على واشنطن أن تدرك أنه لا يمكن “إنقاذ” شعب إيران عبر تدمير قدرته على البقاء

على واشنطن أن تدرك أنه لا يمكن "إنقاذ" شعب إيران عبر تدمير قدرته على البقاء

بقلم محمد رضا فرزانغان وسفين فيشر

ترجمة وتحرير نجاح خاطر 

ينبغي على واشنطن أن تدرك أنه لا يمكن “إنقاذ” شعب عبر تدمير قدرته على البقاء، ففي 12 يناير/كانون الثاني، وبينما كانت إيران تشهد وقوع خسائر بشرية فادحة وسط تقارير واسعة عن اشتباكات دامية، اختارت واشنطن التحدث بلغة الضغط الاقتصادي.

فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” فرض تعرفة “فورية” بنسبة 25% على أي دولة “تتعامل تجارياً” مع الجمهورية الإسلامية، مثل تحولاً جذرياً من استهداف شركات بعينها إلى معاقبة اقتصادات سيادية بأكملها.

وفي حين صوّر البيت الأبيض هذه الخطوة على أنها ضربة “نهائية وحاسمة” للمؤسسة الحاكمة الدينية في إيران، فإن تقييماً دقيقاً للدوافع والآثار يكشف عن سياسة مرشحة للارتداد عكسياً. 

فمن خلال تسليح التجارة العالمية، لا تخاطر واشنطن بإشعال أزمة قانونية ومالية داخلية فحسب، بل تُفرغ أيضاً الفئة الاجتماعية الأكثر قدرة على دفع التغيير الديمقراطي من مضمونها وأعني هنا الطبقة الوسطى الإيرانية.

إذ لم يكن توقيت الإعلان مصادفة، فإدارة ترامب تواجه حالياً حكماً محتملاً من المحكمة العليا قد يُسقط استخدامها “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” لفرض التعرفات. 

وكما أقرّ ترامب نفسه، فإن حكماً سلبياً من هذا النوع من شأنه أن “يُربك” وزارة الخزانة الأميركية، وقد يفرض عليها إعادة نحو 130 مليار دولار من عائدات الرسوم.

في هذا السياق، تبدو التعرفة الجديدة على إيران محاولة يائسة لتأكيد السلطة التنفيذية عبر تكتيك “الصدمة والرعب” لإظهار القوة، في وقت تهتز فيه الأرضية القانونية في الداخل.

غير أن إضافة “غرامة إيران” بنسبة 25% فوق الرسوم القائمة تعني عملياً دفع معدل التعرفة على السلع الصينية نحو 72%. 

وهذا ليس مجرد أداة للسياسة الخارجية، بل ضريبة هائلة وغير عادلة تُفرض على المستهلك الأميركي، رهينة لاستراتيجية جيوسياسية أثبت التاريخ فشلها في إحداث تغيير للنظام.

يقوم الافتراض الاقتصادي الأساسي في واشنطن على أن زيادة الضغط تعني تسريع الانهيار، لكن الأبحاث حول الاقتصاد غير الرسمي في إيران تشير إلى العكس تماماً: فالتجارة لا تختفي تحت الضغط، بل تغيّر مساراتها وأيديها.

دولة الظل

فعندما تنسحب الكيانات التجارية النظامية لحماية وصولها إلى السوق الأميركية، تُستبدل بشبكة من الوسطاء غير المنظمين و”أساطيل الظل”، وإيران بالفعل تتعامل بالعملة الصينية وتستورد مليارات الدولارات من الذهب للتحايل على الدولار.

ومن خلال معاقبة التجارة الرسمية، تخلق واشنطن ما يمكن تسميته “علاوة الوسيط” وهي كلفة معاملات ضخمة تُشعل التضخم المفرط على حساب المواطنين العاديين، بينما تُثري على نحوٍ معاكس أولئك الذين يسيطرون على المسارات السرية، فدولة الظل لا تتضرر من هذه التعرفات بل تربح من الندرة التي تصنعها.

ويُظهر التاريخ أنه عندما تُغلق قنوات التجارة المباشرة، تنشأ “تحالفات للمُستضعَفين”، فالدول ذات الارتباطات التجارية الكبيرة بالولايات المتحدة قد تُجبَر على تقليص تجارتها الرسمية مع إيران لتجنب العقوبات، في حين تتدخل دول ذات انكشاف محدود على السوق الأميركية كوسطاء، مستوعبةً التجارة المُعاد توجيهها.

والنتيجة ليست عزل إيران، بل تشكّل شبكة متحركة من الرابحين والخاسرين تدفع بمزيد من الاقتصاد العالمي إلى خارج دائرة النفوذ الأميركي.

تدمير الطبقة الوسطى

وتتجلى أشد آثار سياسة “الضغط الأقصى” تدميراً في ذاك الذي تتجاهله واشنطن باستمرار وهو تفكيك الطبقة الوسطى الإيرانية. 

فقد وجدت دراسة أكاديمية حديثة أن العقوبات أدت إلى تراجع متوسط في حجم الطبقة الوسطى يتراوح بين 12 و17 نقطة مئوية سنوياً خلال الفترة من 2012 إلى 2019.

ومعلوم أن الطبقة الوسطى هي المحرّك التقليدي للإصلاح، وعندما يُدفع المعلمون والمهنيون في القطاع العام والفنيون إلى فئة “الهشاشة” فإنهم يكافحون لتأمين أساسيات مثل الذرة والأرز، التي تشكل ثلث واردات إيران وبالتالي فإن تركيزهم يتحول من الحشد السياسي إلى البقاء على قيد الحياة.

ومن خلال تفريغ هذا الحاجز الاجتماعي، تُدمّر الولايات المتحدة، من حيث لا تقصد، القاعدة ذاتها التي تحتاجها حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، كما يحتاجها المحتجون في الشوارع، لتحقيق انتقال ديمقراطي مستدام.

وثمة اعتقاد خطير مفاده أن البؤس الاقتصادي يقود مباشرة إلى انقلاب أو سقوط النظام، غير أن أبحاثاً اتخذت من إيران دراسة حالة تقدّم تحذيراً معاكساً: فبينما تزيد شدة العقوبات من “الاضطرابات المدنية” والاحتجاجات العفوية، فإنها تُقلّل من احتمالات الحرب الأهلية المنظمة أو الانقلابات الناجحة.

وفي ظل نظام سلطوي مستقر يمتلك قدرة عالية على القمع، يسمح الضغط الخارجي الشديد للنظام بتصوير المعارضة الداخلية على أنها “تخريب تقوده قوى أجنبية”.

ومن خلال تحويل التعرفة البالغة 25% إلى عنوان عالمي، منح ترامب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أداة دعائية قوية، إذ بات بإمكان إيران تحميل التضخم الذي بلغ 50% وتداعي البنية التحتية لا لسوء إدارتها، بل لـ “حملة صليبية” تقودها واشنطن، بما يُطلق تأثير “الالتفاف حول العلم”!ويحافظ على تماسك السلطة.

اعتماد صارخ

في المقابل، تتجلى بوضوح درجة اعتماد إيران طبياً في بيانات التجارة لأكثر المصدّرين الأوروبيين تقدماً.

ففي عام 2023، كانت هولندا شريان حياة للنظام الصحي الإيراني، إذ صدّرت ما يزيد على 124 مليون دولار من المعدات الطبية و76.5 مليون دولار من الأجهزة التقويمية. 

لكن وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، تراجعت الواردات الهولندية إلى إيران بنحو 45% مقارنة بالعام السابق.

وتروي ألمانيا قصة مماثلة، ففي عام 2023، صدّرت إلى إيران لقاحات ومشتقات دم بقيمة 97.4 مليون دولار، وأدوية مُعلّبة بقيمة 90.5 مليون دولار، وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، انكمشت الصادرات الألمانية بنحو 19% على أساس سنوي.

وعندما تواجه الشركات عالية التقنية غرامة عالمية بنسبة 25% لمجرد الإبقاء على وجود لها في إيران، فإن المخاطر التجارية تطغى حتماً على النوايا الإنسانية.

وتبعاً لذلك، يبدأ العبء الصحي قبل وصول المريض إلى المستشفى بوقت طويل، إذ تكشف بيانات حديثة من “إيران أوبن داتا” عن أزمة غذائية غير مسبوقة.

فخلال العقد الماضي، هبط متوسط استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء بنسبة 40%، ليصبح أقل بنحو 50% من نظرائه في تركيا على سبيل المثال.

ومع تراجع استهلاك الألبان بنسبة 30% منذ عام 2010، يخلق هذا العجز البروتيني قاعدة من سوء التغذية تُضعف المناعة العامة للسكان. 

ومع صدمة تجارية إضافية بنسبة 25%، إلى جانب سوء الإدارة الداخلية المعروف، يُرجّح أن ترتفع كلفة المستوردات الغذائية الأساسية أكثر، ما يحوّل العجز الغذائي إلى أزمة صحية مزمنة على مستوى البلاد.

أما الأثر النفسي لهذا العزل الاقتصادي وسوء الإدارة فقد بلغ نقطة الانكسار، إذ ارتفعت معدلات الانتحار الرسمية في إيران بنسبة 70% بين عامي 2011 و2023، لتتجاوز سبع حالات لكل 100 ألف نسمة.

وفي محافظات حدودية هشة مثل إيلام، قفز المعدل إلى 16.8 لكل 100 ألف، في مؤشر على تصدّع بنيوي تآكلت فيه شبكات الأمان الاقتصادي تحت وطأة التضخم المفرط. 

ومن شأن صدمة التعرفة المرتقبة أن تُعمّق هذا الإحساس باليأس، مع تسارع كلفة المعيشة بما يتجاوز قدرة الأسر على البقاء، فضلاً عن الازدهار.

وربما يكون الأثر السريري الأكثر إغفالاً لقيود التجارة هو تسريع “عودة الطاقة القذرة”، فالأدلة التجريبية تُظهر أن العقوبات تخفّض كفاءة الطاقة بصورة منهجية، وتدفع الأنظمة الطاقوية نحو الوقود عالي الانبعاثات. 

ومع حرمانها من التكنولوجيا والتمويل اللازمين للبنية التحتية للطاقة النظيفة، عادت إيران بشكل متزايد إلى حرق “المازوت”، وهو وقود ثقيل عالي الكبريت تتجاوز نسبة الكبريت فيه سبعة أضعاف المعيار البحري الدولي.

وفي مارس/آذار 2025، ارتفع استخدام المازوت في محطات الكهرباء بمعدل 46%، مع زيادة صادمة بلغت 543% في بوشهر. 

وقد ارتبط هذا الارتفاع بنسبة ثاني أكسيد الكبريت والجسيمات الدقيقة مباشرةً بزيادة حالات الطوارئ القلبية والتنفسية في مدن مثل طهران. 

ومن خلال المزيد من تقييد التجارة والتكنولوجيا، تترجم التعرفات المقترحة مباشرة إلى تدهور جودة الهواء، وتفاقم عبء أمراض تنفسية كان بالإمكان تجنبها.

ومن خلال تقويض الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية وجودة البيئة، تُخاطر هذه السياسة بزيادة السخط الشعبي من دون إنتاج تغيير سياسي منظم، وهو ما يتسق مع الأدلة القادمة من الشرق الأوسط التي تُظهر أن السخط على الخدمات والبنية التحتية الحضرية يرفع احتمالات التمرد، ولا سيما في المدن الكبرى.

من السهل كتابة عبارة “نهائي وحاسم” على وسائل التواصل الاجتماعي، أما تحمّل تداعيات حرب تجارية عالمية وتفريغ مستقبل أمة من مقوماته، فهو التحدي الحقيقي. 

وعلى واشنطن أن تدرك أنه لا يمكن “إنقاذ” شعب عبر تدمير قدرته على البقاء.

مقالات ذات صلة