فضيحة إبستين تعيد فتح ملف أوسلو وتضرب صورة النرويج كوسيط محايد

ترجمة وتحرير موقع بالعربية

تُثار اليوم تساؤلات جوهرية حول الدور الذي لعبته النرويج في اتفاقيات أوسلو عام 1993، بعدما كشفت الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية عن صلات وثيقة جمعت الملياردير الراحل المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين بشخصيات نرويجية بارزة شاركت في رعاية الاتفاق.

وكانت النرويج قد دأبت على تقديم نفسها بوصفها دولة وسيطة محايدة في النزاعات الدولية، مستندة إلى دورها في تسهيل توقيع اتفاقيات أوسلو بين دولة الاحتلال والفلسطينيين. 

غير أن الوثائق التي كُشف عنها حديثًا ألقت بظلال كثيفة على هذه الصورة التي تأسست على خطاب رسمي يروّج لـ “الحياد والنزاهة الدبلوماسية”.

إذ تُظهر الوثائق أن الدبلوماسية النرويجية مونا يول وزوجها تيريه رود-لارسن، وهما من أبرز الشخصيات التي اضطلعت بدور محوري في مسار أوسلو، كانا على صلة وثيقة بإبستين. 

كما أعادت هذه التطورات تسليط الضوء على وثائق متعلقة باتفاق أوسلو مفقودة منذ أكثر من 33 عامًا.

فقد طالب حزب “الأحمر” الاشتراكي في النرويج رود-لارسن ويول، التي شغلت منصب سفيرة لبلادها لدى دولة الاحتلال عام 2001، بتسليم أرشيفاتهما الخاصة إلى وزارة الخارجية النرويجية، في ظل تصاعد الدعوات لكشف حقيقة الدور الذي لعبته أوسلو في صياغة الاتفاق.

وكانت يول قد أنهت مؤخرًا مهامها كسفيرة للنرويج لدى الأردن والعراق، قبل أن تؤدي تداعيات فضيحة إبستين إلى تعليق عملها ثم استقالتها لاحقًا. 

وتُجري الشرطة النرويجية حاليًا تحقيقًا بشأن طبيعة العلاقة التي ربطت يول وزوجها بإبستين، وسط اتهامات لهما بالفساد والتواطؤ.

ويُعتقد على نطاق واسع أن إبستين عمل كوكيل لدولة الاحتلال، وكان مقرّبًا من رئيس وزرائها الأسبق إيهود باراك.

“الحكاية الخرافية”

وذكر بيورنار موكسنس، عضو لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في البرلمان النرويجي والرئيس السابق لحزب “الأحمر” أن دور النرويج في صياغة اتفاقيات أوسلو يجب أن يخضع لتحقيق شامل في ضوء هذه الفضيحة.

وأضاف لموقع “ميدل إيست آي”: “الأدوار التي لعبها وسطاء السلام تحتاج إلى تدقيق، لأنهم رسموا صورة رومانسية للعملية برمتها، والنرويج لم تكن طرفًا محايدًا كما حاولوا تصويرها”.

وعلى مدى عقود، استُخدمت رواية أوسلو في الداخل النرويجي لتقديم المملكة كدولة راعية للسلام. 

غير أن المنتقدين لسياسة الدولة يقولون أن الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا، إذ استمر الاستيطان الاستعماري لدولة الاحتلال في التوسع بلا رادع، فيما استشهد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

لقد أمضت المؤرخة النرويجية هيلده هنريكسن واغه، أستاذة التاريخ في جامعة أوسلو والباحثة البارزة في معهد أبحاث السلام (PRIO)، أكثر من عقدين في دراسة اتفاقيات أوسلو. 

وفي عام 2004، اكتشفت واغة اختفاء مئات الوثائق من أرشيف وزارة الخارجية النرويجية، بينها وثائق تتعلق بالفترة بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 1993، أي المرحلة الحاسمة من مسار المفاوضات، ورغم الطلبات المتكررة، لم تُقدّم الحكومة النرويجية تلك الوثائق حتى اليوم.

وتقول واغه إنها استُدعيت عام 2000 إلى مكتب يول، حين كانت تشغل منصب وكيلة وزارة الخارجية، وطُلب منها وقف أبحاثها “لحماية دور النرويج في أوسلو”.

وأضافت: “اتفاقيات أوسلو قُدمت كإنجاز تاريخي للنرويج بوصفها أمة سلام، ومع تحوّل الوساطة إلى منتج تصديري قوي، أصبح من المهم للحكومات ووزارة الخارجية الحفاظ على هذه الحكاية الخرافية”.

وتابعت: “أظهرت أبحاثي أن الاتفاق صيغ بالكامل وفق شروط دولة الاحتلال، وأن النرويج أدت دورًا طوعيًا في خدمة مصالحها”.

وترى واغه أن ما جرى يمثل ضربة قاصمة لـ “العلامة التجارية للنرويج كوسيط سلام”، مشيرة إلى أن الطرف الأقوى هو من يحدد دائمًا مآلات المفاوضات، وأنه “لا وجود لوسيط محايد فعليًا”.

وأضافت أن الزوجين كانا يطلعان الإسرائيليين مسبقًا وخلال وبعد كل جولة مفاوضات على مواقف الفلسطينيين ومنظمة التحرير، “وفي النهاية لم يحصل الفلسطينيون سوى على الفتات”.

اتهامات بالفساد

وفي تطور متصل، وجهت وحدة الجرائم المالية النرويجية (أوكوكريم) الأسبوع الماضي اتهامًا رسميًا ليول بالفساد، فيما وُجهت إلى رود-لارسن تهمة التواطؤ.

وأوضح المدعي العام بال لونسيث أن التحقيق سيركز على ما إذا كان الزوجان قد حصلا على منافع مرتبطة بمنصب يول في السلك الدبلوماسي، حيث تشير المعطيات إلى أن الزوجين اشتريا شقة في أوسلو عام 2018 بسعر يقل كثيرًا عن قيمتها السوقية.

وتكشف مراسلات إلكترونية ضمن ملفات إبستين أنه مارس ضغوطًا على مالك الشقة لبيعها بسعر منخفض، ملوّحًا بأن “الأمر سيصبح مزعجًا” إذا تراجع عن الصفقة، كما تضمن وصية إبستين إدراج اثنين من أبناء يول ورود-لارسن ضمن المستفيدين، مع تخصيص ما مجموعه 10 ملايين دولار لهما.

وأكد محامو الزوجين أن موكليهم واثقان من براءتهما، وأنهما يتعاونان مع التحقيقات الجارية.

وكان رود-لارسن قد استقال عام 2020 من منصبه مديرًا لمعهد السلام الدولي في نيويورك (IPI)، بعد الكشف عن تلقيه أموالًا من إبستين وتبرعات لصالح المعهد، وفي عام 2017، وصف إبستين بأنه “أفضل صديق له”، شاكرًا إياه على “كل ما فعله”.

كما ساعد رود-لارسن في تأمين تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة لنساء روسيات شابات كنّ ضمن دائرة إبستين، عبر خطابات توصية لوظائف بحثية. 

وأكدت بعض هؤلاء النساء أنهن تعرضن لانتهاكات على يد إبستين، فيما أوضح محامي إحدى الضحايا أن رود-لارسن ومعهد السلام الدولي لم يكونا متورطين في جرائم جنسية.

وشدد حزب “الأحمر” على ضرورة تسليم الوثائق المفقودة إلى أرشيف وزارة الخارجية، معتبرًا أن تلك الوثائق قد تكشف أن الوسطاء النرويجيين أدوا دور “رسل متحمسين” لدولة الاحتلال، وأنها قد تُسقط الرواية الرسمية حول دور النرويج في الشرق الأوسط.

وقال موكسنس إن قانونًا خاصًا يمكن اعتماده لإجبار الحكومة على الإفراج عن الوثائق، مضيفًا: “من المهم للفلسطينيين أن تظهر الحقيقة كاملة حول اتفاقيات أوسلو، فكلمة أوسلو باتت تُستخدم في الشارع الفلسطيني كشتيمة بسبب نتائج الاتفاق”.

وختم بدعوة بلاده إلى ممارسة ضغوط فعلية على دولة الاحتلال عبر المقاطعة والعقوبات الاقتصادية، قائلًا إن الدبلوماسية التقليدية استُنزفت بينما استمر التوسع الاستيطاني واندلعت حرب إبادة.

للإطلاع على النص الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة