بقلم حسام شاكر
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
كانت القذائف التي تزن أطنانًا تهوي فوق أحياء سكنية مكتظة لتخلق حفرةٌ هائلة تبتلع في لحظةٍ واحدة شارعًا كان يعجّ بالحياة قبل دقائق، في مشهد لم يعد استثناءً في قطاع غزة، بل بات جزءًا من روتين يومي في سياق إبادة متواصلة، أودت بحياة أكثر من 72 ألف فلسطيني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
حظيت دولة الاحتلال بغطاء خارجي سخي، عسكريًا وسياسيًا، مكّنها من مواصلة حربها رغم تحذيرات منظمات حقوق الإنسان البارزة، ورغم موجات الاحتجاج العالمية التي ملأت الشوارع والساحات بالحشود.
وبعد كل جولة قصف، كانت الأرقام وحدها تختصر الفاجعة، شهداء ومفقودون بالآلاف، غالبيتهم من الأطفال والنساء، حيث خلفت أدوات الحرب الحديثة فراغًا واسعًا في معظم أرجاء القطاع، كأنها تصوغ أبعاد إبادة مركّبة لا تترك مجالًا للحياة.
ولفهم حجم الكارثة، ينبغي استدعاء المشهد الي كان نابضاً قبل الهجوم، لقد كان هناك حيّ سكني تقطنه عائلات مترابطة بروابط القرابة والمصاهرة والجيرة.
وفي المبنى المستهدف، كان يعيش الإخوة مع أسرهم وأطفالهم وكبار السن، في بيت غزّي تقليدي شُيّد طابقًا فوق طابق عبر سنوات من الكدّ والتعب، ثم تمتد الروابط إلى مبانٍ مجاورة، لكنها سرعان ما اختفت تحت الركام أو تتحول إلى أطلال.
إبادة الطفولة الفلسطينية
انصبّت الإبادة أولًا وقبل كل شيء على الأطفال، فمَن هم دون الثامنة عشرة يشكلون غالبية المجتمع في غزة، وقد حذّر مسؤولون دوليون مرارًا من أن آلة الحرب كانت تقتل ما يعادل فصلًا دراسيًا كاملًا من الأطفال يوميًا.
في طليعة الخسائر حلت المرافق المخصصة لرعاية الأطفال مثل الروضات والمدارس بما فيها مدارس الأونروا، والملاعب، والمستشفيات، والعيادات، وبيوت الأسر، وما تبقى من مدارس تحوّل إلى ملاجئ للنازحين.
لا يكاد يوجد طفل في القطاع لم يشاهد أشلاءً ودماءً أكثر من مرة، وغالبًا ما كانت تعود إلى أقارب أو جيران أو أصدقاء، وقد كان الرضع والخدّج من بين الأكثر هشاشة، إذ انقطعت الكهرباء والوقود، فتوقفت الحاضنات واحدة تلو الأخرى، بينما حال جيش الاحتلال دون إنقاذهم أو نقلهم رغم النداءات المتكررة.
وقد تم توثيق روايات انتشال أطفال من تحت الركام بعد ساعات طويلة قضوها وهم يسمعون أنفاس آبائهم وإخوتهم تخفت تدريجيًا، حتى امتدت إليهم يد الإنقاذ أخيرًا.
ومن كان ينجو من الأطفال كان يحمل أعباءً ثقيلة كفقدان الوالدين أو الأشقاء أو الأجداد، وانهيار الأمان اليومي، وتلاشي الأمل في المستقبل، وتمزق الروابط الاجتماعية، والتنقل القسري المتكرر.
يتجسد محو الطفولة أيضًا في إذلال يومي للحصول على الماء والغذاء، وفي تقلص متوسط العمر المتوقع بسبب انهيار الرعاية الصحية والتعرض لمواد ملوثة في بيئة مسمومة، فضلًا عن شبح الموت الدائم.
لقد حُرم أطفال غزة من أعوام دراسية متتالية، كأنهم أزيلوا من حياتهم التعليمية، فاختفت الدفاتر والكتب والألعاب والحيوانات الأليفة، وانتشرت مقاطع لجنود من جيش الاحتلال يعبثون بممتلكات الأطفالز
لقد ظهرت صور لجندي يمتطي حصانًا خشبيًا في منزل بحي الشيخ رضوان في سبتمبر/أيلول 2025، وآخر يحطم أدوات مدرسية وألعابًا في متجر شمالي غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023.
إبادة ثقافية
لم تكن المنازل وحدها هدفًا، فقد عاش فيها مدرسون وأطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وعمال مهرة، بل خسرت الجامعات أيضاً أعدادًا كبيرة من أساتذتها وباحثيها، بينهم حائزون على جوائز دولية، وصار الانتماء إلى الوسط الأكاديمي في غزة سببًا كافيًا لإدراج الاسم في قوائم الشهداء، سواء في المنازل المكتظة أو خيام النزوح.
خذوا مثلاً الشاعر وأستاذ الأدب الإنجليزي رفعت العرعير الذي نشر قبل أيام من استشهاده في 6 ديسمبر/كانون الأول 2023 نصًا يقول فيه: “إن كان لا بد أن أموت، فعليك أن تعيش لتروي قصتي”، وقد تُرجم هذا النص إلى عشرات اللغات، ليغدو شهادة أدبية على زمن الإبادة.
تجلّت محاولات المحو الثقافي في تدمير مكتبات عامة وخاصة، والعبث بمكتبات جامعية غربي مدينة غزة، وتفجير مرافق أكاديمية تضم رسائل علمية ومخطوطات نادرة.
وقد ظهر الأستاذ الجامعي المسن فايز أبو شمالة في مقاطع مصورة يعتذر لشعراء وكتاب لأنه اضطر، بألمٍ بالغ، إلى إحراق مؤلفاتهم لاستخدامها وقودًا للطهي بعد نفاد الحطب.
وبرحيل كبار السن، خسر المجتمع جزءًا من ذاكرته الشفوية ومعرفته الشعبية، لقد دُمّرت مقتنيات تاريخية وصور قديمة وصكوك ملكية تعود إلى بيوت سُلبت في نكبة 1948.
وترافق القصف والاجتياحات مع تسوية معالم أثرية ودينية بالأرض، وتدمير البلدة القديمة، واستهداف دور عبادة تاريخية.
لقد تحوّل المسجد العمري الكبير، رمز غزة وأبرز معالمها التاريخية، إلى ركام، واستُهدفت كنيسة القديس برفيريوس في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فسقط مدنيون مسلمون ومسيحيون احتموا بها.
إبادة بيئية
انهارت المنازل على سكانها، فمزّقت الحيوانات الأليفة بين الركام، وظهرت حيوانات هزيلة على شفا الموت في بيئة منع عنها جيش الاحتلال الإمدادات الإنسانية، بينما ظلت شاحنات الأمم المتحدة عالقة عند المعابر.
أما الحمار، الذي صار وسيلة نقل شعبية بعد منع الوقود، فقد سقط قرب الحفر بعدما استقرت شظايا في جسده.
وفي 18 مارس/آذار 2025، لم يتمكن حصان كان يجر عربة مصابين من إكمال الطريق إلى المستشفى، في مشهد كثّف مأساة الفلسطينيين كما لو أنه لقطة ملونة من فيلم صامت قديم.
وُجدت حمير وبغال وخيول نافقة في الشوارع ومناطق الأطراف، وسط روايات عن قنصها من مسافات بعيدة.
وهاجمت كلاب جائعة نساء حوامل، ونهشت جثامين بشر وحيوانات تُركت على الطرق في شمالي القطاع، حيث اعتاد جنود الاحتلال إطلاق النار على كل ما يتحرك.
استُهدفت حظائر المواشي ومزارع الدواجن، وأُبيدت جماعيًا في الأسابيع الأولى من الحرب، وترك بعضها ليموت بعد إعلان وزير حرب دولة الاحتلال يوآف غالانت في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حصارًا شاملًا يشمل الماء والغذاء والدواء والكهرباء والوقود “كل شيء”.
أما الغطاء النباتي الذي كان يتركز في الأراضي الشمالية والشرقية والوسطى في غزة فاختفى تقريباً، وهو الذي كان يوفر غذاءً أساسيًا لأكثر من مليوني إنسان، خصوصًا الخضروات والفواكه وبرتقال غزة الشهير، إلى جانب محاصيل للتصدير كالفراولة والزهور والطماطم الكرزية.
حوّلت السياسات المنهجية القطاع إلى بيئة غارقة في التلوث، ومع انقطاع الكهرباء والغاز، لجأت الأسر إلى حرق البلاستيك ومواد سامة، وتعطلت شبكات الصرف الصحي، وتوقفت معالجة النفايات، فتكوّنت برك آسنة تعج بالحشرات والزواحف، وتراكمت أكوام القمامة.
وتحول سوق فراس، أحد أقدم المراكز التجارية، إلى مكب ضخم للنفايات بلغ حجمه نحو 300 ألف متر مكعب بارتفاع 13 مترًا، وفق بيانات أممية حتى فبراير/شباط 2026.
وتسربت مواد سامة إلى التربة والمياه الجوفية من الملوثات ومكونات الذخائر، وصار الساحل مصبًا لمياه الصرف غير المعالجة، ما أضر بالتنوع البحري، ومع توقف أجهزة الرقابة الصحية والغذائية، باتت السموم تتسلل إلى أجساد السكان عبر الأسماك القليلة المتاحة.
تدنيس الموتى
امتدت الإبادة إلى الأموات أنفسهم، فقد جرفت جرافات الاحتلال مقابر جماعية، ونبشت رفاتًا، ونقلتها لإجراء فحوصات الحمض النووي، وقد أُعيد بعضهم لاحقًا في مئات الأكياس داخل شاحنات صدئة ليدفنوا في خنادق واسعة، في مشاهد تستدعي أهوال الحرب العالمية الثانية.
تعكس هذه السياسة ذهنية استعلائية لا ترى في موتى الآخرين حرمة، بينما تبدي أقصى التقديس لقتلاها، حيث وثّقت مشاهد دبابات وآليات عسكرية تسحق جثامين فلسطينيين مرارًا.
إن ما ترتكبه دولة الاحتلال في غزة ليس فعلًا واحدًا، بل إبادة مركّبة، تتداخل فيها أشكال متعددة من الفناء البشري، والثقافي، والبيئي، نُفذت بمنهجية وتصعيد متدرج، وفرضت دمارًا شاملًا، وتهجيرًا واسعًا، وتجويعًا، وتمزيقًا لبنى اجتماعية قائمة على العائلة والجيرة.
وقد ترافق ذلك مع تدمير مستشفيات ومرافق طبية، واستهداف كوادر صحية، ومنع العلاج، فاختُطف الطبيب حسام أبو صفية في 27 ديسمبر/كانون الأول 2024 عقابًا له على صموده في مستشفى كمال عدوان الذي كان يديره.
دوافع أيديولوجية
كما وتعززت هذه الإبادة بخلفيات أيديولوجية، عبر استدعاء اقتباسات انتقائية من نصوص مقدسة، كما فعل رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو وعدد من وزرائه بالإشارة إلى قصة عماليق ذات الطابع الإبادي.
والحقيقة أن الأمر لم يبدأ من نتنياهو، فالدولة التي يقودها قامت على أنقاض فلسطين، ونفذت قواتها المسلحة حملة تطهير عرقي موثقة في دراسات تاريخية معروفة.
وظلّت فكرة التخلص من غزة بالكامل تطارد قادة الاحتلال، كما عبّر عنها إسحاق رابين في 2 سبتمبر/أيلول 1992 حين قال: “أتمنى أن تغرق غزة في البحر”.
بعد ثلاثة أرباع قرن على نكبة 1948، استأنف قيادة الاحتلال المسار ذاته، فقد قال وزير الزراعة في حكومة الليكود آفي ديختر في نوفمبر/تشرين الثاني 2023: “هذه نكبة غزة 2023”.
جاءت هذه النكبة الأخيرة بضراوة تفوق سابقتها، مسلحة بقدرات عسكرية لم تكن متاحة في منتصف القرن العشرين، من قذائف تزن أطنانًا تُسقط على أحياء كاملة فتفنيها في لحظات.
وفي قلب كل حيٍّ مدمَّر، تختبئ تفاصيل مرعبة لإبادة متعددة الأبعاد، لم تترك مجالًا من مجالات الحياة الفلسطينية إلا وطالته.
للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)







