غزة من الداخل: شهادة شاب على الحرب، النزوح، وفقدان الحياة اليومية

بقلم عمرو إبورك

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

أنا من بلدة خزاعة، الواقعة شرق خان يونس في جنوب قطاع غزة، قرب السياج الفاصل، هناك نشأت، وهناك عشت مع عائلتي في مزرعتنا، واليوم أكتب لا بصفتي ضحية، بل شاهداً على حياة تغيّرت في لحظة واحدة، وعلى وطن انتُزع من أيدي أهله، وعلى أرض سُلبت مع المساحة التي تتيح للإنسان أن يكون إنساناً.

قبل الحرب، كنت مجرد طالب في المرحلة الثانوية، كنت أستيقظ كل صباح على صوت الريح وهي تمر بين سنابل القمح، وعلى صياح الديك الذي بدا وكأنه يعلن بداية يوم جديد مليء بالعمل والأمل.

كانت عائلتي تمتلك مزرعة بمساحة مئة دونم، نزرع فيها القمح والشعير والبطيخ والسبانخ والطماطم، وكل ما تجود به الأرض بسخاء.

وكنت أعمل مع والدي وإخوتي في الأرض، كان لدينا حمار يساعدنا في حراثتها، ودراجة نارية نتنقل بها بين الحقول، كانت حياتنا اليومية تدور حول لون التربة، وملمسها تحت المزروعات، ورائحة النباتات التي نزرعها بأيدينا.

كان إخوتي في الجامعة، وكنت أستعد لعامي الأخير في الثانوية العامة، كنت آمل في الحصول على معدل مرتفع يتيح لي دراسة الهندسة الزراعية لتطوير مزرعتنا، أو برمجة الحاسوب، لفتح آفاق جديدة لمستقبلي، درست بجد، وحلمت أكثر، ولم يخطر ببالي أن حياتنا الهادئة نسبياً يمكن أن تُمحى في لحظة واحدة.

الهروب من الموت

نزحنا من بيتنا حاملين ما استطعنا حمله فقط، تركنا كل شيء خلفنا، ولم يكن معي سوى حقيبة صغيرة لا تزال تفوح منها رائحة البيت، أصبحت تلك الحقيبة آخر ما يربطني بالمنزل والمزرعة والذكريات المتجذرة فيهما.

كان هذا النزوح الأول، ثم الثاني، فالثالث، وتوالت عمليات النزوح حتى بلغ عددها 23 مرة، وفي كل مرة كنا نُجبر فيها على الرحيل، كان يبدو أننا نترك جزءاً من أنفسنا وراءنا، ولا نحمل معنا سوى ما تحتمله أكتافنا المنهكة.

كان الموت يتحرك بيننا بلا رحمة، أذكر أنني كنت أسير في أزقة المخيم الضيقة، محاولاً العبور بين الخيام المهترئة والناس المذعورين، حين سقط صاروخ فجأة على خيمة جيراننا، كان الانفجار قريباً مني، أُصبت بجروح طفيفة، فيما استشهد كل من كان داخل الخيمة.

شعرت حينها أن الموت يلاحقنا دون هوادة، وأدركت أن الحرب ليست مجرد انفجارات؛ إنها محو لحيوات كاملة في لحظة واحدة، تترك وراءها صمتاً ثقيلاً وألماً ينقش نفسه في القلب، ليغدو كل مرور في المخيم مشياً على حافة الخوف.

لم يكن هناك أي إنذار، فجأة، تساقطت الصواريخ، وانفتحت أبواب الدمار على غزة، ومنذ فقدان منزلنا، تحولت أبسط الاحتياجات إلى معارك، معركة من أجل الطعام، صراع للحصول على الماء، وكفاح يومي لمجرد البقاء على قيد الحياة

وقفت لساعات طويلة في طوابير الخبز، تحت الشمس وبين القصف، وغالباً لم أحصل إلا على رغيف واحد، صار الماء حلماً، وفي مرات كثيرة كنا نطارد صهاريج المياه لنؤمّن بضعة لترات للعائلة، وكل خطوة محفوفة بالخطر.

وحتى دورات المياه باتت تحتاج إلى انتظار طويل، ومعها فقدنا آخر ما تبقى من خصوصيتنا، أجل لم تترك لنا الحرب أي مساحة لنكون بشراً، كان المطلوب منا فقط أن نبقى أحياء.

دموع لا تكفي

لا شيء يثقل القلب أكثر من السير خلف نعش شخص تحبه، رأيت أصدقاء يُدفنون، وأقارب يُفقدون، وأمهات ينحنين فوق أجساد أبنائهن، لم تكن هناك دموع تكفي لكل هذا الفقد.

في إحدى المرات، وقفت في طابور الدواء وأنا أمسك بورقة كُتب عليها اسم ابن عمي الجريح، وكأن الورقة نفسها تحمل حياته، كان الدواء نادراً، والانتظار طويلاً، وفي كل مرة أعود فيها بعلبة صغيرة من الدواء، كنت أشعر وكأننا هزمنا الموت، ولو قليلاً.

الخيمة ليست بيتاً، إنها سقف مؤقت لا يقي تماماً من المطر أو الرياح أو البرد، وكل يوم يمر داخلها كان اختباراً لصبرنا وإرادتنا في الاستمرار.

ثم جاءت المجاعة الكبرى، التي استمرت ما لا يقل عن ثمانية أشهر، صار الطعام رفاهية، والماء حلماً بعيداً، كنا نحلم برغيف خبز واحد، ونشتاق حتى إلى رائحته، وفي بعض الأحيان، اشترينا أوراق الشجر بأسعار باهظة لنسكّن الجوع، وشربنا ماءً ملوثاً.

أنا وإخوتي، مع مئات غيرنا، توجهنا إلى منطقتي ميراج وتينة على أطراف رفح، وهي مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال، كنا نركض تحت الطائرات وبين القصف لنحصل على كيس واحد من الطحين، وإما أن نعود به أحياء، أو نعود شهداء، كانت تلك الأماكن مصائد موت حقيقية.

وخلال أحد فصول النزوح في رفح، كنت أحفر حفرة لبئر صرف صحي، وبينما كنت داخلها، انهار الرمل ودفنني، في تلك اللحظة، أيقنت أن حياتي انتهت، لكن الناس أنقذوني قبل أن أختنق، وحين خرجت، أدركت أن الموت في الحرب لا يحتاج إلى صاروخ، حفرة وركام يكفيان.

أحلام بعيدة

ورغم كل شيء، ظل حلمي بالعودة إلى خزاعة وزراعة الأرض حياً بداخلي، أحلم بزراعة القمح والشعير والبطيخ والخضروات، وبأن أرى الأرض التي أحببتها تعطي ثمارها من جديد.

واصلت الدراسة، لا على ضوء الشموع، بل على وهج أحزمة النار التي كانت تضيء السماء، راجعت دروسي والطائرات تحلق فوق رأسي، بإصرار بدا وكأنه فعل مقاومة، ورفض لأن تفقد روحي آخر ما تملكه.

حصلت على معدل 84% وكان يفترض أن تكون تلك اللحظة لحظة فرح، لكن الجامعات كانت قد دُمّرت، وكل ما نملكه من مال صُرف على البقاء، آلاف الدولارات أنفقت على الطحين وحده.

لقد باتت أحلامنا أبعد من قدرتنا على الوصول إليها، لكن اللحظة الأقسى جاءت حين عدت إلى خزاعة ورأيت بيتي مدمراً، والمزرعة التي نشأت فيها أُحرقت بالكامل، ثم جاء الخبر الأكثر قسوة: نظام الاحتلال استولى على كل أرضنا.

مئة دونم من حياتي اختفت، كأن جذوري اقتُلعت من الأرض ومن قلبي في آن واحد، واليوم أعيش بين الخيام، بين الجوع والقصف، بين الخوف والبرد، ومع ذلك، ما زلت أكتب.

أنا لست رقماً في نشرة أخبار، أنا إنسان كان له بيت وأرض ومزرعة وأحلام وطريق يسير فيه، لقد أخت الحرب منا كل شيء، لكنها لم تأخذ صوتي.

هذه قصتي، وليست قصتي وحدي، إنها قصة كل شاب في غزة ما زال يقاتل ليعيش يوماً إضافياً.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا

مقالات ذات صلة