فرانشيسكا ألبانيزي… عندما يصبح توثيق الجرائم جريمة

بقلم أحمد أبو ارتيمة

ترجمة وتحرير نجاح خاطر

تواجه المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، هجوماً سياسياً متواصلاً ومطالبات بإقالتها، بعد اتهامات تبين لاحقاً أنها استندت إلى مقطع فيديو جرى التلاعب به. 

ويرى كثيرون أن السبب الحقيقي للحملة ضدها هو إصرارها على توثيق جرائم دولة الاحتلال في غزة والمطالبة بفرض عقوبات ومساءلة دولية بشأنها.

في 11 فبراير/شباط، أصدر وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو بياناً طالب فيه باستقالة ألبانيزي، التي تشغل منصبها في الأمم المتحدة منذ عام 1967، وزعم أن ألبانيزي وصفت دولة الاحتلال بأنها “العدو المشترك للبشرية”.

وجاءت هذه الدعوة بعد يومين من رسالة بعث بها عدد من النواب الفرنسيين إلى الوزير، اتهموا فيها ألبانيزي واعتبروا تصريحاتها خلال منتدى الجزيرة في 7 فبراير/شباط “معادية للسامية”.

وسرعان ما لحقت أربع حكومات أوروبية أخرى بالموقف الفرنسي، إذ دعا وزراء خارجية النمسا وجمهورية التشيك وألمانيا وإيطاليا أيضاً إلى استقالتها.

غير أنه تبين لاحقاً أن الاتهامات الموجهة لألبانيزي استندت إلى مقطع فيديو مُحرَّف، حيث أظهر تدقيق أجرته منصة (Truth or Fake) التابعة لقناة فرانس 24 أن ألبانيزي لم تصف دولة الاحتلال بما نُسب إليها.

ووفقاً للمنصة فإن ألبانيزي كانت تشير إلى الأنظمة والآليات التي تمكّن وقوع الانتهاكات في غزة، وذلك بما يتسق مع المبادئ الراسخة في القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

واستجابةً لهذا التوضيح، تقدّم عدد من المحامين الفرنسيين بشكوى جنائية ضد بارو، متهمين إياه بنشر معلومات مضللة بشأن تصريحات ألبانيزي وتضخيم مقطع مبتور تداولته مجموعات مؤيدة لدولة الاحتلال.

ورغم تعهدات سابقة من بارو بأن يطالب باستقالة ألبانيزي خلال الاجتماع المقبل لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بدا أن فرنسا تراجعت عن هذا الطلب، إذ لم يرد أي ذكر لذلك خلال جلسة المجلس يوم الأربعاء.

والواقع أن القضية لا تتعلق بخطأ تقني فحسب، ذلك أن الموجة الأخيرة من الهجمات التي وُصفت بأنها “سامة” ضد ألبانيزي كشفت مرة أخرى حجم العداء الذي تواجهه من حكومات أوروبية بسبب توثيقها المتواصل لجرائم دولة الاحتلال ووصفها لتلك الجرائم بأنها إبادة جماعية، إضافة إلى كشفها تواطؤ دول في تمكين تلك الجرائم.

“تشويه رقمي”

والواقع أن البانيزي كانت قد قالت خلال مشاركتها في منتدى الجزيرة “حقيقة أنه بدلاً من وقف إسرائيل، قام معظم العالم بتسليحها ومنحها المبررات السياسية والحماية السياسية والدعم الاقتصادي والمالي”.

وتابعت: “نحن الذين لا نملك كميات كبيرة من رأس المال ولا الخوارزميات ولا الأسلحة، نرى الآن أننا كبشرية نواجه عدواً مشتركاً، وأن احترام الحريات الأساسية هي الطريق السلمي الأخير، والأداة السلمية الأخيرة التي نملكها لاستعادة حريتنا”.

وقالت منظمة العفو الدولية إن الانتقادات التي وجهتها وزارات الخارجية الأوروبية استندت إلى تشويه متعمد.

وأضافت المنظمة: “من المعيب أن يهاجم وزراء في النمسا وجمهورية التشيك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا فرانشيسكا ألبانيزي استناداً إلى مقطع فيديو مبتور عمداً جرى استخدامه لتحريف رسائلها وتشويهها بشكل خطير”.

وأوضحت المنظمة أن الوزراء الذين نشروا المعلومات المضللة يجب ألا يكتفوا بحذف تعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كما فعل بعضهم فعلاً، بل عليهم أيضاً تقديم اعتذار علني والتراجع عن مطالباتهم باستقالة ألبانيزي.

كما دعت المنظمة حكومات هؤلاء الوزراء إلى فتح تحقيق في كيفية انتشار هذه المعلومات المضللة بهدف منع تكرار مثل هذه الحالات مستقبلاً.

بدورهم، وقّع أكثر من 150 وزير خارجية وسفيراً ودبلوماسياً سابقاً رسالة مفتوحة أخرى اتهموا فيها وزير الخارجية الفرنسي بنشر معلومات مضللة حول ألبانيزي

وأشار الموقعون إلى أن اعتماد بارو على “نسخة مشوهة رقمياً” من تصريحاتها يثير “مخاوف جدية” بشأن معايير التحقق لدى المسؤولين الأوروبيين، منتقدين اعتماده على محتوى جرى التلاعب به وتضخيمه.

تسمية الإبادة باسمها

لم تكن هذه المرة الأولى التي تواجه فيها ألبانيزي ردود فعل سياسية انتقامية، فقبل هذه العاصفة، فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات عليها. 

وفي يوليو/تموز، زعمت وزارة الخارجية الأميركية إن اتهامات ألبانيزي لدولة الاحتلال بارتكاب إبادة جماعية أو نظام فصل عنصري هي “ادعاءات كاذبة ومسيئة”.

وجاءت تلك العقوبات عقب سلسلة رسائل دعت فيها ألبانيزي دولاً أخرى إلى ممارسة الضغط على دولة الاحتلال، بما في ذلك عبر فرض عقوبات، من أجل وقف القصف المدمر على غزة.

كما أيدت ألبانيزي مذكرات الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين لدى دولة الاحتلال، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم ارتكاب جرائم حرب.

وأصدرت المقررة الأممية أيضاً تقريراً سمّت فيه عدداً من الشركات الأميركية باعتبارها من الجهات التي تسهم في دعم ما وصفته بأنه احتلال دولة الاحتلال للأراضي الفلسطينية والحرب على غزة.

وكتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عبر منصة X: “لن يتم التسامح مع حملة ألبانيزي للحرب السياسية والاقتصادية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل بعد الآن، سنقف دائماً إلى جانب شركائنا في حقهم بالدفاع عن أنفسهم”.

السؤال الذي يبقى مطروحاً هو لماذا تُغضب ألبانيزي حلفاء دولة الاحتلال؟ والجواب هو أنها وبصفتها مقررة خاصة للأمم المتحدة، فهي تقوم ببساطة بأداء مهمتها في توثيق الجرائم والانتهاكات الحقوقية

كما أن السمة الأساسية في عمل ألبانيزي هي أنها تمارس واجبها بقدر كبير من الالتزام والنزاهة، وتنقل الوقائع التي ترصدها بوضوح ودقة، وتصرّ على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.

أضف إلى ذلك أن تقاريرها الحقوقية لا تخضع للاعتبارات السياسية، فهي تروي الحقيقة بكل قسوتها، وترفض تخفيف لغتها لتتلاءم مع الأعراف الدبلوماسية.

وعند تقديم تقريرها في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بعنوان “الإبادة الجماعية كطمس استعماري”، شرحت موقفها قائلة: “لماذا أصرّ على تسميتها إبادة جماعية؟ لماذا لا تكتفون بوصفها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية؟ لأنها إبادة جماعية”. 

وأضافت بالنص الحرفي “إذا ذهبت إلى طبيب وأصبت بالسرطان، لكنه أخبرك أنك تعاني من حمى، فهذه مشكلة كبيرة، الأمر نفسه ينطبق على شعب يتعرض للإبادة، من المهم أن نفهم ما هي الإبادة الجماعية ولماذا يجب الاعتراف بها كذلك”. 

وأوضحت في ذات النَص: “فكما فشل المجتمع الدولي في حماية ضحايا الإبادة في حالة اليهود في أوروبا، ثم البوسنيين في يوغوسلافيا السابقة، ثم التوتسي في رواندا، فإنه يفشل اليوم بالطريقة نفسها في حماية الفلسطينيين”.

وقد حرصت ألبانيزي باستمرار على ربط الأحداث الراهنة بسياقها التاريخي، ففي 14 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفي ما وصفته بـ “ضباب الحرب”، قالت: “منذ ما قبل قيام دولة إسرائيل حتى، جرى طرد الفلسطينيين من أرضهم وتدمير قراهم في أعوام 1947-1949 ثم في عام 1967، ولا يزال ذلك مستمراً”. 

وأردفت: “وما يحدث اليوم أشد قسوة ليس فقط بسبب التكنولوجيا والأسلحة، ولكن أيضاً بسبب الإفلات من العقاب الذي مُنح لدولة إسرائيل طوال 76 عاماً”.

موقفان متقابلان

والواقع أن هناك عدة حكومات مؤيدة لدولة الاحتلال اتخذت مواقف ناقدة لتل أبيب خلال الإبادة في غزة، لكنها لم تكن حاسمة بما يكفي لإجبار الاحتلال على وقف حملته.

فغالباً ما اقتصرت خطوات تلك الدول على إصدار بيانات شديدة اللهجة أو دعوات لتقديم المساعدات أو الاعتراف بدولة فلسطينية، وهي إجراءات لم تؤدِّ إلى أي تغيير ملموس على الأرض.

في المقابل، فإن الخطاب والاستراتيجية التي تدافع عنها ألبانيزي تطالبان بوضوح بفرض حظر على توريد الأسلحة، كما تدعوان الدول إلى قطع العلاقات التجارية والمالية مع دولة الاحتلال.

ومن هنا، فإن التوتر بين الحكومات الداعمة للاحتلال والمقررة الخاصة للأمم المتحدة يعكس موقفين متناقضين تجاه الإبادة في غزة.

الموقف الأول متواطئ، فحتى عندما يعبّر أحياناً عن معارضة، تبقى تلك التصريحات مترددة وغير مبدئية وتفتقر إلى أدوات ضغط أو مساءلة حقيقية، وهو موقف يفضل الحفاظ على شبكات المصالح مع منظومة الإبادة على حساب حقوق الإنسان والقانون الدولي.

أما الموقف الثاني فيمثل الضمير الأخلاقي العالمي الذي يدين الجرائم ولا يكتفي بالتصريحات الإعلامية والدبلوماسية، بل يدعو إلى خطوات عملية مثل قطع العلاقات التجارية، وتجريم تصدير الأسلحة، وملاحقة مجرمي الحرب قضائياً، وهذا الموقف وحده هو الذي يعبر عن رفض حقيقي للإبادة الجماعية.

وبالنظر إلى أن دولة الاحتلال لم تواجه أي رادع حقيقي حتى الآن، فإن مسؤوليها يواصلون التصرف بإفلات كامل من العقاب، فيما يُحرم الضحايا من العدالة، لذلك، فإن الخطاب الذي تمثله ألبانيزي ينبغي تعزيزه وتعميمه، لا إسكاتُه أو التضييق عليه.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة