بقلم إيمان بالدو
ترجمة وتحرير مريم الحمد
مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية لحرب السودان، تظل الأزمة الناجمة عن هذه الحرب أسوأ كارثة إنسانية في العالم رغم وجود مناطق صراع أخرى في العالم.
تشير الإحصائيات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا)، إلى أن أكثر من 30 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة في السودان اليوم، فالخسائر التي لحقت بالنساء الحوامل والأطفال دون سن الخامسة كارثية، إذ يعاني 3.7% منهم من الجوع الحاد وسوء التغذية.
إن أردنا النظر إلى الأمر جغرافياً، فقد تم الإعلان عن المجاعة في خمس محليات في دارفور وجبال النوبة، ومن المتوقع أن يتبع ذلك العديد من المناطق، خاصة مع تدهور الخدمات الصحية حيث لا يزال الكثير من الناس يتنقلون مع استمرار انتشار القتال.
يعاني اليوم 1 من كل 4 سودانيين من النزوح الداخلي، مع اضطرار أكثر من 3 ملايين إلى الهجرة خارج السودان، بالإضافة إلى وجود حوالي 17 مليون طفل خارج المدارس
ويقدر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن هناك حاجة إلى أكثر من 6 مليارات دولار لعام 2025، مع الوفاء بنسبة 4.2% فقط من التعهدات حتى الآن، فمع التخفيض في تمويل المساعدات من قبل الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب والتخفيضات في ميزانية التنمية من قبل حكومة المملكة المتحدة، أصبح يتعين على السودان البحث عن طرق بديلة لإنقاذ الوضع وتجنب الكوارث الوشيكة.
من جانبها، أعلنت الأمم المتحدة أنها سوف تحاول مساعدة حوالي 20 مليون سوداني بينما سيبقى 10 ملايين بدون مخصصات، كما أن الموارد التي كانت متاحة منذ 11 مارس تتضاءل يوماً بعد يوم، وليس لدى وكالات مثل برنامج الأغذية العالمي واليونيسف تقدير لما قد يحصل!
الأولوية وقف إطلاق النار
لقد قسمت الأطراف المتحاربة في السودان البلاد إلى مناطق سيطرة، حيث تخضع أكثر من 13 منطقة لسيطرة قوات الدعم السريع، بينما تسيطر القوات المسلحة السودانية على 5 ولايات في شمال وشرق البلاد.
علاوة على ذلك، هناك هيكل حكم منفصل في جبال النوبة تحت قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة فصيل عبد العزيز الحلو، فيما يستمر هيكل آخر تحت قيادة جيش تحرير السودان برئاسة فصيل عبد الواحد النور في جبل مرة في دارفور.
لقد سلط اجتماع عقد مؤخراً في نيروبي بين قوات الدعم السريع وبعض الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية والجماعات المدنية الضوء على التقسيم الفعلي للبلاد، مما يزيد من الأزمة الإنسانية.
على أية حال، الأولوية الآن هي العمل من أجل وقف دائم لإطلاق النار وحشد الجهود السياسية والدبلوماسية لتوحيد منصات التفاوض من أجل الحد من تدفق الأسلحة إلى البلاد والعمل مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وآخرين للتفاوض على سلام دائم.
في هذه الأثناء، فإن حماية المدنيين أمر بالغ الأهمية، ومن أولى الخطوات لوقف الحرب استنزاف الموارد التي تغذيها وتحويل الموارد نحو إنقاذ السكان من الجوع والمرض قبل بداية موسم الأمطار.
أما الخطوة الثانية، فهي تأمين الموارد اللازمة لعودة النازحين على المدى القصير ومن ثم الدخول في شراكات لمرحلة إعادة التأهيل وإعادة الإعمار على المدى الطويل.
تمويل من أجل الاستقرار
يستخدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مرفق الاستقرار الإقليمي كآلية تمويل لدعم الحكومات والمجتمعات في المناطق المتضررة من الصراع، وذلك بهدف الحد من العنف وتنفيذ برامج بناء السلام وتعزيز الانتعاش والتنمية على المدى الطويل.
إضافة إلى ذلك، يعمل برنامج تحقيق الاستقرار على الحماية من عودة العنف والتطرف من خلال استعادة الخدمات الأساسية وتسهيل فرص العمل وبناء مجتمعات متماسكة وسلمية.
في السودان، تتوفر العديد من مصادر الدخل لتغذية مرافق التمويل،
أهمها عوائد الصادرات من الذهب والمعادن الأخرى والتي تعد كبيرة جداً، ولذلك ندعو إلى إعادة النظر في كافة الاتفاقيات التجارية المتعلقة بالذهب والموارد الأخرى التي تم إبرامها في عهد الرئيس السابق عمر البشير.
إضافة إلى ذلك، فإن مراجعة الاتفاقيات الجديدة أمر مطلوب، حيث تشمل هذه الاتفاقيات المتعلقة بالاستثمارات في التعدين والزراعة والموارد الأخرى، إضافة إلى اتفاقيات حول القواعد العسكرية على ساحل البحر الأحمر.
مع مرور أقل من 3 أسابيع على ذكرى 15 إبريل، من الضروري أن تعترف الفصائل المتحاربة بعار شن حرب دمرت حياة المدنيين الذين لا يريدون إلا الحرية والسلام والعدالة
ورغم الصراع المستمر، إلا أن السودان “حقق إنتاجاً قياسياً في عام 2024 ، بلغ إجمالي 64.4 طناً في عام 2024″، وذلك وفقاً لتقرير حديث صادر عن شركة الموارد المعدنية التي تديرها الدولة، حيث تدر صادرات الذهب عبر القنوات الرسمية ملايين الدولارات سنوياً، كما أن إنتاج الذهب في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع آخذ في الارتفاع أيضاً، ومن هنا يجب تتبع الإنتاج واستخدامه في البرامج الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
هناك حاجة أيضاً لفرض غرامات على الدول التي يتم من خلالها تهريب الذهب وإيداع أمواله في الصندوق، كما يمكن للأموال السيادية المودعة لدى البنوك، داخل السودان وخارجه، أن تشكل مصدراً مربحاً للتمويل.
يضاف إلى كل ذلك الأصول التي تم تجميدها عندما كان السودان تحت العقوبات الأمريكية، حيث تم تجميد الأصول لدى العديد من المؤسسات المالية، وتشكل هذه الأموال مصدراً رئيسياً لدخل الصندوق.
من جهة أخرى، يجب أن تكون العقوبات المفروضة على أمراء الحرب والشركات المتحالفة معهم مصممة وفق استراتيجية محددة، وتشكل الأصول المجمدة أموالاً يمكن أن تعمل كضمان للقروض التي سوف تمنحها البنوك التجارية والقروض من المرافق الثنائية والمتعددة الأطراف، حيث تعد الضمانات أصولاً لضمان السداد، وهو إجراء مصرفي وطريقة تتبعها مجموعة السبع وغيرها فيما يتعلق بمناطق الصراع.
يمكن أيضاً استخدام الأموال والأصول التي استولت عليها لجنة تفكيك هياكل السلطة لنظام 30 يونيو عام 1989، والمعروفة باسم تمكين، كضمان لهذه القروض.
يحتاج السودان أيضاً إلى المطالبة بعائدات تعريفات الحركة الجوية المستحقة على دول مثل الولايات المتحدة منذ عقود، كما تعتبر أموال الوقف والزكاة مصادر مستدامة للأموال التي يمكن أن تساهم في صندوق تحقيق الاستقرار في السودان.
أما فيما يتعلق بتقديم البرامج الإنسانية، فينبغي أن يكون التركيز على توطين تقديم الخدمات بشكل رئيسي من خلال شبكات المتطوعين في السودان، وعلى رأسها غرف الاستجابة للطوارئ والمطابخ الجماعية.
مع مرور أقل من 3 أسابيع على ذكرى 15 إبريل، من الضروري أن تعترف الفصائل المتحاربة بعار شن حرب دمرت حياة المدنيين الذين لا يريدون إلا الحرية والسلام والعدالة.
وأخيراً، يمكن لصندوق الاستقرار أن يمثل وسيلة للعدالة وطريقة لاستعادة ما هو حق لمواطني السودان، فلفترة طويلة جداً، ساد الإفلات من العقاب على العدالة، ولكن حان الوقت لكي ينتهي ذلك.
للاطلاع على النص الأصلي من (هنا)