بقلم عاصم النبيه
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
بعد أكثر من عامين على الإبادة الجماعية، ها هي غزة يُعاد تأطيرها في الوعي العالمي باعتبارها “أزمة إنسانية”، حيث تتصدر المشهد صور أطفال يتضورون جوعًا، وخيام تهتز على وقع الريح، وطوابير طويلة تصطف للحصول على الماء، وشاحنات مساعدات عالقة عند المعابر.
صحيح أن هذه الصور حقيقية، وأن المعاناة حقيقية، لكن طريقة السرد مضلِّلة بعمق، ذلك أن غزة ليست منطقة منكوبة بكارثة طبيعية، وليست أيضاً أرض ضربها الجفاف وتنتظر المطر، ولا مدينة سوّاها زلزال بالأرض دون إنذار أو مسؤولية.
إن ما يجري في غزة هو حصيلة متعمدة لقرارات سياسية، واستراتيجيات عسكرية، ومنظومة هيمنة يمتد أثرها منذ عقود، وبالتالي فإن اختزال كل ذلك في مجرد “أزمة إنسانية” ليس توصيفًا ناقصًا فحسب، بل شكلاً من أشكال المحو.
وعلى كل، فإن هذا التأطير ليس بريئًا ولا عفويًا، بل إنه يطمس المسؤولية، ويتجاهل التاريخ، ويحمي دولة الاحتلال من المساءلة عبر تحويل جريمة سياسية إلى مشكلة تقنية تتعلق بالإغاثة واللوجستيات.
اليوم يجري تدمير غزة عبر حملة منهجية من العنف العسكري والحصار والعقاب الجماعي، تنفذها دولة الاحتلال وهي تدرك تمامًا عواقبها، والتعامل مع هذا الواقع بوصفه شأنًا إنسانيًا، لا جريمة سياسية، يحرّف السبب والحل معًا.
فحين تُفصل اللغة الإنسانية عن المحاسبة السياسية، تتحول إلى أداة لتجريد القضية من سياقها، فهي تنقل الانتباه من الفاعل إلى الأعراض، ومن الجذر إلى النتيجة، ومن العدالة إلى الشحنات الإغاثية، حيث تُستبدل الحقوق بطرود غذائية والبيوت بخيام كما تُستبدل الحرية بقوافل مساعدات.
وفي هذا السرد، يُختزل الفلسطينيون إلى متلقين سلبيين للصدقات، بدل أن يُنظر إليهم كشعب يخوض نضالًا سياسيًا يمتد لأكثر من قرن.
تجويع مُصَمم
تصبح اللغة الإنسانية خطرة حين تحل محل الحقيقة السياسية، فعندما تُقدَّم غزة باعتبارها موقع “احتياج”، لا موقع قهر، تختفي دولة الاحتلال من المشهد.
وعند ذلك، يصبح الجوع ظرفًا مؤسفًا لا سلاحًا، ويصبح الدمار “أضرارًا في البنية التحتية”، لا استهدافًا مقصودًا، ويتحول الفلسطينيون من شعب يقاوم استعمارًا إلى سكان ينتظرون المساعدة.
وهكذا يجري تقديم المجاعة في غزة أحيانًا بوصفها نتيجة شُحّ أو ظروف استثنائية، لكن جوع غزة مُصنَّع، وتوصيفه كأزمة إنسانية دون تسميته باعتباره سلاح ضغط هو مشاركة في تضليل خطير.
لقد فرضت دولة الاحتلال حصارًا شاملًا، وقيّدت دخول الغذاء، ودمّرت الأراضي الزراعية، واستهدفت المخابز، وقلّصت الوقود، وفككت سلاسل الإمداد الغذائي.
وقد حذّرت منظمات دولية مرارًا من خطر المجاعة، ومع ذلك واصلت دولة الاحتلال التحكم في السعرات، والمعابر، ومسارات المساعدات كأدوات للسيطرة.
وحين يُقال “أزمة إنسانية” دون تسمية الجهة الفاعلة هو إخفاء للنية، فالتجويع في غزة ليس إخفاقًا في إيصال المساعدات، إنه سياسة تفرضها دولة الاحتلال.
وينطبق الأمر ذاته على الدمار، ذلك أن أحياءً بأكملها أُزيلت من الوجود لا صدفة، بل عبر قصف متواصل من جيش الاحتلال، مستشفيات، جامعات، آبار مياه، شبكات صرف صحي، مرافق بلدية استُهدفت بشكل منهجي.
لقد تبنّت العقيدة العسكرية لجيش الاحتلال تدمير البنية المدنية كوسيلة ضغط، وتوصيف ذلك بأنه “انهيار حضري” أو “أضرار ما بعد الحرب” يسلب العنف فاعله، فالبنية التحتية لا تنهار من تلقاء نفسها بل إنها تُدمَّر.
إدارة الدمار لا إنهاؤه
يخلق الخطاب الإنساني أيضًا وهمًا زمنيًا زائفًا يوحي بأن معاناة غزة لحظة استثنائية يمكن احتواؤها حتى تعود “الحياة الطبيعية”، لكن دولة الاحتلال حرصت على ألّا يكون هناك “ما بعد”.
فالحصار يسبق الإبادة الحالية، ودولة الاحتلال أعلنت بوضوح نيتها منع إعادة إعمار حقيقية، أو استقلال سياسي، أو تعافٍ فعلي، في ظل هذه الشروط، لا تحل المساعدات أزمة، بل تُدير حالة دائمة من التدمير.
لهذا، فإن الدعوات لزيادة المساعدات رغم مشروعيتها الأخلاقية تظل قاصرة سياسيًا، إذ يمكن للمساعدات أن تُبقي الناس أحياء لكنها لا تمنحهم حياة تستحق العيش، لا تعيد الكرامة، ولا السيادة ولا الأمان، لا تبني مجتمعًا تحت حصار دائم.
بل الأخطر، حين تحل المساعدات محل الفعل السياسي، فإنها قد تطبّع الظلم عبر جعله قابلًا للاستمرار، وعندما تصبح الاستجابة الدولية الأساسية هي الإغاثة، يُتاح لدولة الاحتلال وحلفائها الظهور كأطراف قلقة أو وسيطة، لا كمرتكبين وممكّنين للجريمة.
انحراف أخلاقي عميق
وبالطبع فإن ثمة انحراف أخلاقي بالغ هنا، حيث يُطلب من الفلسطينيين الامتنان لمساعدات تُسلَّم تحت سيطرة دولة الاحتلال، بينما تواصل قصفهم وتجويعهم وتهجيرهم، ويُعاد تأطير مقاومتهم بوصفها جحودًا أو تطرفًا، ويتحول السؤال من: “لماذا تفعل دولة الاحتلال ذلك؟” إلى: “لماذا لا يستطيع الفلسطينيون الاكتفاء بالبقاء؟”.
وبالتأكيد فإن هذا التحول ليس محايدًا بل هو سياسي بامتياز، ويبلغ هذا الانحراف حد العبث حين تُختزل مطالب الفلسطينيين في بُعد مادي بحت وكأن أهل غزة تحمّلوا عقودًا من الاقتلاع والمنفى والقصف والمحو، فقط للحصول على ثلاث وجبات يوميًا وخيمة أفضل، إن هذا التأطير ينتزع من النضال الفلسطيني جوهره الأخلاقي.
هناك أيضًا عنف معرفي في السرديات التي تكتفي بالإطار الإنساني، إذ تضيق دائرة “المعرفة ذات الصلة”، وتُهمَّش الأطر القانونية، والمسؤولية التاريخية، واستمرارية الاستعمار، واختلال موازين القوة، لصالح أرقام ومؤشرات من قبيل كم سُمح بدخوله من شاحنات؟ كم خيمة نُصبت؟ كم سعرة حُسبت؟
هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست بريئة، إنها تشكّل السياسات، والتمويل، والخيال العام، بطريقة تحمي الوضع القائم.
ويمكن للأرقام أن تخبرنا كم دخل من مساعدات، لكنها لا تفسر لماذا تجوع غزة، ذلك أن السياسة وحدها تفعل والسياسة تقود مباشرة إلى دولة الاحتلال.
بين الإغاثة والعدالة
لكن المساءلة غائبة على نحو فاضح، فالإبادة لا تقع في فراغ بل تحتاج إلى سلاح، وغطاء دبلوماسي، وحق نقض، وصمت، وتواطؤ.
والخطاب الإنساني يسمح للمسؤولين مباشرة أو ضمنًا أن يظهروا كمحسنين لا كممكّنين، حيث يمكن للدول التي تسلح وتحمي دولة الاحتلال أن تعيد تقديم نفسها كدول مانحة ووسطاء، وفي هذا الحال تتحول المساعدات إلى غسيل أخلاقي، يُخفي التواطؤ بدل أن يواجهه.
إن ما تطلبه غزة ليس صدقة، بل عدالة، وهذا يعني إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وتفكيك منظومات الفصل العنصري، والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، ومحاسبة المرتكبين وفق القانون الدولي.
دون هذه الخطوات، تبقى الجهود الإنسانية مهما حسنت نياتها أشبه بضمادات توضع على جرح ما زال يُفتح عمدًا.
وهذا لا يعني رفض المساعدات، فأهل غزة بحاجة فورية إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية، لكن يجب فهم الإغاثة باعتبارها حدًا أخلاقيًا أدنى، لا حلًا، يجب أن تقترن بفعل سياسي، ومساءلة قانونية، وتغيير بنيوي، وإلا تحولت إلى آلية تُبقي العنف قائمًا بدل أن توقفه.
بعد أكثر من عامين على الإبادة، أصبحت غزة مرآة يحدّق فيها العالم، لا تعكس هذه المرآة وحشية جرائم دولة الاحتلال فحسب، بل أيضًا عجز الاستجابة الدولية.
غزة لا تطلب شفقة العالم، إنها تطلب منه أن يسمّي ما يجري باسمه، وأن يتصرف على هذا الأساس.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)







