رحيل هابرماس… غزة تكشف سقوط وهم الكونية الأوروبية

بقلم حميد دباشي

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

يمثل رحيل الفيلسوف الألماني البارز يورغن هابرماس (1929–2026)، عن عمر ناهز السادسة والتسعين، وفي ذروة حضوره الفكري العالمي، حدثاً يتجاوز حدود التقييم التقليدي لأي مفكر.

لقد عاش أيقونة ورحل أيقونة، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، فقد كان واحداً من أبرز العقول النقدية التي لا يمكن تجاوزها في عصرنا.

كان هابرماس فيلسوفاً ومنظّراً اجتماعياً بالغ التأثير، متجذراً في تقاليد النظرية النقدية، ومنشغلاً بمصير المجتمع المدني الأوروبي، ومدافعاً عن منجزات عصر التنوير التي كان يراها مشروعاً لم يكتمل بعد، ومهتماً بالحفاظ على حيوية المجال العام الأوروبي.

أتذكر، حين كنا طلاب دكتوراه في جامعة بنسلفانيا في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، كيف كنا نذهب إلى كلية هافرفورد لحضور محاضراته، بدعوة من الفيلسوف الأميركي ريتشارد بيرنشتاين، الذي كان له دور أساسي في تقديم فكر هابرماس إلى الجمهور الأميركي.

شغل هابرماس مناصب أكاديمية في جامعتي هايدلبرغ وفرانكفورت، وتولى إدارة معهد ماكس بلانك في شتارنبرغ، وكان مؤلفاً لأعمال فكرية ذات تأثير عميق في الفكر المعاصر.

ومن أبرز محطاته الفكرية، حواره مع جوزيف راتسينغر، الذي أصبح لاحقاً البابا بنديكت السادس عشر، عام 2004، والذي شكّل نقطة محورية في بلورة رؤيته حول “المجتمع ما بعد العلماني” ودور الدين فيه.

كما اتسمت مواقفه تجاه إدماج المسلمين في أوروبا بدرجة من الانفتاح النسبي مقارنة بالمناخ المتصاعد من العداء للمسلمين في محيطه.

المجال العام وحدود الرؤية الأوروبية

في كتابه “التحول البنيوي للمجال العام” (1962)، طرح هابرماس مفهوم “المجال العام”، الذي أصبح أحد أكثر مفاهيمه تأثيراً في تحليل العلاقة بين المجتمع والدولة.

غير أن هذا المفهوم ظل محكوماً بأفق أوروبي مركزي، رغم تأثيره الواسع على مفكرين سعوا إلى توسيع هذا الإطار نحو رؤية أكثر عولمة.

أما كتابه “نظرية الفعل التواصلي” (1982)، فقد مثّل نقلة نوعية، حيث حاول معالجة أزمة العقلانية في المجتمعات الحديثة، وهو العمل الذي منح مشروعه بعداً عالمياً أوسع.

وفي “الخطاب الفلسفي للحداثة” (1985)، قدّم دفاعاً مطولاً عن الحداثة الأوروبية، مؤكداً في الوقت ذاته أنها مشروع لم يكتمل.

وبعد الغزو الأميركي للعراق، نشر هابرماس إلى جانب جاك دريدا بياناً فكرياً مهماً حول هوية أوروبا، تطور لاحقاً إلى عمل جماعي شارك فيه مفكرون بارزون مثل أمبرتو إيكو وجياني فاتيمو، وكان هدفه إعادة تعريف أوروبا في مقابل الولايات المتحدة التي كانت تقود حروباً مدمرة في المنطقة.

وُلد هابرماس في مدينة دوسلدورف عام 1929، ونشأ في ظل انهيار ألمانيا النازية، وهو ما ترك أثراً عميقاً في التزامه بقيم التنوير، وفي موقفه النقدي من تيارات ما بعد الحداثة.

نقاط العمى الأخلاقي

رحل هابرماس جسداً في 14 آذار/مارس 2026، في وقت كانت فيه دولة الاحتلال تواصل تصعيدها الدموي في أكثر من ساحة، كما فعلت سابقاً في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن.

لكن فلسفياً، يمكن القول إن لحظة أفوله الحقيقي جاءت قبل ذلك بسنوات، حين أعلن مع عدد من المفكرين دعمه للإبادة التي ترتكبها دولة الاحتلال في فلسطين، واعتبرها مبررة من حيث المبدأ.

كانت تلك اللحظة فاصلة، إذ كشفت حدود الادعاء الأخلاقي للفلسفة الأوروبية، وعجزها عن التعامل مع معاناة الشعوب خارج فضائها.

لم يكن هذا القصور مسؤولية هابرماس وحده، بل كان أيضاً نتيجة إسقاط غير الأوروبيين طابعاً كونياً على فكر أوروبي نشأ في سياق تاريخي وثقافي محدد.

فما سُمّي بـ”الفلسفة الغربية” لم يكن تعبيراً عن كونية حقيقية، بل نتاجاً لهيمنة استعمارية فرضت نفسها على العالم، وأعادت تشكيل خرائط المعرفة لصالحها.

وقد جرى تقديم الفلاسفة الأوروبيين بوصفهم الورثة الشرعيين الوحيدين للتراث اليوناني، في تجاهل واسع لتقاليد فلسفية موازية ازدهرت في العربية والفارسية والسريانية وغيرها.

بل إن مصطلح “الفلسفة الإسلامية” نفسه لم يكن سوى تصنيف استشراقي، هدفه حصر هذه التقاليد خارج مركز الفلسفة المزعوم.

ما بعد المركزية الأوروبية

يمثل رحيل هابرماس لحظة تاريخية تنكشف فيها الفلسفة الأوروبية بوصفها تجربة خاصة، لا مرجعية كونية كما ادعت طويلاً.

واليوم، أعاد مفكرون من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية تعريف الفلسفة من جديد، من بينهم أشيل مبيمبي، وإنريكي دوسيل، وكوجين كاراتاني، ونصر حامد أبو زيد، وعبد الكريم سروش، وغيرهم ممن وسّعوا أفق التفكير الفلسفي خارج المركزية الأوروبية.

يمتلك هؤلاء المفكرون اليوم قدرة أعمق على مخاطبة العالم، وعلى إعادة تعريف الفلسفة باعتبارها مجالاً إنسانياً متعدد الأصوات، لا حكراً على جغرافيا أو ثقافة بعينها.

ومع ذلك، تبقى قراءة هابرماس ضرورية، كما غيره من الفلاسفة الأوروبيين، لكن من موقع نقدي واعٍ، يعترف بتعدد التجارب الإنسانية، ويرفض احتكار الحقيقة.

لقد وُصف هابرماس بأنه “آخر الأوروبيين”، أي آخر من تمسك بإيمان عميق بقيم التنوير الأوروبي، وربما يكون هذا هو الإرث الأصدق له، فقد كان آخر من ظن أن الفلسفة الأوروبية يمكن أن تمثل العالم قبل أن يثبت العالم أنه أوسع من ذلك بكثير.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة