غزة تُبنى من تحت الركام: لماذا تفشل خطط الإعمار الدولية بينما يفرض الفلسطينيون نمطهم في الصمود؟

بقلم كاثرين هيرست 

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

وصلت المهندسة المعمارية والمخططة الفلسطينية دانا عريقات إلى غزة عام 2014، قبل يومين من وقف إطلاق النار الذي أعقب عدواناً للاحتلال على القطاع استمر سبعة أسابيع، في مهمة لتنسيق تمويل إعادة إعمار القطاع.

كان العدوان في ذلك الوقت قد أدى إلى تدمير 18 ألف وحدة سكنية وتشريد 108 آلاف شخص، لكن التخطيط لإعادة إعمار غزة بدأ بينما كانت القنابل لا تزال تتساقط.

وتتذكر عريقات أنه “بينما كان العدوان يُبث على شاشات التلفزيون، كانت البلديات تُجري بالفعل تقييمات للأضرار، وظننتُ حينها أننا شهدنا أسوأ ما في الأمر، لكن ذلك لم يكن ليُقارن بما نراه الآن”.

واليوم، وبعد 17 شهرًا من قصف الاحتلال المتواصل، سُوّي جزء كبير من غزة بالأرض، ودُمر 69٪ من مبانيها، وأسفرت هجمات الاحتلال عن استشهاد أكثر من 50 ألف شخص، وتدمير البنية التحتية، وتدمير نظام الرعاية الصحية، وتمزيق المعالم الثقافية، وترك نظام غزة التعليمي في حالة يرثى لها.

وقدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار القطاع بما يصل إلى 50 مليار دولار، وقالت أن ذلك يستغرق ما يصل إلى 80 عامًا، وأن إزالة 50 مليون طن من الأنقاض التي تغطي القطاع قد تستغرق 21 عامًا، بتكلفة 1.2 مليار دولار.

وانتقد خبراء التخطيط الفلسطينيون في غزة هذه التقديرات، مشيرين إلى إمكانية إعادة إعمار القطاع في غضون بضع سنوات إذا ضمن المجتمع الدولي الرفع الكامل لحصار الاحتلال.

غير أن الخبراء حذروا في ذات الوقت من التحديات “غير المسبوقة” المتمثلة في إزالة الأنقاض، التي يُعتقد أنها تحتوي على مواد كيميائية صناعية سامة، وقنابل غير منفجرة، وما يُقدر بنحو 10,000 جثة على الأقل، وفقًا لجهاز الدفاع المدني في غزة.

ومن شأن تصور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنشاء “ريفييرا غزة” أن يخلّف نزوحًا قسريًا للفلسطينيين من القطاع إلى الأردن ومصر، وتحويله إلى منتجع فاخر، على الرغم من أن الرئيس الأمريكي بدا لاحقًا وكأنه يتراجع عن اقتراحه.

وقد انبثق عن قمة جامعة الدول العربية في القاهرة في 4 مارس/آذار اقتراح مصري بديل لإعادة إعمار غزة بحلول عام 2030 بكلفة تبلغ 53 مليار دولار، حيث ترفض الخطة، المكونة من ثلاث مراحل، تهجير الفلسطينيين من غزة، وتسعى إلى إعادة تطوير القطاع دون إخلائه من سكانه.

وحظيت المبادرة العربية بدعم من المجلس الأوروبي، لكن دولة الاحتلال رفضتها قبل أن تعود للعدوان الذي بات يُجبر سكان غزة الآن على الاحتماء في خيام هشة على أنقاض منازلهم، وهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسط حصار متجدد على المساعدات والكهرباء للقطاع، حيث لا تزال احتمالات التعافي ضئيلة.

مشهد غريب

ولطالما استخدمت دولة الاحتلال الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري لإحكام السيطرة الفلسطينيين في القطاع.

وخلصت مجموعة الأبحاث البريطانية “فورنسيك أركيتكتشر” إلى أن الخطة المصرية لغزة تعزز آليات هذه السيطرة من خلال الحفاظ على المناطق العازلة التي بنتها دولة الاحتلال وممرات التوغل التي تشمل الطرق المؤدية من القواعد العسكرية في القطاع.

ويكرس الإبقاء على المنطقة العازلة داخل السياج المحيط بغزة عملية محو الأهمية التاريخية والسياسية لمناطق مثل جباليا والشجاعية، في حين تبقي الممرات الأمنية وممرات التوغل المجال مفتوحا لغزو جديد.

وتُتيح مقترحات الخطة الخاصة بالتجمعات السكنية، على عكس البنية الكثيفة والمتشابكة لمخيمات اللاجئين والأحياء الفلسطينية، سهولة الوصول للمداهمات العسكرية ومراقبة حركة السكان عن كثب.

وفي هذا الصدد ترى يارا شريف، المهندسة المعمارية والمؤسسة المشاركة لفريق إحياء فلسطين (PART)، أن الخطة تفشل في نهجها التنازلي لإعادة الإعمار، الذي يُقصي أصوات الفلسطينيين في غزة، متسائلة: “من سيقرر مستقبل غزة إن لم يكن أهلها؟”.

“من وجهة نظر معمارية، تعاني الخطة من ثغرات عديدة، فقد تم تصميمها على نمط واحد للجميع يتجاهل ثراء تاريخ غزة ومعالمها الأثرية وتنوع النسيج الحضري والريفي، وهذا أمر مثير للقلق” – يارا شريف، مهندسة معمارية ومؤسسة مشاركة لفريق إحياء فلسطين

ووفقاً لشريف فإن لكل من المدينة المكتظة والشريط الساحلي الفريد والمناطق الزراعية خصوصيتها وهويتها، مبينةً أن الأمر “ينتهي بمشهد غريب مفروض، حيث لا يمكن تحقيق أي انتعاش في ظل حصار الاحتلال المستمر للقطاع”.

وتابعت: “لا تزال غزة تحت الحصار، دون الحق في الحصول على المواد والموارد الأساسية، ولا يزال الاحتلال والاستعمار وجرائم الحرب في تواصل، ولا يزال الناس يعيشون في خيام دون الحصول على ما يكفي من المياه النظيفة والكهرباء والمساعدات”.

ومضت شريف تقول أن “للمجتمع الدولي دورٌ في المساعدة على رفع الحصار وتمكين سكان غزة من حقوقهم الإنسانية الأساسية، بما في ذلك الحق في سكن ومدينة ومواد بناء”.

التعافي في ظل الاحتلال

هذا وحذّر الخبراء من أن تنفيذ أي خطة لإنعاش غزة قد يتعثر بسبب سيطرة الاحتلال الصارمة على حدود القطاع، كما حدث في جهود إعادة الإعمار السابقة.

فقد قال المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن ليلياني فرحة: “لدينا رأي صادر عن محكمة العدل الدولية ينص بوضوح تام على أمرين: غزة أرض محتلة، واحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية غير قانوني ويجب إنهاؤه فورًا”.

“أعتقد أن هذا يجب أن يكون أيضًا في صدارة أي خطة للتعافي وإعادة الإعمار، ولا أرى ذلك في الكثير من الخطط التي قرأتها، لن يكون هناك انتعاش دون إنهاء الاحتلال” – ليلياني فرحة، المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة

وبالعودة إلى المعمارية دانا عريقات، فقد أدركت بسرعة الحقائق التي تحدثت عنها فرحة من خلال عملها في منصبها كرئيسة إدارة المساعدات في وزارة التخطيط الفلسطينية عام 2012. 

كانت عريقات مسؤولة عن تنسيق المساعدات والتواصل بين السلطة الفلسطينية والمنظمات غير الحكومية في كل من غزة والضفة الغربية المحتلة، حيث قالت: “لقد رأيت بنفسي مدى صعوبة إنجاز العمل الفعلي بسبب قيود الاحتلال حتى عند توفر الميزانية”.

فقد واجه مشروعٌ ممول من الاتحاد الأوروبي عام 2009 للتنمية المجتمعية في المنطقة “ج”، وهي منطقة تغطي 60٪ من مساحة الضفة الغربية الخاضعة لسيطرة الاحتلال الكاملة، صعوبةً في الانطلاق رغم توفر التمويل.

وفي إطار هذا المشروع، وضعت 32 بلدية خططها الخاصة التي قُدمت إلى سلطات الاحتلال للموافقة عليها، حيث قالت عريقات لموقع ميدل إيست آي: “قُدِّم اثنان وثلاثون مخططًا، وعلى مدار خمس سنوات، لم يُمنح سوى اثنين منها فقط موافقة مشروطة لأنها تقع في المنطقة ج”.

وفي عام 2014، صرّحت عريقات بأنّ جهود الإنعاش في غزة تعثّرت بسبب عدم وصول معظم المواد اللازمة لإعادة الإعمار إلى القطاع، على الرغم من توفّر التمويل.

وفي مؤتمر المانحين في القاهرة عام 2015 تعهدت الدول المانحة بتقديم 5.4 مليار دولار لإعادة إعمار غزة على مدى ثلاث سنوات، مع أنّ عريقات أشارت إلى أنّ نصف هذا المبلغ فقط كان تمويلًا مُخصّصًا لغزة بالتحديد.

وعقب المؤتمر، وُضعت آلية إعادة إعمار غزة للسماح بدخول المواد المحظورة لإعادة إعمار القطاع، وهي اتفاقيةٌ بين الأمم المتحدة، ومكتب تنسيق أعمال حكومة الاحتلال في المناطق (COGAT) –  وكالة الاحتلال التي تُشرف على الأراضي الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، إلا أنّ الاتفاقية انهارت، حيث قال منتقدوها إنّها عملت على “مأسسة” الحصار.

وتتذكر عريقات قائلةً: “بالكاد سُمح بدخول أيّ شيء، وكنا نتلقى شكاوى طوال الوقت من الأمم المتحدة والمانحين، لست متأكدة من كمية المواد التي دخلت عبر هذه الآلية، لكنها لم تكن كافيةً لتلبية الاحتياجات نظرًا لقائمة الاستخدام المزدوج”.

وتعتبر سلطات الاحتلال موارد مثل الأسمنت والأنابيب “استخدامًا مزدوجًا” أي مواد يمكن استخدامها لأغراض عسكرية، وبالتالي تفرض قيودًا صارمة على الكمية المسموح بدخولها إلى غزة، وبحلول عام 2016، أُعيد بناء أقل من 10% من المنازل التي دُمرت في عدوان 2014.

رأسمالية الكوارث

أما فرحة، فقد حذرت من خطر استغلال المصالح الخاصة لتعافي غزة، تمامًا كما كان عليه الحال في إعادة إعمار العراق عام 2003 وكذلك في ولاية نيو أورلينز في الولايات المتحدة عقب دمار إعصار كاترينا، عندما حلّت مشاريع تطوير جديدة محلّ السكان السود للأحياء التقليدية.

وحذّرت فرحة من “خطر حقيقي يتمثل في اتباع نهج رأسمالية الكوارث المالية والنيوليبرالية المتطرفة تجاه غزة”، في إشارة إلى مصطلح صاغته الكاتبة نعومي كلاين في كتابها “مبدأ الصدمة”، والذي يصف فرض إجراءات داعمة للشركات في أعقاب الكارثة.

وأعادت خطة إنعاش وضعها البنك الدولي والسلطة الفلسطينية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تصور غزة كـ”منطقة اقتصادية حرة لجذب الشركات والصناعات من جميع أنحاء العالم”.

وقالت فرحة: “كانت تلك الخطة تحمل في طياتها رأسمالية الكوارث، أعني، كانت في الواقع تهدف إلى جذب المستثمرين وإنشاء مناطق تجارة حرة”.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، أي بعد شهرين فقط من شن الاحتلال عدوانه على غزة، حضرت شركة ماكينزي الأمريكية للاستشارات الإدارية فعاليةً نظمتها مبادرة فلسطين الناشئة، وهي تحالف من القطاع الخاص يهدف إلى “تسريع وتعزيز الانتعاش الاقتصادي” في غزة.

وفي مايو/أيار، نشر مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو صورًا مُصممة بتقنية الذكاء الاصطناعي لرؤيته لغزة عام 2035، والتي تُعيد تصور القطاع كدبي جديدة، تزخر بناطحات السحاب ومحطات الطاقة الشمسية.

وأشار نتنياهو إلى أن المشروع سيتضمن “البناء من العدم”، وقد كرر ترامب هذا الخطاب، واصفًا غزة بـ “موقع هدم”، لكن الواقع الذي فرضته عودة الفلسطينيين إلى منازلهم ونصب أرائك وخيام مهترئة فوق الأنقاض يُناقض هذه التصورات.

يُظهر الفلسطينيون نموذجًا بديلًا للتعافي، نموذجًا يرفض فكرة أن منازلهم منطقة كوارث، ويُعيد تأكيد ارتباطهم بأرضهم، وبعيدًا عن البناء “من العدم”، فإن جهودهم مُوجهة لانتشال حياتهم من الحطام.

وفي عام 2010، توجهت شريف وفريقها إلى غزة لدعم جهود إعادة الإعمار، ولاحظوا أن الفلسطينيين يبتكرون تقنياتهم الخاصة لإعادة بناء منازلهم، من خلال إعادة استخدام الأنقاض.

والآن، وبينما يروج الفاعلون لمقترحاتهم حول مستقبل غزة، تقود البلديات والسكان المحليون مبادرات إعادة إعمار على نطاق ضيق على أرض الواقع، حيث قالت شريف: “إنهم يحاولون استعادة الآثار، وإنقاذ ما هو متاح هناك”.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة