بقلم رضا نصري
ترجمة وتحرير نجاح خاطر
لم تكشف فضيحة سيغنال الأخيرة عما هو مجرد خرق للبروتوكول فحسب، بل كشفت عن مشكلة أعمق في الطريقة التي تبرر عبها الولايات المتحدة العمل العسكري خارج البلاد.
فقد أفادت التقارير أن مسؤولين أمريكيين كبارًا، بمن فيهم وزير الدفاع بيت هيجسيث، استخدموا تطبيق المراسلة المشفر لتنسيق خطط الضربات ضد الحوثيين في اليمن، وبرزت هذه المناقشة بعد إضافة رئيس تحرير مجلة “أتلانتيك” عن غير قصد إلى مجموعتهم الحوارية في التطبيق.
وأثار استخدام تطبيق مراسلات شخصية لمناقشة مثل هذه المسائل الحساسة قلقًا في واشنطن، نظرًا لتداعيات ذلك الجلية على الأمن القومي، لكن ما أثار القلق أكثر هو محتوى المحادثات.
ففي رسالة لافتة، نصح هيجسيث نائب الرئيس جيه دي فانس بكيفية صياغة التدخل للجمهور: “لا أحد يعرف من هم الحوثيون، ولهذا السبب علينا التركيز على: 1- فشل بايدن و2- تمويل إيران”.
لم يكن هذا تقييمًا استراتيجيًا، بل كان خطة رسائل سعت إلى تجنب شرح صراع خارجي معقد، والاعتماد بدلاً من ذلك على سرد مألوف.
يختزل هذا النهج أزمة جيوسياسية متعددة الأوجه في لعبة إلقاء اللوم على الخصوم السياسيين أو الخصوم الأجانب، وهو نمط متكرر في السياسة الخارجية الأمريكية، ففي مواجهة وضع معقد، يكون الحل هو التبسيط عبر تحديد عدو واضح، ورسم خط مستقيم للمسؤولية، وحشد الدعم الشعبي من خلال التكرار لا الاستدلال.
ولعقود مضت، ظل صانعو السياسات الأمريكيون يستخدمون إيران كركيزة أساسية في خطابهم، وكثيرًا ما يُستشهد بدور إيران في المنطقة، وفي سياق محدود في كثير من الأحيان، لتفسير عدم الاستقرار أو تبرير التدخل.
ومن خلال الإشارة إلى طهران كمدبرة للاضطرابات، تتجنب الولايات المتحدة الخوض في الديناميكيات الداخلية للصراعات الإقليمية أو عواقب سياساتها الخاصة.
رواية مضللة
هذه الرواية مناسبة، لكنها مضللة أيضًا، ففي حالة اليمن، لم تكن الإجراءات الأخيرة لحركة الحوثيين في البحر الأحمر وخاصة استهدافهم للشحن التجاري مجرد نتيجة لرعاية أجنبية بل كانت هذه الهجمات ردًا مباشرًا على قرار الاحتلال استئناف حربه على غزة ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع الفلسطيني، منتهكاً بذلك اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة مع حماس.
لقد دفع هذا الخرق الذي جاء ضمن عدوان أشمل أقرت محكمة العدل الدولية بأنه قد يشكل إبادة جماعية الحوثيين إلى اتخاذ إجراءات تضامنية مع الفلسطينيين، أي أن هذه التطورات جاءت بشكل مستقل عن طهران.
ومع ذلك، وبتحويل هذا السياق إلى قصة عدوان إيراني، يُخفي المسؤولون الأمريكيون المحفزات والدوافع الحقيقية وراء التصعيد.
وهناك تاريخ طويل لهذا النوع من التأطير، ففي الفترة التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر، والتي سبقت حرب العراق، استُخدمت روابط ضعيفة بين بغداد وتنظيم القاعدة لتبرير الغزو.
وفي السنوات الأخيرة، صُوّرت إيران بشكل متكرر على أنها المصدر الوحيد لعدم الاستقرار في لبنان وسوريا، والآن اليمن بغض النظر عن القوى السياسية والتاريخية والاجتماعية المختلفة المؤثرة في كل منها.
إنّ تكلفة هذه الاستراتيجية الإعلامية باهظة، فهي أولًا، تُعزز حلقة المواجهة، فبمعاملة إيران كخصم دائم، تُقلّص الولايات المتحدة مساحة التفاعل، حتى عندما يُمكن للحوار أن يُسفر عن نتائج.
ويُشير التاريخ إلى أن الدبلوماسية مع إيران مُمكنة ومُثمرة، وقد أثبت الاتفاق النووي لعام 2015 أنه يُمكن إدارة الخلافات المُعقّدة من خلال المفاوضات، وليس الضغط فقط.
ثانيًا، تُشوّه هذه الرواية الفهم العام، حيث يُؤكّد اعتراف هيجسيث الصريح بأن “لا أحد يعرف من هم الحوثيون” على اتجاهٍ أوسع، فكثيرًا ما يستغلّ المسؤولون الأمريكيون ثغرات المعرفة العامة، بدلًا من السعي إلى سدّها.
تترك هذه السلوكيات تأثيرها المُدمّر على المساءلة الديمقراطية، فإذا لم تُعرض الصورة الكاملة على الجمهور، فكيف يُمكنه إصدار أحكام مستنيرة بشأن السياسات التي تُنفَّذ باسمه؟
تترك هذه السلوكيات تأثيرها المُدمّر على المساءلة الديمقراطية، فإذا لم تُعرض الصورة الكاملة على الجمهور، فكيف يُمكنه إصدار أحكام مستنيرة بشأن السياسات التي تُنفَّذ باسمه؟
عواقب وخيمة
وأخيرًا، تزيد استراتيجية الرسائل هذه من خطر سوء التقدير الجسيم، فعندما تُشكّل الرسائل السياسية السياسات أكثر من الحكم الاستراتيجي، تُخاطر الولايات المتحدة بالتعثر في أفعال ذات عواقب وخيمة.
ويتجلى هذا الخطر جليًا في المناقشات الدائرة حول البرنامج النووي الإيراني، حيث أن اتباع نهج قائم على السرد، يُؤطّر كل تطور من منظور المواجهة، قد يدفع الولايات المتحدة في نهاية المطاف نحو الموافقة على توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.
ومن المرجح أن تُشعل مثل هذه الخطوة صراعًا إقليميًا أوسع، وتُلغي ما تبقى من سبل الدبلوماسية، وتُطلق سلسلة من الأحداث التي قد تُزعزع استقرار الشرق الأوسط لسنوات قادمة، وستكون عواقب هذا الخطأ وخيمة.
تحتاج الولايات المتحدة إلى نهج أكثر صدقًا ودقة تجاه الشرق الأوسط، يبدأ ذلك بمقاومة إغراء اعتبار إيران التفسير المُناسب لكل أزمة.
فلإيران، كأي قوة إقليمية، مصالح وحلفاء ونفوذ، لكنها ليست المحرك الوحيد لعدم الاستقرار، كما أن كل طرف إقليمي ليس مجرد وكيل يفتقر إلى الاستقلالية.
وبدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين، ينبغي على الولايات المتحدة التركيز على الحقائق، والسعي إلى الدبلوماسية كلما أمكن، وشرح الصراعات للجمهور بدقة وعمق، ويشمل ذلك الاعتراف بتعقيد ظروف أطراف مثل الحوثيين، الذين قد لا تتوافق دوافعهم بدقة مع السرديات الجيوسياسية الأوسع.
يُذكرنا تسريب سيغنال بما يحدث عندما تُختزل السياسة الخارجية في الرسائل السياسية، إنها ليست مجرد مخاطرة، بل هي أيضًا غير مسؤولة، والشعب الأمريكي يستحق أكثر من مجرد شعارات، إنه يستحق سياسة خارجية قائمة على الفهم، لا على التبسيط المفرط.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)