عقيدة ترامب تضع العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: الطاعة أو العقاب

بقلم آلان غابون

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

على ما يبدو فإن شبح التدخل العسكري الأميركي في إيران قد وجد سبيله إلى التأجيل في الوقت الراهن على الأقل، وذلك بفضل تحرك دبلوماسي مكثف قادته دول الخليج وتركيا، وعلى نحوٍ مفاجئ، دولةُ الاحتلال نفسها.

فعلى وقع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي قال فيها أن إيران لن تشهد إعدامات جماعية للمتظاهرين، وأن عمليات القتل قد توقفت، يبدو أن طهران ستُجَنَّب، مؤقتاً، “النموذج الفنزويلي” أو ما هو أسوأ منه.

لكن حتى في غياب عمل عسكري مباشر مثل عمليات الاغتيال المحددة أو حملات القصف، سيكون من الحكمة ولا سيما بالنسبة للنظام الإيراني التعامل مع هذه التهديدات على أنها لم تُلغَ نهائياً، بل وُضعت على الرف في أفضل الأحوال.

ويمكن أن يكون هذا التحول المفاجئ في موقف ترامب مجرد مناورة نفسية (psy-op)، تهدف إلى طمأنة النظام الإيراني ودفعه إلى خفض مستوى تأهبه، تمهيداً لضربة فعلية لاحقاً، كما لا يمكن استبعاد أن يكون ترامب قد اقتنع فعلاً بتأجيل هذا الخيار، ولو إلى حين.

هناك ثمة عوامل عديدة قد تكون ساهمت في هذا الانعطاف، من بينها المعارضة الصلبة التي أبداها حلفاء ترامب الإقليميون، والذاكرة القريبة لكارثة العراق، وغياب الجاهزية لدى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة لشن عملية كبرى ضد إيران.

ومن بين تلك العوامل أيضاً التداعيات المزعزِعة للاستقرار التي قد تطال المنطقة، ولا سيما لبنان، واحتمال الانزلاق إلى “توسّع المهمة” والغموض المحيط بمآلات أي تغيير محتمل داخل إيران نفسها، فضلاً عن غياب شخصيات معارضة إيرانية ذات مصداقية يمكن التعويل عليها.

وفي هذا السياق الأخير، لا يكنّ ترامب احتراماً لرضا بهلوي ولا يثق فيه، وبهلوي هو نجل آخر شاه إيراني، ادّعى قيادة الاحتجاجات من منفاه في لوس أنجلوس.

أما على الصعيد الداخلي الأميركي، فتشمل العوامل المؤثرة في قرار عدم توجيه ضربة لإيران احتمال ارتفاع أسعار النفط، وهو ما سيضر مباشرة بقاعدة ترامب الانتخابية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة هذا العام، إضافة إلى الانقسامات العميقة حول هذا الملف حتى داخل دائرته الضيقة، فضلاً عن أن الغالبية الساحقة من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء تعارض تدخلاً عسكرياً في إيران.

حسابات ساخرة

وبناء على ذلك، فمن المرجح أن ترامب يفضّل لإيران “الحل الفنزويلي” أي استعراض قوة وتهديدات صاخبة، يعقبها سريعاً خفض للتصعيد، وهو تكتيك سبق أن اعتمده خلال حملة القصف التي شنها على إيران في يونيو/حزيران 2025.

هذه الاستراتيجية التي باتت مألوفة والقائمة على التناوب بين التهديد والحوار لا تظهر فقط في تعامل ترامب مع الحرب الروسية الأوكرانية، بل أيضاً في ملف غرينلاند، وتعكس وعداً ضمنياً بأن النظام “العدو” سيُسمح له بالبقاء، ما دام متعاوناً، أو على الأقل لا يشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة ودولة الاحتلال.

في نهاية المطاف، فإن ترامب رجل أعمال قبل أي شيء آخر، ومن منظوره، فإن إبرام صفقة “جيدة” مع نظام ديكتاتوري معادٍ بعمق، لكنه مستقر ومتماسك، يظل خياراً أفضل من خوض حرب فوضوية ذات نتائج غير مضمونة

وفي حساباتها البراغماتية الساخرة، قد تفضّل دول الخليج وضعاً إقليمياً تكون فيه الدولة الإيرانية قد أُضعفت إلى حدٍّ لا يجعلها تهديداً سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً حقيقياً، لكنها تبقى ممسكة بزمام الداخل، تفادياً لظهور ديمقراطية حقيقية قد تتحول إلى نموذج مُقلق لشعوب تلك الدول.

وعلى الرغم من الخطاب التحريضي المتبادل بين دولة الاحتلال وإيران، فإن أولويات تل أبيب تتركز على القضاء على البرنامج النووي الإيراني وتدمير قدراته الصاروخية الباليستية، إلى حدٍّ ينزع عنها صفة “التهديد الوجودي”.

ومع ذلك، ورغم سلسلة الهجمات الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية في يونيو/حزيران الماضي، ما زالت الأسئلة الكبرى قائمة حول حجم الأضرار الفعلية التي أُلحقت بتلك القدرات.

في المقابل، يبدو أن “محور المقاومة” المدعوم من إيران قد تراجع، على الأقل في المدى المنظور، أو بات عاجزاً عن العمل بالصورة التي كان عليها.

ثمة سيناريو آخر لا يقل ترجيحاً، يتمثل في محاولات جادة لتصفية النخبة الحاكمة الحالية في إيران عبر مزيج من عمليات زعزعة سرية تقودها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، كما شهدنا بالفعل في يناير/كانون الثاني الجاري بالتوازي مع دعم قوى مناهضة للدولة بهدف إشعال انقلاب داخلي أو تأجيجه.

وقد تُستكمل هذه المقاربة بحملة من التفجيرات والاغتيالات الموجهة لإزالة “آخر مصدر إزعاج” أمام الهيمنة الإقليمية الأميركية-الإسرائيلية الكاملة.

بيان تفوق وهيمنة

يأتي كل ذلك في سياق وثيقة ترامب المفصلية للأمن القومي، الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، هذه الوثيقة المختصرة، التي لا تتجاوز 30 صفحة، تقرأ كبيان “أميركا فوق الجميع” بنسخة ترامب، مشبعاً بروح تفوقية وإمبريالية صريحة.

تكرّر الوثيقة، صفحة بعد أخرى، أن على الولايات المتحدة أن تهيمن على جميع مناطق العالم التي تملك فيها مصالح، وهي مناطق تمتد “مجسّات” واشنطن إليها في معظم أنحاء المعمورة، وفي الوقت ذاته، ترفض “الهيمنة العالمية”، وتؤكد أنه “ليس من الممكن لكل بلد أو إقليم أو قضية مهما كانت جديرة أن تكون محوراً للاستراتيجية الأميركية”.

وتشدد الاستراتيجية على ضرورة تجنب الانجرار إلى نزاعات خارجية “هامشية أو غير ذات صلة” بالمصالح الوطنية الأميركية، داعية إلى إعادة تعريف هذه المصالح بشكل جذري، وإلى تبنّي “نزعة مسبقة نحو عدم التدخل”.

غير أن ذلك لا يعني انعزالاً أو انسحاباً من الشأن العالمي، فالتدخل باسم “حماية المصالح الوطنية” ظل لعقود، جوهر السياسة الخارجية الأميركية، إن لم يكن عمودها الفقري.

وكما توضّح الاستراتيجية بجلاء، فإن ترامب يريد شرق أوسط “مستقراً وآمناً نسبياً”، يتيح له إبرام الصفقات والوصول إلى الثروات الطبيعية. 

وقد لا يكون الإقليم هذا الإقليم موالياً لواشنطن، لكنه مطالب بخدمة مصالحها، حتى لو كان ذلك عبر التهديد والإكراه وعلى أقل تقدير، يجب ألا يُسمح له بتهديد تلك المصالح.

وفي ضوء كل ذلك، لم تعد الديمقراطية وحقوق الإنسان ذوات وزن يُذكر، تماماً كما هو حال الشعب الإيراني نفسه، بل إن تراجع أولوية الشرق الأوسط في الوثيقة، والدعوة إلى تقليص الانخراط فيه، لا تعني بأي حال اعترافاً بسيادة دوله، ولا حتى باستقلاليتها عن الولايات المتحدة.

وتبقى الأنظمة والشعوب في المنطقة، كغيرها في العالم، خاضعة لما تراه واشنطن “مصالحها”، تعيش تحت سيفٍ مسلط فوق رقابها، وفي ظل هذا النظام العالمي، لا مكان لسيادة حقيقية أو لتقرير مصير فعلي لأي شعب.

هكذا يمكن تلخيص “عقيدة دونرو” لترامب في خيارين لا ثالث لهما: الطاعة أو المعاناة، وفنزويلا وإيران ليستا سوى أحدث مثالين على ذلك.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة