يزال ما لا يقل عن 440 منهم محتجزين بشكل غير قانوني، مما جعل غيابهم يمزق العائلات بطرق لا تستطيع الأرقام وحدها وصفها.

ورغم أن تركيزي هنا على النساء، فإن العنف القائم على النوع الاجتماعي والإبادة الإنجابية تطال الرجال والفتيان أيضاً، لكن بالنسبة للأمهات، فإن الأذى الواقع على أطفالهن يمثل شكلاً فريداً من العنف الجندري، نادراً ما تعترف به القوانين الدولية أو السياسات الإنسانية.

هذا العنف لا يجرح الأمهات في أجسادهن فحسب، بل في قلوبهن وهوياتهن، فهو يعكس سياسة استعمارية إحلالية تُختزل فيها المرأة الفلسطينية إلى “وعاء إنجابي”، مع تجاهل عالمها العاطفي والاجتماعي والإنساني.

إبادة إنجابية

في هذا السياق تتخذ النساء الفلسطينيات قرارات مصيرية تتعلق بأجسادهن ومستقبلهن، فبين عامي 2000 و2004، أُجبرت نحو مئة امرأة فلسطينية على الولادة على حواجز جيش الاحتلال، توفي ما لا يقل عن 54 مولوداً بسبب تأخير أو منع المرور، فيما كانت تلك الحوادث مؤشرات مبكرة على إخضاع حتى عملية الولادة للسيطرة العسكرية، قبل سنوات طويلة من الإبادة الحالية.

ما يجري في غزة اليوم أشد فظاعة

وثّق تقرير حديث للجنة تحقيقٍ تابعة للأمم المتحدة التدمير المنهجي لخدمات الصحة الإنجابية، وعرقلة رعاية الأمهات وحديثي الولادة، واستخدام العنف الجنسي، واللافت أن هذه الوقائع تتقاطع مع المادة الثانية (د) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، التي تنص على “فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة”.

إن مصطلح “الإبادة الإنجابية” لا يشكل فئة قانونية مستقلة، لكنه يصف بدقة هذا الفعل الإبادي: التدمير المتعمد لقدرة جماعة سكانية على الإنجاب.

ففي غزة، دُمّر مركز التلقيح الصناعي الرئيسي مع آلاف الأجنة، وتحولت أجنحة الولادة إلى أنقاض، حيث يموت الأطفال الخدّج بسبب انقطاع الكهرباء، وتُجرى العمليات القيصرية بلا تخدير، فيما تواجه  أكثر من 155 ألف امرأة حامل أو مرضعة حرماناً شبه كامل من الرعاية.

فسوء التغذية، والجفاف، وتلوث المياه، والنزوح المستمر، كلها تؤدي إلى الإجهاض والولادات الميتة، هذه ليست خسائر عرضية، بل نتائج متوقعة لسياسات متعمدة.

ومع ذلك، وخلال حملة “16 يوماً لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي”، غابت النساء الفلسطينيات إلى حد كبير عن النقاش العالمي، ولم يكن ذلك مصادفة، فعنف الاحتلال ضد النساء الفلسطينيات يُجرد باستمرار من سياقه السياسي، وكأنه منفصل عن الاحتلال والحصار.

لكن العنف الجندري في فلسطين لا ينفصل عن العنف السياسي: من الحواجز التي تمنع الوصول إلى المستشفيات، إلى القنابل التي تدمر أجنحة الولادة، إلى سياسات الحصار التي تجوّع أجساد الحوامل.

الصحة الإنجابية ليست قضية هامشية، بل إنها في جوهر قضايا حقوق الإنسان، وتدميرها مؤشر مباشر على ارتكاب الفظائع

في العيادات المتنقلة لجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، عملتُ مع قابلات يحملن عبء مجتمعات كاملة على أكتافهن، لقد كانت شجاعتهن استثنائية، لكن الصمود لا يجب أن يُرَوَّم، ولا أن يُطلب بديلاً عن الحقوق.

إذا كان العالم جاداً في إنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي، فعليه أن يسمّي ما يجري في غزة باسمه: هجوم منهجي على الحياة الإنجابية، وعليه أن يرفع أصوات النساء الفلسطينيات، وأن يُحاسب المسؤولين عن تدمير البنية التحتية للصحة الإنجابية، وأن يصرّ على أن الحق في ولادة آمنة، وفي تربية طفل بكرامة، هو حق أساسي.

مصير الشعوب مرتبط بمصير نسائها

ما حدث في سيارة الإسعاف، ذلك الانتقال الخاطف من الحب إلى القمع بقنابل الغاز، ومن الرومانسية إلى النجاة،  ليس استثناءً في فلسطين، بل سلب لكل ما هو “عادي” ولكل  حق.

وإلى أن تتمكن النساء الفلسطينيات من عيش يومٍ عاديٍ بلا احتلال ولا استعمار ولا عنف يمزق كل لحظة، فلن تكون هناك عدالة حقيقية.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة