فضيحة إبستين تهزّ أركان “العمال الجديد” وتعيد كوربن إلى الواجهة

بقلم جو غيل
ترجمة وتحرير نجاح خاطر

تمرّ السياسة البريطانية بلحظة استثنائية تكاد تعيد رسم ملامح مرحلة كاملة، إنها لحظة تختزل عقداً من السرديات المهيمنة داخل وستمنستر، حيث بدأ “التفكير الجمعي” الذي بدا وكأنه حقيقة لا تُمس، يتهاوى اليوم تحت وطأة تداعيات ملفات جيفري إبستين، وكأن حساب السنوات المؤجلة قد حان دفعة واحدة.

ولفترة طويلة، حمل بيتر ماندلسون لقب “أمير الظلام”، وكان أحد أبرز مهندسي مشروع “العمال الجديد” إلى جانب توني بلير، غير أنه سقط من موقعه سفيراً لبريطانيا في واشنطن إلى هاوية الفضيحة، بعد انكشاف عمق علاقاته بإبستين. 

ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ تصاعدت حدة العاصفة السياسية بعد التقارير حول مشاركته معلومات حكومية حساسة مع المموّل المدان بعد أزمة 2008 المالية.

أما مورغان ماكسويني، تلميذ ماندلسون والمهندس الرئيسي لإعادة بعث مشروع “العمال الجديد” بحلته الزرقاء، فقد اضطر للاستقالة على خلفية دوره في تعيين ماندلسون سفيراً، حيث جاء سقوطه بعد عقد كامل أمضاه في بناء شبكة “ليبر توغيذر” بدعم من ممولين أثرياء، بهدف إقصاء التيار اليساري المرتبط جيرمي كوربن من الحزب.

وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن الزعيم العمالي السابق جيرمي كوربن هو الوحيد الذي خرج من الفضيحة وقد تعززت روايته، حيث أن مواقفه المبدئية الرافضة لحروب الولايات المتحدة ونفوذ الشركات العملاقة داخل الحزب، والتي كانت سبباً رئيسياً في استهدافه، تعود اليوم لتُقرأ في سياق مختلف.

كان ماندلسون من أشد خصوم كوربن، ولم يُخفِ عداءه له، بل سعى بكل الوسائل إلى إضعافه، وخلال قيادة كوربن للحزب، جرى تهميش ماندلسون وإبعاده عن دوائر التأثير، غير أن عودة التيار الوسطي بقيادة كير ستارمر بدت وكأنها إعادة إحياء لمشروع ماندلسون القديم.

وقد قدمت قيادة ستارمر نفسها بوصفها مشروع “تغيير” يهدف إلى إزالة “وصمة معاداة السامية” التي وُسم بها الحزب في عهد كوربن، وهو خطاب بلغ ذروته مع فوز الحزب في الانتخابات لأول مرة منذ 14 عاماً. 

ورغم أن حزب العمال بقيادة كوربن كان قد اقترب من الفوز عام 2017، إلا أن مسؤولين يمينيين أثاروا لاحقاً اتهامات بتخريب داخلي.

خلال تلك المرحلة، جرى تعليق أو فصل عشرات الأعضاء اليهود المناهضين للصهيونية، في حملة تطهير بدعوى مكافحة معاداة السامية، بينما تجاهلت وسائل الإعلام الرئيسية تعقيدات المشهد، ورسخت رواية أحادية أصبحت مع مرور الوقت “حقيقة” راسخة في الوعي العام.

قبل 18 شهراً فقط، كان يُنظر إلى ماكسويني بوصفه مهندس الانتصار البرلماني الكبير بأغلبية 170 مقعداً، لكنه اليوم لم يعد أبداً داخل المشهد.

أما وزير الصحة ويس ستريتينغ، وهو أيضاً من المقربين لماندلسون، فقد باتت طموحاته لخلافة ستارمر في رئاسة الوزراء محل شك. 

وفي خطوة محسوبة، نشر  ستريتينغ هذا الأسبوع رسائل “واتساب” بينه وبين ماندلسون، أشار فيها إلى أن دولة الاحتلال ترتكب جرائم حرب ويجب فرض عقوبات عليها.

غير أن السجل السياسي يروي قصة أخرى، فخلال عامين من الإبادة في غزة، التزم ستريتينغ بخط ستارمر الداعم للتحالف مع دولة الاحتلال، متجنباً اتخاذ خطوات حاسمة لمحاسبتها، ومكتفياً بانتقادات شكلية، بينما استمرت لندن في تقديم الدعم العسكري والدبلوماسي لتل أبيب.

تكشف هذه التطورات أيضاً حجم التواطؤ الإعلامي في إعادة تأهيل ماندلسون، إذ جرى التغاضي عن صلاته بإبستين، ومنحه مساحات واسعة من التغطية المريحة، رغم طموحه المعلن للعيش في دائرة النخبة الثرية.

وربما لا تكون هذه نهاية القصة، فشركة “غلوبال كاونسل” التي أسسها ماندلسون عملت لصالح شركة “بالانتير” الأميركية المتخصصة في تقنيات المراقبة، ورتبت زيارة غير معلنة لكير ستارمر إلى مقرها في الولايات المتحدة العام الماضي. 

وبعد أسابيع من تلك الزيارة، وقعت بريطانيا عقداً بقيمة 240 مليون جنيه إسترليني مع الشركة دون مناقصة. 

ويقول منتقدون إن عقد وزارة الدفاع يثير شبهات جدية، خصوصاً مع انتقال عدد من مسؤولي الوزارة إلى الشركة، وسط اتهامات باحتمال “استيلاء الشركات على الدولة” من خلال نفوذ شركة أميركية مرتبطة بدوائر قريبة من إدارة ترامب وداعمة لدولة الاحتلال.

ومع عودة ماندلسون إلى مقر حزب العمال في منتصف الثمانينيات، في عهد نيل كينوك، حين بدأت رحلة التحول نحو “العمال الجديد”، كان يُنظر إلى خبرته في الاتصال السياسي آنذاك باعتبارها مكسباً استراتيجياً في طريق الحزب للعودة إلى السلطة.

وتشير تقارير إلى أن راتبه كان يُدفع عبر أحد المقربين من غيسلين ماكسويل، ابنة روبرت ماكسويل، قطب الإعلام وجاسوس الاحتلال الذي أقيمت له جنازة رسمية في جبل الزيتون، حضرها رئيس وزراء دولة الاحتلال ورئيس الدولة.

لعبت غيسلين دوراً محورياً في توسيع شبكة إبستين، التي استقطبت شخصيات نافذة من النخب الأنجلو-أميركية، بينهم أفراد من العائلات الملكية في بريطانيا والنرويج.

وبهذا المعنى، لا تبدو ملفات إبستين مجرد فضيحة جنائية، بل نافذة تكشف تداخل النيوليبرالية مع نفوذ المليارديرات و”أسر الدولة” عبر شبكات مصالح معقدة استُخدمت فيها النساء والفتيات الضعيفات وقوداً للابتزاز والسيطرة.

في هذا السياق، يعود اسم كوربن إلى الواجهة بوصفه سياسياً أمضى عقوداً في معارضة سياسات الغرب الخارجية، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ورفض هيمنة رأس المال على القرار السياسي.

كان ستارمر جزءاً من فريق كوربن بين 2015 و2019، لكنه انقلب لاحقاً عليه، متعهداً بطي صفحة “اليسار الراديكالي”، واليوم، تتراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها بالنسبة لرئيس وزراء في تاريخ البلاد الحديث.

أما المشروع الذي بناه ماكسويني حول ستارمر، بإشراف ماندلسون، فقد واجه اتهامات بالهشاشة والسلطوية والفئوية، وبالتعامل بصرامة عند أبسط المخالفات مع النواب السود والمسلمين، خصوصاً النساء.

وبإقصاء التيار اليساري والتراجع عن وعود شعبية كان ستارمر نفسه قد وقع عليها، مثل تأميم المرافق، وإلغاء الرسوم الجامعية، وإنهاء خصخصة خدمات الصحة، ورفض الحروب غير القانونية، فقد الحزب جزءاً كبيراً من رصيده الأخلاقي، ثم جاء دعم دولة الاحتلال في حربها على غزة باعتباره المثال الأشد تطرفاً على هذا الانحراف.

لقد جاءت التغييرات التي تبنتها الحكومة لاحقاً متأخرة وتحت وطأة الضغط، بعد سلسلة من التراجعات الحادة، مثل إلغاء سقف إعانة الطفلين، لكن الناخبين يرون استمرار الأزمة المعيشية وسياسات التقشف هي ذاتها.

واليوم، يواجه التيار الوسطي في حزب العمال معضلة حقيقية، فقد تآكل الدعم الشعبي، ولا رؤية واضحة، ولا شخصية قيادية قادرة على إنقاذ المشروع. 

أما الأمل الوحيد فبات يتمثل في استقطاب شخصية “يسارية ناعمة” قادرة على صد تقدم حزب “الإصلاح” بقيادة نايجل فاراج.

كان عمدة مانشستر آندي بورنهام مرشحاً محتملاً، قبل أن يُغلق الطريق أمام عودته إلى البرلمان، كما يواجه الحزب اختباراً صعباً في الانتخابات الفرعية بدائرة غورتون ودنتون، مع توقعات بخسائر أوسع في إنجلترا واسكتلندا وويلز.

وقد حاول الحزب منافسة خطاب الشعبويين المناهضين للهجرة، لكنه يواجه الآن تهديداً من يساره أيضاً، مع صعود حزب الخضر بقيادة زاك بولانسكي، الذي ملأ الفراغ التقدمي، أما حزب كوربن الجديد، فما زال في طور التشكل.

يتقدم حزب “الإصلاح” في استطلاعات الرأي، مستفيداً من السخط الشعبي تجاه فضائح وستمنستر، لكن وصوله المحتمل إلى داونينغ ستريت قد يعني تكرار دورة جديدة من الشعبوية السياسية.

وهكذا نجد أن مستقبل السياسة البريطانية مفتوح على كل الاحتمالات، غير أن ما يبدو ثابتاً هو أن كوربن لا يزال رقماً صعباً في معادلة إحياء الاشتراكية الديمقراطية ومعارضة الحروب.

صحيح أنه تم الإعلان عن موت هذا المشروع مرات عديدة، أولاً على يد بلير، ثم على يد ستارمر، لكن ما نراه اليوم يتمثل في أن مشروعهما هو الذي يقترب من مزبلة التاريخ.

للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)

مقالات ذات صلة