استمتعت هدى حلس بفترة راحة قصيرة خلال الأيام الأولى من وقف إطلاق النار الأخير الذي استمر شهرين بين دولة الاحتلال وحركة حماس، فقد أمضت تلك الأيام مع عائلتها المكونة من ثمانية أفراد في خيمة مؤقتة في شارع الوحدة، وسط مدينة غزة، بعد أن قصف الاحتلال منزلهم في حي الشجاعية بغارة جوية عام 2023.
وكانت هدى تخطط مع عائلتها لإعداد أطباق متنوعة خلال شهر رمضان المبارك، لكن مشاريعهم انقلبت رأسًا على عقب في 2 مارس/آذار، عندما أغلقت دولة الاحتلال الحدود، مانعةً دخول جميع المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية والبضائع إلى غزة، مجددة بذلك حصار القطاع ودافعة سكانه إلى حافة المجاعة مرة أخرى.
وقالت هدى: “كنا نطبخ أطباقًا متنوعة كل يوم، ولكن الآن كل ما نأكله منذ أكثر من 20 يوماً هو الأرز، حتى أنه بدأ يُسبب لي تقلصات شديدة في المعدة”.
وفي آخر تحديث له، أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، يوم الأربعاء، بأن حظر الاحتلال دخول المساعدات مستمر منذ قرابة شهر، وأن أي مساعدات لم تدخل إلى القطاع طوال هذه الفترة، وأن جميع طلبات الوكالات الإنسانية لتنسيق المعونات مع سلطات الاحتلال قد رفضت بالكامل.
علاوة على ذلك، أسفرت هجمات الاحتلال عن استشهاد ثمانية عاملين في المجال الإنساني منذ قرار تل أبيب أحادي الجانب باستئناف العدوان على غزة في 18 مارس/آذار، ليصل إجمالي عدد عمال الإغاثة الذين قتلهم جيش الاحتلال في غزة إلى 399، وفقًا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.
وتتذكر حلس لحظة فرض الحصار، حيث قالت إن المتاجر كانت فارغة في غضون ساعات، وما تبقى منها كان باهظ الثمن، وحتى المساعدات الخيرية، التي كانت تقدم في السابق وجبات متنوعة تضاءلت، ولم تعد تقدم سوى حصص صغيرة من الأرز وقت الإفطار.
وبعد أيام من تناول القليل من الأرز، لم تستطع هدى النوم ليلًا، إذ عانت من ألم شديد ومغص في المعدة حيث شُخِّصت إصابتها قبل أسبوعين بالتهاب في المعدة.
وقالت: “نصحني الأطباء بتناول طعام صحي وتجنب المعلبات، لكن لا يوجد ما آكله سوى المساعدات الخيرية رديئة الجودة، أنا أعيش على الخبز والجبن فقط، كلما توفر ذلك”.
وكان من المفترض أن تتناول والدة حلس، منال، البالغة من العمر 52 عامًا، طعامًا صحيًا أيضًا، فقد أصيبت بنوبة قلبية وارتفاع في ضغط الدم مطلع هذا الشهر.
وتعتقد هدى أن السبب الرئيسي لتدهور صحة والدتها هو العيش في ظروف قاسية داخل الخيام، بما في ذلك النقص الحاد في الطعام وقلة مياه الشرب النظيفة.
وتتذكر هدى: “في السابق، وخلال شهر رمضان، كانت والدتي تُحضّر مائدة شهية من الدجاج واللحوم والخضراوات، وتُعدّ كل طبق بعناية للعائلة، أما الآن، فهي تنظر إلينا بعجز، وتطلب منا الصمود، آملةً ألا يطول جوعنا”.
كنا نعتاش على الحمص المعلب
وقبل وقف إطلاق النار، نزحت هدى وعائلتها إلى خان يونس، جنوب قطاع غزة وواجهت هناك ظروفاً غذائية صعبة تقول عنها: “لم نكن نجد رغيف خبز، لمدة شهرين، عشنا على الحمص المعلب فقط.”
وخلال وقف إطلاق النار، خشيت هدى وعائلتها من عودة الحرب والمجاعة التي ستليها لا محالة، وهذا ما حدث بالفعل، حيث قالت: “من الظلم أن نعيش في جوع مرة أخرى”.
أما أحمد رمضة، البالغ من العمر 38 عامًا، فهو يكافح أيضًا لإيجاد ما يأكله أو يطعم منه أطفاله الأربعة خلال حصار الاحتلال الشامل الحالي على دخول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء، ويعتقد أن أثر الحصار أسوأ من العام الماضي.
“لم نعد نملك الطاقة للفرار من مكان لآخر أو جلب الماء أو حتى التعافي من الجروح بسبب نقص الغذاء والرعاية الطبية، يريدوننا أن نكون بلا مأوى، معتمدين على المساعدات الإنسانية المحدودة، لكن كل ما نريده هو أن تُفتح الحدود لنتمكن من العمل، وكسب عيشنا، والعيش بسلام” – أحمد رمضة
كان رمضة يعمل سائقًا، لكن سيارته قُصفت بغارات جوية للاحتلال في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أثناء إجلائه هو وعائلته، وقد دُمر منزله أيضًا، وقُتل والده، وجُرح العديد من أفراد عائلته.
ويعيش رمضة وعائلته الآن في خيمة بشارع عمر المختار وسط غزة، حيث يقول: “أطفالي يبكون كل يوم، رافضين تناول العدس أو الأرز من المساعدات الخيرية، يطلبون مني الدجاج واللحم والفواكه”.
ويروي رمضة المزيد عن بؤس حياة أطفاله قائلاً: “حتى أن والدتهما كذبت عليهما، قائلةً إنها وضعت لحمًا مفرومًا في الطعام، لكنه ذاب أثناء الطهي، أتمنى الموت قبل أن أرى أطفالي يموتون جوعًا”.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، رُزق رمضة وزوجته سناء بمولودتهما مسك في خيمة النزوح بدير البلح، وسط قطاع غزة، لكن الأم واجهت صعوبة في إرضاع مولودتها بسبب نقص التغذية السليمة، وفي أغسطس/آب 2024، توفيت مسك بسبب سوء التغذية.
وأوضح رمضة والدموع تنهمر من عينيه: “كافحت سناء لإرضاع مسك بسبب نقص الطعام الصحي، ولأننا لم نكن نستطيع شراء ما هو متوفر في الأسواق”، وفي الوقت نفسه، تعاني ابنته جوري، البالغة من العمر 10 سنوات، من الجفاف.
وقال رمضة: “فقدتُ ابنتي، وأخشى أن أفقد أخرى قبل أن تُفتح الحدود ونحصل على الطعام، أنا أناشد العالم أن يُنهي معاناتنا لا من أجلنا نحن الكبار، بل من أجل أطفالنا المحرومين من أبسط حقوقهم.”
وأردف: “إذا فُتحت الحدود، آمل أن أهرب من غزة، باحثًا عن حياة جديدة في النرويج أو بلجيكا، حيث أجد عملًا وأعيش بسلام مع عائلتي.”
“نريد أن تنتهي الحرب”
وفي قصة مؤلمة أخرى، يكافح المزارع مازن معروف، 48 عامًا، من أجل البقاء مع عائلته المكونة من 11 فردًا.
وخلال وقف إطلاق النار، زرع هو وأبناؤه الستة الطماطم والبصل في أرضهم الزراعية في بيت لاهيا، على أمل إطعام أنفسهم وكسب عيشهم من محاصيلهم، لكن مشاريعهم تبددت عندما نسفت دولة الاحتلال اتفاق وقف إطلاق النار في 18 مارس/آذار.
يقول معروف عن ذلك: “بدأ قصف الاحتلال المدفعي والجوي فجأةً في الصباح فلم نستطع سوى أخذ خيمتنا، ولم نكن نعرف إلى أين نذهب”.
وبالكاد وجد معروف وعائلته مكانًا خاليًا لنصب خيمتهم في حي اليرموك بسبب ازدحام حركة النازحين، لكنهم ما زالوا يكافحون لإيجاد ما يأكلونه، إذ لا يملكون المال ولم يتمكنوا من إحضار أي طعام معهم عند إجلائهم.
كان شمال القطاع وخاصة بيت حانون يُعتبر سلة غذاء غزة، لكنه تعرض للتدمير بسبب الحرب، حيث أفادت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن الاحتلال دمر ما لا يقل عن 67.6% من الأراضي الزراعية في شمال غزة.
وأوضح معروف: “لا نأكل إلا عندما تصلنا المساعدات الخيرية أو عندما يتشارك الآخرون طعامهم المعلب، أنا وعائلتي مرضى ونعاني من سوء التغذية”.
وأضاف: “لا نريد الاعتماد على المساعدات الإنسانية، نريد أن تتوقف الحرب الآن وأن نعيش بسلام وكرامة”.
للاطلاع على المقال الأصلي من (هنا)